• السَّلامُ عَلى الشَّيْبِ الخَضِيبِ ، السَّلامُ عَلى الخَدِّ التَّرِيْبِ ، السَّلامُ عَلى البَدَنِ السَّلِيْبِ ، السَّلامُ عَلى الثَّغْرِ المَقْرُوعِ بالقَضِيبِ ، السَّلامُ عَلى الرَّأسِ المَرفُوعِ .....فَلَئِنْ أخَّرَتْني الدُّهُورُ ، وَعَاقَنِي عَنْ نَصْرِكَ المَقْدُورُ ، وَلَمْ أكُنْ لِمَنْ حَارَبَكَ مُحَارِباً ، وَلِمَنْ نَصَبَ لَكَ العَدَاوَةَ مُناصِباً ، فَلأنْدُبَنَّكَ صَبَاحاً وَمَسَاءً ، وَلأبْكِيَنَّ لَكَ بَدَل الدُّمُوعِ دَماً ، حَسْرَةً عَلَيكَ ، وتَأسُّفاً عَلى مَا دَهَاكَ وَتَلَهُّفاً ، حَتَّى أمُوتُ بِلَوعَةِ المُصَابِ ، وَغُصَّةِ الاِكْتِئَابِ .
  • عنواننا في التلغرام : https://telegram.me/al_kawthar الإيميل : alkawthar.com@gmail.com
الكلمة المفتاحية المختارة: إيران
اظهار الكل

