kiii
  • عنواننا في التلغرام : https://telegram.me/al_kawthar الإيميل : alkawthar.com@gmail.com
  • اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا اَبا عَبْدِاللهِ وَعَلَى الاَْرْواحِ الَّتي حَلَّتْ بِفِنائِكَ عَلَيْكَ مِنّي سَلامُ اللهِ اَبَداً ما بَقيتُ وَبَقِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَلا جَعَلَهُ اللهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنّي لِزِيارَتِكُمْ ، اَلسَّلامُ عَلَى الْحُسَيْنِ وَعَلى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَعَلى اَوْلادِ الْحُسَيْنِ وَعَلى اَصْحابِ الْحُسَيْن ِ (اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه و على آبائه في هذه الساعة و في كل ساعة وليا و حافظا و قائدا و ناصرا و دليلا و عينا حتى تسكنه أرضك طوعا و تمتعه فيها طويلا)

البقرة 2

20177 20173 20171 هـ - الموافق 26 مارس 2017

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ }(البقرة/4)

الآية الكريمة تبيِّن سائر صفات المتَّقين وهي ثلاثة:

الإيمان بما أنزل إلى رسول الله (ص) والإيمان بما أنزل من قبله والإيقان بالدار الآخرة، ويوجد بينها ترابط وثيق بيِّن بحرف العطف، وقد قلنا سابقاً إنَّ العطف هو الذي يجعل المعطوف ناظراً على المعطوف عليه.

الترابط الوثيق

نلاحظ في كثير من السور القرآنية أنَّ هناك ترابطاً وثيقاً بين بداياتها وأواخرها، بحيث أنَّها تشكِّل مجموعة واحدة، ونشاهد ذلك في سورة البقرة أيضاً، فهي تبدأ بالإيمان بالأمور الثلاثة المذكورة في الآية الرابعة منها، وهي رغم كثرة آياتها واشتمالها على حقائق متنوِّعة إلا أنَّها تختم بقوله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}(البقرة285) وهي تحتوي على نفس تلك المفاهيم، من الإيمان بالكتب والرسل والآخرة حيث تقول: "وإليك المصير".

النسخ!

ربَّما يتصوَّر البعض أنَّه لا ضرورة للإيمان بما أنزل على الرسل الذين كانوا قبل الرسول (ص) لأنَّها منسوخة بالقرآن الكريم، وهو توهُّمٌ غير صحيح، يدفعه القرآن حيث قال تعالى:{وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ...}(المائدة48) فالتصديق يعني الإيمان بها والهيمنة تعني كونها منسوخة. وأيضاً قوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} حيث جعل الإيمان بها من صفات المتَّقين، لأنَّ الإعتقاد بالنسخ إنَّما يصحُّ بعد الإيمان بأنَّها أنزلت من قبله تعالى وعلى ضوء هذا الإيمان، يصحُّ عتاب اليهود والنصارى في تحريفهم لهذه الكتب المقدَّسة وتقبيح هذا العمل الشنيع وتهديدهم كما قال: {أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}(البقرة75)

ثمَّ قال: { فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ }(البقرة79) وسيأتي شرح الآيتين تفصيلاً في هذه السورة المباركة.

بما أنزل!

لو تفحصنا القرآن الكريم لعثرنا على آيات كثيرة تشتمل على هذا الأمر أعني "ما أنزل" وهو كما ترى مبهم لا يدلُّ على أمرٍ واضح فأيُّ شيء أنزل إلى الرسول ؟

الظاهر أنَّ "ما أنزل" هو الكتاب الإلهي كما تصرِّح بذلك كثير من الآيات المباركة كقوله:

{وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ...} (الأنعام92) وقد ورد هذا التعبير في عشرات الآيات، منها قوله تعالى:{كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ}(الأعراف2-3)

ولكن هناك آيات أخرى تدلُّ على أنَّ هذا المفهوم أشمل من الكتاب كقوله تعالى:

{ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ }(المائدة67)

ولا شك أنَّ الآية وردت في شأن واقعة الغدير، وقد أشرنا إلى هذا الأمر سابقاً وشرحناه في كتابنا "الأنوار الإلهيَّة" فراجع[1]، ومع التدبُّر فيها نلاحظ عدم وجود أيّ تعارض بينها، لأنَّه تعالى كثيراً ما يركِّز على الحكم بما أنزل الله كقوله : {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ}(المائدة44) وهو تنفيذ القانون الإلهي في المجتمع، كما تشهد لذلك الآيات التِّي وردت بعدها. والجدير بالذكر، ما ورد في قوله تعالى:{وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ}(المائدة81)

