• السَّلامُ عَلى الشَّيْبِ الخَضِيبِ ، السَّلامُ عَلى الخَدِّ التَّرِيْبِ ، السَّلامُ عَلى البَدَنِ السَّلِيْبِ ، السَّلامُ عَلى الثَّغْرِ المَقْرُوعِ بالقَضِيبِ ، السَّلامُ عَلى الرَّأسِ المَرفُوعِ .....فَلَئِنْ أخَّرَتْني الدُّهُورُ ، وَعَاقَنِي عَنْ نَصْرِكَ المَقْدُورُ ، وَلَمْ أكُنْ لِمَنْ حَارَبَكَ مُحَارِباً ، وَلِمَنْ نَصَبَ لَكَ العَدَاوَةَ مُناصِباً ، فَلأنْدُبَنَّكَ صَبَاحاً وَمَسَاءً ، وَلأبْكِيَنَّ لَكَ بَدَل الدُّمُوعِ دَماً ، حَسْرَةً عَلَيكَ ، وتَأسُّفاً عَلى مَا دَهَاكَ وَتَلَهُّفاً ، حَتَّى أمُوتُ بِلَوعَةِ المُصَابِ ، وَغُصَّةِ الاِكْتِئَابِ .
  • عنواننا في التلغرام : https://telegram.me/al_kawthar الإيميل : alkawthar.com@gmail.com
الكلمة المفتاحية المختارة: قم المقدسة
اظهار الكل

أذكرني عند ربّك ! 19 جمادى الأولى 1437 هـ - الموافق 28 فبراير 2016

كان بعد العشائين يفسّر القرآن الكريم بروحه الملكوتي و بيانه المميّز ، و ما يخرج من القلب يدخل في القلب ، كنّا نقصده من مدينة المحرق كلّ ليلة بالنقل العام إلى مدينة المنامة في المأتم المعروف بالعَجم . إنّه سماحة العلامّة الشيخ نجم الدين الطبرسي حفظه الله وشافاه وهو في الكويت الآن و بالتحديد في الرميثية (مسجد مقامس).

بدأ معنا تفسير سورة يوسف عليه السلام وكان يذكر رموزا و أسراراً لم نشاهدها في كتب التفسير التي بين أيدينا ، هذا ما شجّعنا إلى التعرّف على كلام المعشوق فالتحقنا بالحوزة العلمية في النجف الأشرف و اخترنا هذا الطريق الوعر الذي رغم مطبّاته الصعبة ولكنّه هو السبيل المناسب للوصول إلى المعشوق .

مرّت السنوات إلى أن هاجرت إلى حوزة قم المقدّسة ، كنت ضمن مجموعة مؤلفي (تفسير راهنما) و هو من أدق التفاسير وقد طبع بالفارسية ، ولكنّني  اخترت سورة يوسف ، فتابعنا آياتها بدقّة فائقة فاستخرجت منها كنوزاً عظيمة لا تعدّ و لا تحصى .

مرّت السنوات ، سمعت أن المخرج المرحوم فرج الله سلحشور الذي توفّى في هذا اليوم  يريد عرض الواقعة في مسلسل تلفزيوني ، فتمنيت أن أتحدّث معه في هذا المجال لعلّي أتمكّن من خدمة القرآن ولو بنحو بسيط ، و لكن لم يحالفني الحظ بلقائه إلا بعد أن تمّ تصوير أكثر مقاطع المسلسل و بقي القليل ، كنت في حرم مولاي علي بن موسى الرضا عليه السلام فإذا بي أرى مدير الإذاعة فسلمت عليه وقلت له لديّ آراء حول مسلسل يوسف فكيف أنقلها إليكم فقال لا بأس أن تلتقي بالمخرج وأخيراً إلتقيت به في ساحة التصوير وكان الجوّ شديد البرودة فشرح لي ماذا يفعل فرأيت العجائب هناك و أحسست بكلّ وجودي ما يعاني هذا الرجل من أتعاب من أجل إحياء حقائق القرآن الكريم ، أخذني إلى حجرته الخاصّة حيث تواجدِ النصوص المستخرجة من الكتب هناك ، دار بيننا الحديث حول القصّة إلى أن وصلنا إلى قوله (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ)(يوسف/42).  قلت هذا لا يعني أنّ يوسف أراد من الرجل ذكر اسمه فحسب وعدم نسيانه عند الملك كما يقول المفسرون ولا يعقل أن ينسى الرجل الإسم أعني ( يوسف) طوال سبع سنوات ، بل يعني أنه يتذكر يوسف في الفُرَص الذهبية ليدعوه إلى البلاط من أجل إدارة الحكم واسقاط النظام الفرعوني، وهذا الأمر كان خلاف سبيل الشيطان ولذلك (أنساه الشيطان) أي أنسى الرجلَ (ذكر ربّه) أي الملك ومن أجل ذلك لبث يوسف في السجن بضع سنين ، وهذا يدلّ على أنّ الرجل قد اهتدى في السجن و كان يعتقد بنبوة يوسف و لذلك قال ( يوسف أيها الصديق ) .