الخيمة المباركة 03 ربيع الثاني 1437 هـ - الموافق 14 يناير 2016

هناك حيث تحار العبرات وتقيدنا الحسرات و ليس إلا لحمائم العشق بث الشكوى و شم عبق تلك القبور المهدَّمة نعم فهو بقيع الغرقد الذي هو ملجأ كلّ واله و مقصد كلّ طالب ، أوّل مرّة أتشرف بزيارة أئمتي هناك كان  في عام 1397 هجرية وقد مرّت سنة واحدة على التحاقي بحوزة النجف الأشرف و لم أكن أمتلك شيئاً من المال ! إلا أن إصرار والدي المرحوم لصاحب الحملة الحاج حبيب رحمه الله هو  الذي كان السبب في هذا التوفيق الإلهي فأخذني معهم تبرعاً  .
ذهبت مع خالي المرحوم إلى الزيارة فإذا بهم يحفرون قبراً كان خارج البقيع لينقلوه إلى داخله ، هو جثمان إسماعيل بن الإمام الصادق عليه السلام والذي قد توفى عام  159 هجرية  والعجيب أنه على الرغم من مضى السنون علي ذاك الجسد  (حيث مرّ على وفاته آنذاك ) 1239 عاماً فإنه كان يبدو طرياً كأنّه مات في هذه الساعة !
ارتحل  في حياة والده الإمام الصادق عليه السلام  وقد فعل الامام بجنازة اسماعيل مالم يفعل بأحد أبداً.  فقبل ان يحمل نعشه جاء الامام الصادق (عليه السلام) وفتح عن وجهه وأشهد الحاضرين كلّهم على ان هذا المسجّى الميت ابنه اسماعيل الذي مات حتف أنفه، ثمّ حينما حملت الجنازة من المدينة الى البقيع كان (عليه السلام) بين فترة وفترة يأمر ان يضعوا الجنازة،  فيفتح عن وجهه ويشهد الناس على ان هذا الميت هو ابنه اسماعيل مات حتف انفه إلا الفرقة الإسماعيلية الضالة  ومع الأسف يعتقدون أن الإمامة في نسله وليست في نسل أخيه الإمام الكاظم عليه السلام، و أنّه لم يمت في حياة أبيه وإنما أقام  الإمام جعفر الصادق عليه السلام جنازةً وهميةً له حتى يُبعد نظر العباسيين عنه .
أكملنا الزيارة فإذا بأحد الطلبة المعممين وكان من طلاب حوزة قم المقدسة تقدّم إليّ وسألني :
في أي حوزة تدرس ؟  أجبته : في حوزة النجف الأشرف،  فردّ بنبرة الواجد لضالّته: إذن ألتقيك هاهنا غداً مساءً لأمر مهم فلا تنس الميعاد وغادرني تاركاً إياي في حيرة من أمري..
ما عساه أن يكون ذاك الأمر المهم؟  يوم بأكمله وطائر الخيال يجول متنقّلا من غصن إلى غصن !
ما انقضت تلك السويعات إلا بشق الأنفس إلى أن حان الحين و دنت ساعة الصفر فغادرنا تلك الحجرة المظلمة حيث كانت تقيم فيها الحملة  في فريق النخاولة..  تلك الحملةً المتواضعة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فمثلا لم يكن زادنا سوى ما يسد الرمق من الرز المطبوخ مع الروبيان المجفف وكفى. ولم نر في طوال تلك الفترة أثراً للفاكهة  أبداً . فخرجت وكلي شوق لمعرفة ما يخبؤه لي ذاك اللقاء.
ما إن وصلنا البقيع وإذا بذاك الشيخ واقف على قدميه يترصد قدومنا؛ وبمجرد أن رآني تبسّم ضاحكاً و أخذ بيدي إلى خارج المدينة؛  فإذا به يدخلني مقرّ البعثة الإيرانية الملكية الشاهنشاهية فجلست في اللوبي  و قُدِّمَت لنا أنواع الفواكه التي لم نذقها طوال السفر!
ثمّ أخذنا الشيخ إلى مكان آخر نُصبت فيه خيمة كبيرة وسيعة وبقي واقفاً خارج الخيمة.
كان وقت المغرب والمصلّون (و كانوا من العاصمة طهران) قد انتظموا رجالا و نساءً  في صفوف يؤمّهم عالم كبير علماً و سناً  .
كان مدير الحملة يشرح للحجّاج بعض المسائل المتعلقة بالحج  فتعلّمت منه عدداً من أحكام العمرة و كيفية لبس الإحرام و كثيراً من الأمور الميدانية لأنّ الحج ليس في  فهم المسائل فحسب بل هو عبادة عملية ميدانية لا بد من معرفة كيفية التطبيق و معرفة المواقيت و انتخاب الأوقات و غيرها من الفنون و الصناعات .
وبعد إكمال الدرس قال لي مدير الحملة : شيخنا ، إذهب إلى إمام الجماعة .
فذهبت و سلّمت عليه وسألني عن دراستي و بمجرّد أن سمع كلمة النجف الأشرف إعتنقني و أخذ يقبّلني ، علماً بأنّ الطريق في تلك السنوات كان مغلقاً بين إيران و العتبات المقدّسة .
وأمّا المفاجأة فهي :
أنّه وضع يده في جيوبه وأخرج منها أموالا كثيرة من الريالات و الدراهم والتومانات و سلّمني إياها جميعاً وقال لي : كلّها تحت تصرفك يا شيخ !  فقلت والعجب يملأ كياني : ولماذا ؟ قال هذه الأموال التي بين يديك ما هي إلا  نذورات من الحجّاج لطالب علم نجفي لا غير و لم نعثر على غيرك ! فقلت : نحن ثلاثة فقال : إذن اقتسموها بينكم .
هل لك أن تخمّن مقدار ذلك المبلغ : أهو  ألف أو ألفين أو عشرة آلاف ريال ؟ أقولها لك من دون مبالغة هي أكثر من مائتي ألف ريال غير التومانات و الدراهم .
 قمت من بين يديه وقد امتلأت  جيوبي  بالنقود و هممت بالخروج فإذا بالحجاج نساءً و رجالاً يستوقفوني و ينادون يا شيخ ... يا شيخ ! فإذا بالأموال تنهال عليّ مجدداً فرفعت صوتي : كفى !! وهم يقولون : الرجاء .. الرجاء .
حتى إذا ما نويت المغادرة أقبل نحوي ذلك الشيخ و كان مختبئاً وراء نخلة فطلب منّى أن أعطيته من تلك الأموال شيئاً ، فدفعت له هديّةً فشكرني عليها .
هل انتهت قصتنا هاهنا ؟ كلا !
ما إن وصلنا إلى القافلة فإذا بالحجاج التفّوا حولنا يسألون أين كنتم فشرح الخال لهم القصّة ثمّ قال أنظروا إلى جيوب الشيخ إبراهيم فهي ممتلئة بالنقود !! حقيقة كانت مفاجأة عظيمة لهم إلا أنّني في حينها تذكرت الأحاديث التي تؤكّد على أنّ رزق طالب العلم بيد الله تعالى مباشرة ، و قد روي عن النبي صلى الله عليه وآله: (أنه من طلب العلم تكفل الله برزقه) كنز العمال: كتاب العلم ح 28700 ج 10 ص 139
وأمّا الأموال فأكثرها اشتريت بها كتباً ثمّ بعتها فاشتريت أرضا وهكذا نَمَت و نمت وأرى آثارها في يومنا هذا ولا يسعني إلا أن أقول (.. هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ)(النمل/40).