النبوَّة الخاصة والنبوَّة العامَّة

الآية الكريمة تبيِّن أصلين من أصول الدين وهما النبوَّة والمعاد. وأمّا الثاني فسيأتي وأما الأول أعني النبوَّة فلها مرحلتان، قد بينهما الله سبحانه في الآية، فإنَّها وإن كانت بصدد بيان الإيمان بالكتب السماوية، إلا أنَّ ذلك يلازم الإيمان بالرسل، بل الأهميَّة الأولى تتوجَّه إلى الإيمان برسل الله لأنَّ العقل يحكم بضرورة وجود الهادي في كلِّ زمان، فقوله: "بما أنزل إليك" يستفاد منه النبوَّة الخاصة، وقوله "بما أنزل من قبلك" يدعو إلى النبوَّة العامَّة، وكلاهما مترابطان.كما أنّ هناك انسجاماً دقيقاً وتنسيقاً كاملاً بين الأديان الإلهية، فالأصل في الأديان واحد لأنها جميعاً من عند الله تعالى وأما الإنحرافات الطارئة عليها فهي من الناس أنفسهم، كما أنَّ الآية الكريمة تشير إلى أنَّ الذي يلزم الإيمان به هو ما أنزل إلى النبي وسائر الأنبياء من قبل، لا مطلق ما نُسب إلى السماء من كتاب أو حديث فلا يجوز الإيمان بالخرافات والأوهام.

مراحل الكتب و الرسل

إنَّ الكتب الإلهيَّة كلُّها، تعتبر مراحل مختلفة دراسية متدرِّجة للبشرية عامَّة حسب استيعابهم لها، فتبدأ بالابتدائية فالإعداديَّة فالثانوية فالجامعيَّة، فكلَّما ينضج فكر الإنسان ويرتفع مستواه، يترقَّى منهجه الدراسي ويتطلَّب كتاباً غير ما سبق، فمجيء الأنبياء واحد تلو الآخر، إنَّما هو لإكمال الشوط، قال تعالى: { ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا...}(الحديد27) وقال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ...}(البقرة87) وقال: { وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ...}(المائدة46)

وهذه الآيات هي التِّي ترسم لنا الخط الواضح للأنبياء، فالتقفية تعني جعل الشيء في أثر الشيء، فمقاطع الشعر تسمَّى قوافٍ، و القافيةٌ اسمٌ للجزء الأخير من البيت، فالقصيدة الكاملة مهما اختلفت من ناحية محتوى الأبيات إلا أنَّها تنطلق من منطلق واحد وتستهدف غاية معيَّنة، والأنبياء كذلك فكلَّهم ينطلقون من مبدء واحد وهو التوحيد و يدعون الناس إلى حقيقة واحدة وهي التقرُّب إلى الله سبحانه، فإذاً هم ذو قافية واحدة، ولو كانت مناهجهم فمختلفة: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً}(المائدة48)

توضيح ذلك

الشرائع الإلهيَّة تشترك في أمور وتختلف في أخري :

أمَّا المشتركات

فهي تندرج في أمور أربعة:

1-المعتقدات الأساسيَّة

أ-التوحيد:

لقد بعث الله جميع الأنبياء من أجل الدعوة إلى الإيمان بالله سبحانه وتوحيده، وهذا أمر واضح لا يحتاج إلى إثبات؛ كيف وهناك عشرات من الآيات الدالَّة على ذلك، فقد صرَّح القرآن في بيان الغاية من بعث الأنبياء حيث قال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول ٍإِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِي}(الأنبياء25)  وقال تعالى على لسان الأنبياء عليهم السلام {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}(المؤمنون52) وقال: { إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ}(الزخرف64)   وعندما يتحدَّث - سبحانه - عن أهل الكتاب ويذكر تفرقهم بعد أن جاءتهم البيِّنة من الله يقول: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}(البينة5) وهذا إبراهيم (ع) يقول: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ}(الأنعام79) ولذلك يستغلُّ سبحانه هذه العقيدة فيطلب من رسول الإسلام (ص) أن يدعوَهم إلى المحور المشترك بينه وبينهم فيقول:

{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}(آل عمران64) ومن جهة أخرى يشدّد سبحانه في مواجهة الشرك بجميع أبعاده ومراتبه حيث يقول: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}(الزمر65) ومن الواضح أنَّ هذا الشرك المذكور هنا ليس من الشرك الصريح ولا الخفي بل هو أقل مستوى منهما وهو التوجُّه إلى المباحات التِّي لا بدَّ منها ، وشاهد ذلك قوله تعالى بعد ذلك : {بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ}(الزمر66) فالعبادة المطلوبة من الأنبياء سواء النبي الأكرم (ص) أو سائر الأنبياء عليهم السلام، هي عبادة الأحرار التي تتمحض في الله بما لهذا الإسم الأعظم من معنى، وهذا مفاد الحصر الناتج من تقديم ما حقُّه التأخير وقد شرحنا هذا الموضوع في تفسير سورة الفاتحة فراجع[2]. والجدير بالذكر ما ورد في آخر الآية حيث قال: {وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} وذلك عطفاً على قوله {بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ} وقد أكَّدت الأحاديث على ذلك ففي الحديث المشهور حين اشتكت فاطمة بنت علي بن أبي طالب عليهم السلام عند جابر بن عبدالله حال الإمام زين العابدين عليه السلام، وقالت له:

"يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله إن لنا عليكم حقوقا ومن حقنا عليكم أن إذا رأيتم أحدنا يهلك نفسه اجتهادا أن تذكروه الله، وتدعوه إلى البقيا على نفسه" فأقبل جابر يقول : يا ابن رسول الله، أما علمت أن الله إنما خلق الجنة لكم ولمن أحبكم، وخلق النار لمن أبغضكم وعاداكم، فما هذا الجهد الذي كلفته نفسك ؟ ! فقال له علي بن الحسين عليه السلام فيما قال:

 ((أفلا أكون عبدا شكورا))[3]

وفي نهج البلاغة قال أمير المؤمنين عليه السلام :

((إن قوما عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وإن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإن قوما عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار))[4]

ب:المعاد

جميع الأنبياء كانوا يدعون الناس إلى المعاد فيبشِّرونهم الثواب ويحذِّرونهم العقاب وهذا الأمر واضح بديهي لمن يتصفَّح القرآن الكريم.

ج:النبوَّة الخاصة

 أعني نبوَّة النبي الأكرم (ص) من أهم تعاليم الأنبياء لأممهم، فاسمه (ص) كان ولا يزال مذكوراً في كتبهم، قال تعالى:{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ...}(الأعراف157)

 وقال: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ}(الصف6)

د:الإمامة

هناك أمر مشترك بين الأديان وهو الإمامة والخلافة التي كانت متداولة بينهم، قال تعالى:

{وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا...}(المائدة12)

والنقيب هو شاهد القوم وضمينهم وعريفهم وسيِّدهم و إمامهم، والجدير بالذكر ما ورد من الأحاديث الكثيرة منّا ومنهم، أن عدة الأئمة والخلفاء والسادة بعد النبي صلى الله عليه وآله اثنا عشر خليفة كعدة نقباء بنى إسرائيل نذكر نموذجاً واحداً منها:

 ((عن محمد بن علي بن إسماعيل اليشكري، عن سهل بن عمار النيشابوري، عن عمر بن عبدالله بن زيد، عن سفيان بن سعيد بن عمرو بن أشرع، عن الشعبي، عن جابر بن سمرة قال : جئت مع أبي إلى المسجد و رسول الله صلى الله عليه وآله يخطب، فسمعته يقول : بعدي اثنا عشر - يعني أميراً - ثم خفض من صوته فلم أدر ما يقول، فقلت لأ بي : ما قال ؟ قال : كلُّهم من قريش))[5]

2-الأسس الأخلاقية

جميع الأنبياء كانوا يحرِّضون الناس على التخلُّق بالأخلاق الحسنة واجتناب الصفات الرذيلة وهذا أيضاً واضح بديهي لا شك فيه، فمن يكن لديه إلمام بالقرآن ولو على مستوى بدائي،  يذعن بهذه الحقيقة، وهذه سورة الشعراء تذكر نصائح الأنبياء وفي سبعة موارد منها قد ورد على لسانهم: " فَاتَّقُوا اللَّهَ وأَطِيعُون " والتقوى هو الأساس الأوَّل للتحلِّي بالصفات الحسنة والتخلِّي عن الصفات القبيحة.

3-أساس الدين القويم

الدين واحد لا يتعدَّد كما قال: { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ...}(آل عمران19) وهذه الوحدة في الدين هو الحافز والدافع المهم في توحيد شمل الأمة ومنعهم من التفرقة، ولذلك قال تعالى:

{ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا...}(الشورى13)

4-أصول التكاليف

جميع الأديان الإلهيَّة متَّفقة على أصول التكاليف من العبادات والنسك، وهذا الأمر واضح لا ريب فيه، ولكننا سوف نتطرَّق إلى بعض الآيات في هذا المجال تذكرةً للقرّاء، فنقول:

أ-الصلاة والزكاة

وهما من أهم العبادات التِّي كُلِّف بها جميع الأمم. يقول سبحانه في شأن إسماعيل(ع):

{ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا}(مريم54-55)

بل حتَّى المستحبّات مثل صلاة الجماعة قد شرِّعت في الأمم السابقة. قال تعالى خطاباً لمريم(ع):

{يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ }(آل عمران43)

وبالنسبة إلى الصلاة في المحراب يقول:

{فَنَادَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ...}(آل عمران39)

ب:الحج

فهذا شعيب النبي يخاطب موسى بحضور ابنتيه:

{قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ}(القصص27)

وهناك حديث في تفسير العياشى عن الحلبى :

((سئل أبوعبدالله عليه السلام عن البيت، أكان يحج قبل أن يبعث النبى صلى الله عليه واله ؟ قال : نعم وتصديقه في القرآن، قول شعيب حين قال لموسى حيث تزوج : "عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ" ولم يقل ثماني سنين))[6].