 إذن لم يتوسّل يوسف بغير الله في سبيل خلاص نفسه من السجن بل توسّل به في سبيل الدعوة إلى الله والإستيلاء على السلطة .

هذا : و تحدثنا عن عمق البئر حسب القرآن و شكل غيابة الجيّ  التي في داخله و أيضاً صورة القميص الخاص ليوسف و شكل زليخا حسب القرآن .

 ولكن:

 بعد اللتيا و التّي قال لي بلحن حزين :

(شيخنا لا أتمكّن من تجاوز الخطوط الحمراء التّي رسمها لنا المفسّرون أبداً لأنّ ذلك سيوقعني في تُهمٍ وربّما أُطرد من الساحة بحجّة أنني من المبتدعين )

نعم نعاني نفس المصيبة التّي كان يعانيها رحمه الله  فالأفضل أن تبقى الأفكار في الأذهان و لا ترى الشمس حالياً  (..لاَ تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا).

أعزتّي : أذكركم بما كان يعانيه إمامنا الراحل من المتحجّرين كما يقول رضوان الله عليه:

 (إنّ ولدي الصغير السيد مصطفى شرب الماء من الإناء في مدرسة الفيضية بقم ، فغسلّوا الإناء لأنّه نجس!! بحجّة أنني كنت أدرس الفلسفة و العرفان !! ) والحديث ذو شجون ...