إبراهيم الأنصاري - البحرين - المنامة  4 ربيع الثاني 1437 المصادف 14/1/2016  الساعة 12:45 صباحا


الرؤية الثاقبة 26 ربيع الأول 1437 هـ - الموافق 07 يناير 2016

في النجف الأشرف بين سوق الحويش و شارع الرسول وإلى جوار  بيت الإمام الخميني قدس الله نفسه الزكية  تقع مدرسة السيد محمد كاظم اليزدي رضوان الله تعالى عليه (مؤلف كتاب العروة الوثقى)  ، التي كان  يتراود إليها في السبعينات أساتذة البحوث العليا ، و أكثر طلابّها من الرساليین و المجاهدین وقد وصل  كثير منهم  إلى مقام الشهادة.  وكان من أساتذة تلك المدرسة المرحوم آية الله السيد عباس الخاتم اليزدي رحمه الله وهو من حواريي الإمام الخميني وكان من أعضاء لجنة الإمتحانات في مكتبه .

كنّا جلوساً في غرفته المتواضعة نتحدّث عن الإمام رضوان الله تعالى عليه فسألته : ما هي قصّته و متى بدأ ثورته المباركة و  مقارعته لفرعون زمانه ؟

أجاب: كان ذلك منذ عام 1941 علماً بأنّ هذه السنة كانت مليئة بالحوادث ففي 26 يونيو 1941،( أي: بعد مضي أربعة أيام فقط على هجوم الجنود الألمان على الأراضي الروسية)، التقى السفير البريطاني ومعه نظيره السوفياتي لدى طهران برضا شاه. في هذا اللقاء طلب السفيران من شاه إيران طرد الرعايا الألمان من إيران، ولكن رضا شاه أجابهما بأن : إيران بلدٌ محايد  ولن أفعل ذلك ! وفي يوم 19 من يوليو تسلّمت إيران إنذاراً آخر، ثمّ في 16 أغسطس كانت المذكّرة تحمل نوعاً من التهديد وإتمام الحجة . وانتقاماً منه ورداً على نكران الجميل، بادر الإنجليز بنفي رضا شاه بشكل موهن إلى جزيرة موريس mauritis  الواقعة في المحيط الهندي !