قال العلامَّة الطباطبائي قدس سرُّه:

"وبه يظهر أنَّ حج البيت - وهو من شريعة إبراهيم عليه السلام-كان معمولا به عندهم"[7]

ج:الصيام

الآية التالية قد صرَّحت بأنَّ الصيام كان واجباً في الأمم السابقة جميعاً :

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(البقرة183)

ومع ملاحظة نهاية الآية المباركة أعني "لعلَّكم تتَّقون" تستطيع أن تعرف السرّ في وجوبه على جميع الأمم، لأنَّه قد مرَّ بأن الدعوة إلى التقوى، هي من أهم مناهج الأنبياء، فتطبيق ذلك الأمر الكلِّي الذي مرَّ، يتحقَّق بهذه العبادة، فتلك كبرى وهذه صغرى فتأمّل.

وأما المفارقات

فهي أيضاً كثيرة إلا أنَّ كلَّها ترجع إلى الشريعة فكلٌّ من الأنبياء أولي العزم كان صاحب شريعة مميَّزة { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً}(المائدة48) رغم كونهم جميعاً على طريقة واحدة، فالشريعة هي التِّي تقبل النسخ دون الدين فهو ثابت على أيِّ حال، فمن الأمور التِّي كانت في عصر عيسى هي: "صوم الصمت" قال تعالى مخاطباً مريم(ع): 

{ فَإِمَّا تَرَيْنَّ مِنْ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَانِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا}(مريم26)

والظاهر أنَّ هذا الصوم كان متعارفاً و مسنوناً في ذلك العصر، فلذلك قبلوا عذرها.

وهناك أمور كثيرة أخرى كانت محرَّمة في بعض الشرائع السابقة أو كلِّها وحلِّلت في شريعتنا السمحة. قال سبحانه:

{وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوْ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ}(الأنعام146)

وتحريم هذه الأمور لا لآثار وضعيَّة سلبيَّة فيها بل هو نوع من التأديب والجزاء في قبال الظلم الذي كانوا يمارسونه، كما قال تعالى:{ فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا }(النساء160)

وقد ورد في تفسير الآية الأولى :

"ومعنى قوله "جزيناهم ببغيهم" أنَّه كان ملوك بني إسرائيل يمنعون فقراءهم من أكل اللحم والطير والشحوم فحرَّم الله ذلك عليهم ببغيهم على فقرائهم"[8]

وهناك حديث في الكافي الشريف ، نذكره بطوله إتماماً للفائدة:

((علي بن إبراهيم ، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، وعدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن إبراهيم بن محمد  الثقفي، عن محمد بن مروان جميعا عن أبان بن عثمان، عمن ذكره، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : إن الله تبارك وتعالى أعطى محمدا صلى الله عليه وآله شرائع نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام : التوحيد والاخلاص وخلع الأنداد والفطرة الحنيفية السمحة ولا رهبانية ولا سياحة، أحل فيها الطيبات وحرم فيها الخبائث ووضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ، ثم افترض عليهم فيها الصلاة والزكاة والصيام والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحلال والحرام والمواريث والحدود والفرائض  والجهاد في سبيل الله . وزاده الوضوء وفضّله بفاتحة الكتاب وبخواتيم سورة البقرة والمفصل وأحلّ له المغنم والفيء ونصره بالرعب وجعل له الأرض مسجدا وطهور أو أرسله كافة إلى الأبيض والأسود والجن والإنس وأعطاه الجزية وأسر المشركين وفداهم، ثم كلف مالم يكلف أحد من الأنبياء وأنزل عليه سيف من السماء، في غير غمد وقيل له : " قاتل في سبيل الله لا تكلف إلا  نفسك))[9]

وهذا  هو مفاد من "المنَّة" الواردة في قوله تعالى:

{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ}(آل عمران164)

ولذلك ورد حديث عن رسول الله (ص) يطلق عليه حديث الرفع :

((الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن أبي داود المسترق قال : حدثني عمرو ابن مروان قال : سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : رفع عن أمتي أربع خصال: خطاؤها ونسيانها وما أكرهوا عليه وما لم يطيقوا وذلك قول الله عز وجل: "ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولاتحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحمّلنا ما لاطاقة لنا به))[10]

وأيضاً:

 ((الحسين بن محمد، عن محمد بن أحمد النهدي، رفعه، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وضع عن أمتي تسع خصال: الخطأ والنسيان ومالا يعلمون  ومالايطيقون وما اضطروا إليه ومااستكرهوا عليه والطيرة والوسوسة في التفكر في الخلق والحسد مالم يظهر بلسان أويد)) وهذا الحديث له دور مهم في استنباط الأحكام الشرعية . والآية التالية تشير إلى ذلك حيث عفى الله عن كثير من الأمور قال: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ}(المائدة15)

الخاتميَّة

في تقديم القرآن "ما أنزل إليك" دلالة على أفضليته وجامعيته وكماله، وإنَّه بوجوده الحقيقي الروحاني، مقدَّم على سائر الكتب - كما هو ثابت في محلِّه - كما أنَّ النبي (ص) مقدَّم في الخلق على سائر الأنبياء، وأيضاً يستفاد من ذلك خاتمية النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وانقطاع الوحي بعده لأنّ الآية لم تتحدَّث عن المستقبل أصلاً بل تتحدَّث عن الماضي وهذا يدل على عدم وجود كتاب مستقبلي .