إبراهيم الأنصاري البحراني .. 18 جمادى الأول1347 الساعة 11:50


الخيمة المباركة 03 ربيع الثاني 1437 هـ - الموافق 14 يناير 2016

هناك حيث تحار العبرات وتقيدنا الحسرات و ليس إلا لحمائم العشق بث الشكوى و شم عبق تلك القبور المهدَّمة نعم فهو بقيع الغرقد الذي هو ملجأ كلّ واله و مقصد كلّ طالب ، أوّل مرّة أتشرف بزيارة أئمتي هناك كان  في عام 1397 هجرية وقد مرّت سنة واحدة على التحاقي بحوزة النجف الأشرف و لم أكن أمتلك شيئاً من المال ! إلا أن إصرار والدي المرحوم لصاحب الحملة الحاج حبيب رحمه الله هو  الذي كان السبب في هذا التوفيق الإلهي فأخذني معهم تبرعاً  .
ذهبت مع خالي المرحوم إلى الزيارة فإذا بهم يحفرون قبراً كان خارج البقيع لينقلوه إلى داخله ، هو جثمان إسماعيل بن الإمام الصادق عليه السلام والذي قد توفى عام  159 هجرية  والعجيب أنه على الرغم من مضى السنون علي ذاك الجسد  (حيث مرّ على وفاته آنذاك ) 1239 عاماً فإنه كان يبدو طرياً كأنّه مات في هذه الساعة !
ارتحل  في حياة والده الإمام الصادق عليه السلام  وقد فعل الامام بجنازة اسماعيل مالم يفعل بأحد أبداً.  فقبل ان يحمل نعشه جاء الامام الصادق (عليه السلام) وفتح عن وجهه وأشهد الحاضرين كلّهم على ان هذا المسجّى الميت ابنه اسماعيل الذي مات حتف أنفه، ثمّ حينما حملت الجنازة من المدينة الى البقيع كان (عليه السلام) بين فترة وفترة يأمر ان يضعوا الجنازة،  فيفتح عن وجهه ويشهد الناس على ان هذا الميت هو ابنه اسماعيل مات حتف انفه إلا الفرقة الإسماعيلية الضالة  ومع الأسف يعتقدون أن الإمامة في نسله وليست في نسل أخيه الإمام الكاظم عليه السلام، و أنّه لم يمت في حياة أبيه وإنما أقام  الإمام جعفر الصادق عليه السلام جنازةً وهميةً له حتى يُبعد نظر العباسيين عنه .
أكملنا الزيارة فإذا بأحد الطلبة المعممين وكان من طلاب حوزة قم المقدسة تقدّم إليّ وسألني :
في أي حوزة تدرس ؟  أجبته : في حوزة النجف الأشرف،  فردّ بنبرة الواجد لضالّته: إذن ألتقيك هاهنا غداً مساءً لأمر مهم فلا تنس الميعاد وغادرني تاركاً إياي في حيرة من أمري..
ما عساه أن يكون ذاك الأمر المهم؟  يوم بأكمله وطائر الخيال يجول متنقّلا من غصن إلى غصن !
ما انقضت تلك السويعات إلا بشق الأنفس إلى أن حان الحين و دنت ساعة الصفر فغادرنا تلك الحجرة المظلمة حيث كانت تقيم فيها الحملة  في فريق النخاولة..  تلك الحملةً المتواضعة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فمثلا لم يكن زادنا سوى ما يسد الرمق من الرز المطبوخ مع الروبيان المجفف وكفى. ولم نر في طوال تلك الفترة أثراً للفاكهة  أبداً . فخرجت وكلي شوق لمعرفة ما يخبؤه لي ذاك اللقاء.
ما إن وصلنا البقيع وإذا بذاك الشيخ واقف على قدميه يترصد قدومنا؛ وبمجرد أن رآني تبسّم ضاحكاً و أخذ بيدي إلى خارج المدينة؛  فإذا به يدخلني مقرّ البعثة الإيرانية الملكية الشاهنشاهية فجلست في اللوبي  و قُدِّمَت لنا أنواع الفواكه التي لم نذقها طوال السفر!
ثمّ أخذنا الشيخ إلى مكان آخر نُصبت فيه خيمة كبيرة وسيعة وبقي واقفاً خارج الخيمة.
كان وقت المغرب والمصلّون (و كانوا من العاصمة طهران) قد انتظموا رجالا و نساءً  في صفوف يؤمّهم عالم كبير علماً و سناً  .
كان مدير الحملة يشرح للحجّاج بعض المسائل المتعلقة بالحج  فتعلّمت منه عدداً من أحكام العمرة و كيفية لبس الإحرام و كثيراً من الأمور الميدانية لأنّ الحج ليس في  فهم المسائل فحسب بل هو عبادة عملية ميدانية لا بد من معرفة كيفية التطبيق و معرفة المواقيت و انتخاب الأوقات و غيرها من الفنون و الصناعات .
وبعد إكمال الدرس قال لي مدير الحملة : شيخنا ، إذهب إلى إمام الجماعة .
فذهبت و سلّمت عليه وسألني عن دراستي و بمجرّد أن سمع كلمة النجف الأشرف إعتنقني و أخذ يقبّلني ، علماً بأنّ الطريق في تلك السنوات كان مغلقاً بين إيران و العتبات المقدّسة .
وأمّا المفاجأة فهي :
أنّه وضع يده في جيوبه وأخرج منها أموالا كثيرة من الريالات و الدراهم والتومانات و سلّمني إياها جميعاً وقال لي : كلّها تحت تصرفك يا شيخ !  فقلت والعجب يملأ كياني : ولماذا ؟ قال هذه الأموال التي بين يديك ما هي إلا  نذورات من الحجّاج لطالب علم نجفي لا غير و لم نعثر على غيرك ! فقلت : نحن ثلاثة فقال : إذن اقتسموها بينكم .
هل لك أن تخمّن مقدار ذلك المبلغ : أهو  ألف أو ألفين أو عشرة آلاف ريال ؟ أقولها لك من دون مبالغة هي أكثر من مائتي ألف ريال غير التومانات و الدراهم .
 قمت من بين يديه وقد امتلأت  جيوبي  بالنقود و هممت بالخروج فإذا بالحجاج نساءً و رجالاً يستوقفوني و ينادون يا شيخ ... يا شيخ ! فإذا بالأموال تنهال عليّ مجدداً فرفعت صوتي : كفى !! وهم يقولون : الرجاء .. الرجاء .
حتى إذا ما نويت المغادرة أقبل نحوي ذلك الشيخ و كان مختبئاً وراء نخلة فطلب منّى أن أعطيته من تلك الأموال شيئاً ، فدفعت له هديّةً فشكرني عليها .
هل انتهت قصتنا هاهنا ؟ كلا !
ما إن وصلنا إلى القافلة فإذا بالحجاج التفّوا حولنا يسألون أين كنتم فشرح الخال لهم القصّة ثمّ قال أنظروا إلى جيوب الشيخ إبراهيم فهي ممتلئة بالنقود !! حقيقة كانت مفاجأة عظيمة لهم إلا أنّني في حينها تذكرت الأحاديث التي تؤكّد على أنّ رزق طالب العلم بيد الله تعالى مباشرة ، و قد روي عن النبي صلى الله عليه وآله: (أنه من طلب العلم تكفل الله برزقه) كنز العمال: كتاب العلم ح 28700 ج 10 ص 139
وأمّا الأموال فأكثرها اشتريت بها كتباً ثمّ بعتها فاشتريت أرضا وهكذا نَمَت و نمت وأرى آثارها في يومنا هذا ولا يسعني إلا أن أقول (.. هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ)(النمل/40).

إبراهيم الأنصاري - البحرين - المنامة  4 ربيع الثاني 1437 المصادف 14/1/2016  الساعة 12:45 صباحا