في نفس تلك الفترة قصد العالم الجليل حجة الإسلام السيد علي محمد الوزيري الإمامَ الخميني في قمّ وطلب منه كتابة كلمة تذكارية و صورة فتوغرافية ليحتفظ بهما في مكتبته ، - علماً بأنّ مكتبته  في مدينة يزد جامعة وغنية بأمهات الكتب حيث تحوي ( 60000) كتاباً ، بينها أكثر من ( 4000 ) كتاباً خطياً ، وفي تلك المكتبة سجِلٌّ كبير لتوثيق وتسجيل الزيارات ، يحتوي على ملاحظات العلماء والشخصيات البارزة في داخل وخارج البلاد منهم :
الآيات العظام السيد محمد كاظم طباطبائى اليزدي ، الشيخ عبدالكريم الحائري اليزدي ، السيد حسين البروجردي، السيد عبدالهادي الشيرازي، السيد أبوالقاسم الخوئي ،السيد أبوالحسن الإصفهاني، السيد محسن الحكيم، السيد أحمد الخوانساري، السيد محمدرضا گلپايگاني، السيد محمد هادي الميلاني، السيد شهاب الدين المرعشى النجفي، العلامة الأميني ، العلامة آقا بزرگ الطهراني ، وآية الله  الشهيد صدوقي، آية الله الشهيد دستغيب ، والسيد جمال الدين الأسد آبادي... وغيرهم من كبار الشخصيات.

فكتب الإمام الخميني أيضاً كلماتٍ و لكنّها كانت فريدة من نوعها،( كتبها  بعد سنة من تأليف كتابه العقائدي كشف الاسرار وبالدقّة في  11 شهر جمادى الاولى 1363 هجرية) ركّز فيها على القيام لله وأكّد آنذاك على الحؤول دون  وصول محمد رضا شاه إلى سدة الحكم قبل أن تتفاقم الأمور وحينها لن يكون  من السهولة بمكان  التخلص من الوضع الذي سيجثم على صدر الأمة!!

وقد عُثِر على تلك المخطوطة بعد ذلك و نشرت ، ونحن نذكر مقتطفات منها :
بدأ حديثه بعد البسملة بقوله تعالى:

(قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ..)(سبأ/46). وقال : إنّ هذه الكلمة هي السبيل الوحيد لإصلاح العالم،  فالقيام لله أوصل النبي إبراهيم عليه السلام إلى الخلّة وخلّصه من مظاهر الطبيعة فقال (...قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ)(الأنعام/76).
 وبالقيام لله  تمكّن النبي موسى عليه السلام من القضاء على الفراعنة والوصول إلى ميقات المحبوب و مقام الصعق و الصحو .

ومن خلال القيام لله تمكّن  خاتم النبيين صلى الله عليه و آله بوَحدِه من نسف العادات و العقائد الجاهلية و إسقاطِ الأصنام من على بيت الله الحرام ثم تثبيت التوحيد و التقوى بدلا عنها، والقيام لله هو الذي أوصله إلى مقام قاب قوسين أو أدنى. 

وفي قبال ذلك فإنّ القيام للمنافع الذاتية يخنق روح الوحدة والأخوّة في الأمّة الإسلامية .
ثمّ تهجّم على رضا شاه وعبر عنه بـ (المازندراني الجاهل) و بين مظاهر  الفسادَ الذي عمّ إيران ، ثمّ خاطب العلماء: 

يا علماء الدين الإسلامي!

أيها العلماء الربانيون!

أيها المفكرون المتدينون!

أيها الوعاظ المؤمنون!

أيها المتدينون الموحدون!

أيها الموحدون طلاب الحق!

يا أنصار الحق الشرفاء .. أيها الشرفاء الوطنيون! أيها الوطنيون الغيارى.

 اقرؤوا موعظة إله الكون، وتمسكوا بطريق الإصلاح الوحيد الذي رسمه لكم، وتخلوا عن المنافع الشخصية لتنالوا سعادة الدارين، واحتضنوا العالمََين من خلال الحياة الحرة الشريفة: (إن لله في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها).   فاليوم يوم هبَّ فيه النسيم المعنوي الإلهي، وهو أفضل الأيام للقيام من أجل الإصلاح، فإذا ضيعتم الفرصة، ولم تقوموا لله، ولم تدعوا للشعائر الدينية، فسوف تتسلط عليكم في الغد ثلة من الزناة المتهتكين، وتجعل من دينكم وشرفكم ألعوبة لنوازعهم الباطلة. وختم كلامه بقوله تعالى (... وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)(النساء/100).