بقي بحث عن ماهيَّة تلك الكتب والصحف سيأتي في محلِّه إن شاء الله تعالى.

{وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}(البقرة/4).

وأما المقطع الثالث من الآية المباركة أعني {... وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}(البقرة/4).، فيرتبط بالأصل الخامس من أصول الدين وهو المعاد، وقد تطرق القرآن الكريم إلى هذا الموضوع بالتفصيل أكثر من المواضيع الأخرى، بحيث لا تخلو أكثر السور من ذكر الآخرة -إمّا بالصراحة أو الإشارة- بل توجد سُوَر ممحضَّة في بيان الآخرة، مثل سورة الواقعة والنبأ وغيرهما.

الآخرة

عبَّر القرآن الكريم عن عالم الآخرة بتعابير مختلفة، أشرنا إلى بعضها في تفسير قوله تعالى "مالك يوم الدين"[11].

وقد ذكر سبحانه عنواناً لذلك العالم وهو: "الآخرة" وهذا أبرز مفهوم يشير إليه، فمن اللازم أن نتحدَّث عن هذا المفهوم على ضوء القرآن فنقول:

الآخرة في اللغة:

قال الراغب في غريب القرآن:

"آخِر: يقابل به الأول وآخَر يقابل به الواحد. ويعبر بالدار الآخرة عن النشأة الثانية كما يعبر بالدار الدنيا عن النشأة الأولى، نحو: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}(العنكبوت/64). وربما ترك ذكر الدار نحو قوله: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ}(الشورى/20). وقد توصف الدار بالآخرة تارة وتضاف إليها تارة نحوقوله: " {... وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}(الأنعام/32). {...وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}(يوسف/109). "[12]

 

لا تناسب بين الدنيا والآخرة

ليس هناك أمر جامع بين الدنيا وبين الآخرة أصلاً، حيث لا علاقة بين عالم الواقع وعالم الوهم والخيال، فالدنيا عند الله لا قيمة لها أصلاً وقد وصفها الله في كتابه بأوصاف من خلالها نعرف مستوى حقارتها ووهنها.

عَرَض

وقد وردت هذه الكلمة في آيات أربعة، فقال تعالى:

{... تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(الأنفال/67). وقال: {...وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ...}(النساء/94). وقال: {... لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ...}(النور/33).

وقد حقَّر سبحانه هذه الدنيا في قوله: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى...}(الأعراف/169). فلكونها أدنى سمِّيت دنيا.

وأمَّا العرض:

فهو الأمر الذي لايكون له ثبات ولذلك قالوا لما لاثبات له عرضٌ وذلك في قبال الجوهر. فالعرض هو الذي يفتقر إلى الجوهر في تحققه، كاللون والطعم والطول والعرض، فلا تتحقق هذه الأمور إلا ضمن الجوهر الذي له استقلال في وجوده. فالدنيا كذلك، أعني لا ثبات لها ولا استقلال.

متاع قليل

والمتاع القليل هو الذي له أمد وبعده لا واقع له أصلاً. قال تعالى: {مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ}(آل عمران/197). وقال {مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(النحل/117). وعند التدبُّر في الآيتين نشاهد أنَّه تعالى قد ذمَّ هذه الدنيا بوصفها متاع قليلن وبيَّن عاقبة من يغترُّ بها، وفي قبالها الآخرة التِّي قد وصفت بصفة "الخير" المطلق في كثير من الآيات، فقال:

{... قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً}(النساء/77). وقال: {وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}(الأعلى/17). وقال تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}(الأنعام/32).

العلاقة بين الأولى والأخرى

لو تأمَّلنا في مفهوم الآخرة، علمنا بأنَّها تقع في قبال الأولى،كما قال تعالى:

{وَهُوَ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}(القصص/70).

وقال :{فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى}النازعات/25). {وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى}(الضحى/4). {فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى}(النجم/25). {وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى }(الليل/13).

فالظاهر أنَّ هناك نشأتين فقط وهما: النشأة الأولى والنشأة الأخرى. وأما الدنيا فلا تعدُّ من النشآت بل هي حالة طارئة على البشرية ولئن وردت في بعض الآيات في قبال الآخرة أو القيامة، فباعتبار أنَّ الإنسان يعيش في هذه الدنيا، فالنظر كلّ النظر إليه لا إلى الدنيا، وقد شرحنا هذا الموضوع تفصيلاً في كتابنا دولة المهدي(ع) فراجع[13].

النشأة والإنشاء

والنشأة هي إحداث الشيء وإيجاده واختراعه. يقول سبحانه: {وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى}(النجم/47).

وقال تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلاَ تَذكَّرُونَ}(الواقعة/62).

إنَّ أكثر المفسِّرين فسَّروا النشأة الأولى بالدنيا. قال العلامة (قدس سرُّه) في الميزان:

"المراد بالنشأة الأولى نشأة الدنيا، والعلم بها بخصوصيّاتها يستلزم الإذعان بنشاة أخرى خالدة فيها الجزاء "[14].

ثمَّ شرح كيفيَّة التذكُّر من خلال فناء الدنيا وفلسفة بعث الرسل وتشريع الشرائع وتوجيه الأمر والنهي وهداية الناس.

أقول:

إنَّ الدنيا لا يطلق عليها النشأة أصلاً، بل هي -كما قلنا- لا تعدُّ داراً، فالمقصود من النشأة هو ما أشار إليها سبحانه في قوله:

{... ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}(المؤمنون/14).

فالروح الإنسانية هي النفحة الإلهيَّة التي يعززها سبحانه ويعظِّم خلقها وهي التِّي سوف تعود إلى البدن في النشأة الآخرة، وعليه فالنشأة الأولى ترتبط بعالم الروح وحالاته كما في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ}(المؤمنون/78).

والآيات التالية هي التِّي تفصِّل هذا الأمر وتحسم الموضوع، حيث يبدأ سبحانه ببيان الخلق فيقول:

{الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ*ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ}(السجدة/7 : 8).

فالمرحلة الأولى هي أنَّه سبحانه خلق الإنسان الأوَّل من طين وجعل نسله من سلالة من ماء مهين، ولكن هناك مرحلة ثانية هي الأساس في الإنسان كإنسان وهي ما بينت في قوله تعالى بعد ذلك، حيث قال:

{ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ}(السجدة/9).

أنظر إلى هذه الآية وقايسه بالآية السابقة أعني "سورة المؤمنون/78"، فهي تفسِّر المقصود من الجعل في هذه الآية وهو "الإنشاء " بعين.

التوفي لا الفوت

على ضوء ذلك يمكننا أن نعرف حقيقة البعث والنشور، فالكافرون قد خلطوا بين أمرين فوقعوا في الشبهة والضلال:

الأمر الأوَّل: هو ما بيَّنه سبحانه بقوله بعد ذلك:

{وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ}(السجدة/10).

فهم جهلوا أو تجاهلوا الروح وعطفوا كلَّ توجُّههم إلى الجسم، فتوَّهموا أنَّ ضياع الذرَّات المادية في الأرض، يعني فناء وزوال الإنسان بالمرَّة، والقرآن يرجِّح جانب التجاهل والكفر فلا يقبل قولهم لأنَّه قال{... بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ}(السجدة/10).

وهذا يضاهي قوله تعالى في سورة يس: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ}(يس/78).

ومن الواضح أنَّهم يتصوَّرون أنَّ كلُّ ما في العظام هو من مقولة المادة وعندما تتفتَّت العظام وتصبح رميماً، فلا يبقى لها أثر بعد ذلك.

الأمر الثاني: وهو حقيقة الإماتة والإحياء، فالموت لا يعني الزوال بل هو "التوفي" والأخذ الكامل، ولهذا قال تعالى في جوابهم:

{قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ}(السجدة/11).

فلا زوال ولا انعدام في البين، إنَّما هو انتقال من مرحلة إلى أخرى، بل استمرار لأمرٍ واحد في حالات مختلفة. كما أنَّ هناك استيفاءً ناقصاً يتحقَّق في المنام، حيث يقول سبحانه:

{وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}(الأنعام/60).

وقد فصَّل سبحانه في هذا الأمر أكثر حيث قال:

{اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}(الزمر/42).

والمتأمِّلُ في هذه الآيات وأمثالها، يذعن بحقيقة الموت، فالحقيقة ليست هي إلاّ الأخذ والإرسال أو الذهاب والإياب أو الإبتداء والرجوع، ما شئت فعبِّر .

هذا:

ونفس الجواب يصدق في أمر العظام التي صارت رميماً، فالحياة التِّي أُخذت منها، سوف ترَّد إليها مرَّة ثانية. قال تعالى:

{قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}(يس/79).

وقوله: "وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ" في آخر الآية، يشير إلى علمه تعالى المطلق، فهو مخيِّم على كافة الأشياء من الجسمانيات والروحانيّات، مهما كانت وأينما كانت، فسوف يرجعها جميعاً، والآية تؤكِّد على المعاد الجسماني والروحاني الثابت لدى محققي علمائنا، طبقاً للنصوص القرآنية الكثيرة والأحاديث المتواترة. ومثلها قوله تعالى:

{أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}(البقرة/259). وكلُّ ذلك نابع من قدرة الله تعالى فهو على كلِّ شيء قدير .

المعاد الروحاني و الجسماني

 واللطيف ما في قوله تعال :

{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنْ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ}(يس/51).

والجدث هو القبر كما صرَّح بذلك ابن عبّاد في كتابه "المحيط في اللغة[15]" قال: والجمع الأجداث وقال تعالى: {خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ}(القمر/7).

وقال تعالى: {يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ}(المعارج/43).

و المفسِّر لهذه الآية المباركة قوله تعالى: {يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ}(ق/44). والجامع بينهما هو كلمة "سراعاً"، فالجدث إذاً هو نفس القبر الذي وضع فيه جسد الميِّت، ولا نعني به خصوص القبر المحفور بل عالم الدنيا بما فيه من ترابٍ وماء وهواء حتَّى الكواكب الأخرى .

والحاصل أنَّ الآية تبيِّن المعاد بقسميه: الجسماني والروحاني، ولكن بأفضل أسلوب وأقصر عبارة، فهي تتكوَّن من كلمات أربعة فقط وهي "مِنْ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ" فالجسماني منه هو مفاد قوله تعالى: "مِنْ الأَجْدَاثِ"وأمّا الروحاني، فيستفاد من قوله: "إِلَى رَبِّهِمْ" لأنَّ الروح هو الذي يرجع إلى الربّ.

وأيضاً:

الآية الخامسة من سورة الحج تبيِّن مثالين للبعث والنشور ومن ثمَّ تستنتج خمسة نتائج، ثلاثة منها وردت في قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}(الحج/6).واثنتان ذكرتا في قوله تعالى:{وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ}(الحج/7).

فقوله تعالى:"مَنْ فِي الْقُبُورِ" يدلُّ على كلا المعادين الروحاني والجسماني وذلك لأنَّ كلمة"من" تطلق على ذي العقل والشعور، فهي تشير إلى الروح وكلمة "القبور" تدلُّ على تلك الحفرة التِّي دُفِن فيها الميِّت، ولا شكَّ أنَّها تحتضن الجسم لا الروح.

الرجوع إلى الله

الرجوع إلى الله سبحانه هي أهمّ مفردة يمكننا من خلالها أن نعرف ما تروم إليه كثير من الآيات المتعلِّقة بالقيامة، ونعرف أيضاً المقصود من الأولى والأخرى وبالنتيجة عالم الآخرة والسر في استعمال كلمة اليقين في قوله تعالى: "وبالآخرة هم يوقنون".

والذي يعزِّز هذا الأمر هو أنَّه تعالى كثيراً ما يتطرق إلى مفهوم اللقاء كما في قوله: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ }(البقرة/46).

ولا شك أنَّ الذي يلاقي الربّ هو الإنسان بما هو إنسان، لا بما هو بشر يمتلك جوارح وأعضاء ولذلك نشاهد أنَّه تعالى يقول: {يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ}(الإنشقاق/6).

وملاقاته تعالى يعني الرجوع إليه والاستقرار في ظلِّ رحمته ورأفته لا غضبه وقهره، ولذلك يقول سبحانه: {...وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاَقُوهُ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ}(البقرة/223). فالبشارة بلقاء الله، تختصُّ بالمؤمنين خاصة دون غيرهم .

والآن نرجع إلى الآية التِّي ذكرناها سابقاً وهي قوله تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ}(السجدة/11).

فمفهوم الرجوع مشتمل على الابتداء، فلو لم يكن ابتداء في البين لا يكون للرجوع معنىً أبداً. وعليه نستنتج أمرين:

1-بما أنَّ الرجوع إلى الله يتعلَّق بالروح لا الجسم، فالراجع إليه إذاً هو الروح .

2-بما أنَّ الرجوع يتطلَّب البداية، فالمبتدأ به هو الروح لا الجسم.

وقوله تعالى:{...كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}(الأعراف/29) يؤكِّد هذه الحقيقة.

وعلى ضوئهما ندخل في أمرٍ آخر، ننطلق إليه من خلال قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلاَ تَذكَّرُونَ}(الواقعة/62).

والآية المباركة أكَّدت على أنَّ الناس يعلمون النشأة الأولى وذلك بتأكيدين وهما "اللام" و"قد". وأيضاً حرَّضت على تذكُّر تلك النشأة.

اليقين بالآخرة

المفسرون لم يعطوا هذه الآية حقَّها من البيان والتوضيح وأنَّ المقصود من " فَلَوْلاَ تَذكَّرُونَ" في الآية ما هو؟ وأكثرهم قال بأنَّها تعني "فهلا تعتبرون"[16].

وعلى ضوء ما شرحنا، نقول:

الظاهر أنَّ المقصود من التذكُّر هو معناه الحقيقي وهو أن يذكر الإنسان كيفيَّة خلقه، فيعلم بضرورة المعاد، بمعنى أنَّه بمجرَّد أن لاحظ النشأة الأولى لتلك الروح الإلهية التي نُفخ فيها حيث قال: { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ}(الحج/29)، عَرِف قطعاً بوجود النشأة الآخرة حيث لا انفصال بين الأمرين ولا فارق بين النشأتين.

وعلى هذا يمكننا أن نعرف السرّ في قوله تعالى: {... وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}(البقرة/4). وأيضاً لماذا اختصَّ اليقين بالآخرة والإيمان بما أنزل إلى الرسول وما أنزل من قبله على الأنبياء؟

فتلك الأمور ليست لها علاقة مباشرة بالإنسان فينبغي الإيمان بها، وأمَّا الآخرة فهي كالمبدأ أي معرفة الله فيعتبر فيها اليقين، وهي أعلى مستوى للمعرفة الإنسانيَّة.

وقد ورد في الحديث:

(( عن العدة ، عن البرقي ، عن أبيه ، عن هارون بن الجهم أو غيره عن عمر ابن أبان الكلبي ، عن عبدالحميد الواسطي ، عن أبي بصير قال : قال لي أبو عبدالله عليه السلام يابا محمد الاسلام درجة ؟ قلت : نعم ، قال : والايمان على الاسلام درجة ؟ قلت : نعم ، قال : والتقوى على الايمان درجة ؟ قال : قلت : نعم ، قال : واليقين على التقوى درجة ؟ قلت : نعم ، قال : فما اوتي الناس أقل من اليقين وإنما تمسكتم بأدنى الاسلام فاياكم أن ينفلت من أيديكم ))[17]

فاليقين مرتبة عالية جدّاً وهو فوق المعرفة والدراية وهو سكون الفهم مع ثبات الحكم وقد تحدَّث القرآن عن مراحل ثلاثة منه وهي علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين وبينها فروق يأتي في محلِّها إن شاء الله.

و ينبغي أن يعلم أنَّ اليقين، لا يقابل الشك أو الجهل فحسب، بل يقابل الغفلة أيضاً والمشكلة الكبيرة التِّي تعاني منها البشرية ليست كامنة في الجهل، بل نابعة من الغفلة التي هي فرع خبيث من فروع التوجُّه إلى ظاهر الدنيا، كما يقول سبحانه: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}(الروم/7). والمفروض أن ينتقل الإنسان من ظاهرها إلى باطنها، فإنَّ ذلك يوصل الإنسان إلى اليقين، يقول سبحانه: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ}(الأنعام/75).

ولكلِّ شيء ملكوت وباطن وهو راجع إلى الأمر لا الخلق: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}(يس/82). وذلك العالَم هو عالَم الوحدة وهو بيده تعالى، ومن هنا كانت الآية التالية، نتيجةًّ للأولى حيث قال: {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}(يس/83). وعليه تعرف سبب التحريض بل العتاب في قوله:

{أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ}(الأعراف/185).

فإذا امتلك الإنسان العين الملكوتيَّة -أعني البصيرة- فلا باس حينئذٍ من أن ينظر إلى الخلق أيضاً، حيث أنَّ نظره هذا لا يُغفله عن باطنه أصلاً ولا يتورَّط بما تورَّط فيه هؤلاء الذين قال عنهم: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}(الروم/7). فإذا اكتسب هذه النعمة الجسيمة، فلا مانع أن ينطلق من الظاهر ليقوِّي باطنه كما قال تعالى: {وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ}(الذاريات/20). فلم يكن ما في الأرض آية إلا بعد اليقين، وكلَّما ازداد اليقين ازدادت آيتيَّة الأرض وأمثال الأرض. وقال تعالى :{وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}(الجاثية/4). إلى أن يصل الإنسان إلى مستوى من العظمة والمنزلة حيث كان عليٌّ عليه السلام حيث قال: ((لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً)).

التذكُّر

نرجع إلى قوله تعالى:{وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلاَ تَذكَّرُونَ}(الواقعة/62).

فنقول:

ولعلَّ قوله "فلولا تذكَّرون" يعزز ما قد ذكره الهمداني-قدس سرُّه- فإنَّه نوع إثارةٍ لفكر الإنسان وقلبه، ولكي يتقوَّى مفعول هذه الإثارة، استند سبحانه إلى أمورٍ ثلاثة طُرحت بأسلوب استفهامي حيث قال: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ}(الواقعة/63). ثمَّ قال: {أَفَرَأَيْتُمْ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ}(الواقعة/68). وقال: {أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ}(الواقعة/71).

وكلُّ واحد من هذه الأمثلة الثلاثة، يشتمل على

تاريخ الإنشاء: 20177 20173 20171 هـ -الموافق 26 مارس 2017