• السَّلامُ عَلى الشَّيْبِ الخَضِيبِ ، السَّلامُ عَلى الخَدِّ التَّرِيْبِ ، السَّلامُ عَلى البَدَنِ السَّلِيْبِ ، السَّلامُ عَلى الثَّغْرِ المَقْرُوعِ بالقَضِيبِ ، السَّلامُ عَلى الرَّأسِ المَرفُوعِ .....فَلَئِنْ أخَّرَتْني الدُّهُورُ ، وَعَاقَنِي عَنْ نَصْرِكَ المَقْدُورُ ، وَلَمْ أكُنْ لِمَنْ حَارَبَكَ مُحَارِباً ، وَلِمَنْ نَصَبَ لَكَ العَدَاوَةَ مُناصِباً ، فَلأنْدُبَنَّكَ صَبَاحاً وَمَسَاءً ، وَلأبْكِيَنَّ لَكَ بَدَل الدُّمُوعِ دَماً ، حَسْرَةً عَلَيكَ ، وتَأسُّفاً عَلى مَا دَهَاكَ وَتَلَهُّفاً ، حَتَّى أمُوتُ بِلَوعَةِ المُصَابِ ، وَغُصَّةِ الاِكْتِئَابِ .
  • عنواننا في التلغرام : https://telegram.me/al_kawthar الإيميل : alkawthar.com@gmail.com

الرشد و الرفعة : 07 صفر 1439 هـ - الموافق 28 أكتوبر 2017

 

الرُشد الحسيني (الحلقة الأولى) :

موقع الإمام الحسين عليه السلام لدى الماضين من الأنبياء و الأولياء:

قد وردت أحاديث كثيرة تؤكّد على استحباب ذكر الإمام الحسين عليه السلام و البكاء عليه و زيارته و البكاء عليه والإطعام من أجله وحتّى سقي الماء باسمه وكثير من الأفعال الأخرى وقد ذكرت لها فضائل لا تعدّ و لا تحصى هذا من ناحية .

ومن ناحية أخرى نشاهد الكثير من الأنبيباء و الأولياء كانوا يقصدون أرض كربلاء المقدّس كما أنّهم كان يعلمون بالدقّة ما سيحدث هناك وأن ابن فاطمة سيقتل عطشاناً وقد وردت أحاديث كثيرة من الفريقين في هذا المجال .

السؤال الذي يطرح نفسه هو :

ما هو السبب الذي جعل هؤلاء الأنبياء و الأولياء يقصدون أرض كربلاء . ثمّ لماذا كلّ هذه الفضائل على كثرتها  بحيث وصلت إلى مستوى تجعل الإنسان في حيرة من الأمر،  وربّما يختلج في ذهن البعض أن هذا ليس إلا إغراق في الأمر  و مبالغة في القول . فهل لنا أن نصدّق بها أم ماذا ؟

أقول بكلّ حسم وجدّ ، لا إغراق في هذه الأحاديث أبداً لمن لديه البصيرة و النظرة الواضحة لهذه الواقعة العظيمة .

فلا بد و أن ننظر إلى  واقعة الحسين من منظار إلهي صحيح كي نعرف أنّ ما ذكره أهل البيت عليهم السلام هو عين الحقيقة و الصواب و حاشا أن يبالغوا في الأمر ، فلو كانت لدينا هذه البصيرة لشاهدنا الجمال الخلاب لصنع الله لا فطور فيه و لا قبح يعتريه أبداً .

الرشد و الرفعة:

ينبغي أن ننظر إلى واقعة الطف من منظار الرشد و الرفعة لا غير ، الأمر الذي يؤكّد عليه القرآن الكريم في مواطن عديدة حيث أنّه هو الهدف من خلق الإنسان و محظوظ حقيقةً من وصل إليه كإبراهيم عليه السلام (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ)(الأنبياء/51). حينئذٍ تكون واقعة الطفّ الإلهيّة أجمل من كلّ جميل على الإطلاق فلا تتأتى لدينا تلك التساؤلات أبداً .

وبكلّ صراحة أقول : ( الإرتباط بالإمام الحسين عليه السلام باي نحو كان هو أسهل طريقة لرشد الإنسان ووصوله السماء)

 

 

إنّ ركب الحسين من خلال أثنين و ثلاثين يوماً قد وصل إلى مستوى من الرشد لم يصل إليه عبّاد الليل و سيّاح النهار بحيث وردت في النصوص أنّهم وصلوا إلى أعلى عليين، وجمال هذا الأمر قد وصل إلى مستوى  بحيث نادت العالمة غير المعلمة العقيلة زينب بأعلى صوتها في وجه اللعين ابن زياد(ما رأيت إلا جميلا ).

هنا لا بد أن نوضح الموضوع و نستدلّ عليه من خلال القرآن الكريم  لنعرف عظمة الواقعة ، فمن تلك السور التي تبين حقيقة هذه الواقعة هي سورة النور و بالتحديد الآيات من 35 و 36 .

 إن ّ مرقد الإمام الحسين عليه السلام هو من أبرز مصاديق قوله تعالى (في بيوت أذن الله أن ترفع) فقد أذن الله بذلك بالأصالة ،  وعلى هذا الأساس كلّ من يتوجّه إلى هذه البيوت سيرتفع إلى الأعلى تبعاً لها وهذه من خصوصيّات كربلاء حيث تأخذ الإنسان إلى الإرتفاعات المعنوية حتّى توصله إلى أعلى عليين ، وقد وردت في ذلك أحاديث منها ما نقله (الحسكاني بسنده عن أنس بن مالك وعن بريدة قالا: قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)هذه الآية فِي بُيُوت أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ ـ إلى قوله تعالى ـ وَالأَبْصَارُ) ، فقام رجل فقال: أي بيوت هذه يا رسول الله؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): بيوت الأنبياء. فقام إليه أبو بكر فقال: يا رسول الله هذا البيت منها؟ لبيت علي وفاطمة؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): نعم، من أفضلها.) شواهد التنزيل، الحسكاني: 1 / 532 ح 566.

بل قد طبّق الإمام الباقر عليه السلام البيوت على نفسه في الحديث التالي:

(حضر قتادة في مجلس الاِمام أبي جعفر الباقر(عليه السلام) فقال له الاِمام: من أنت؟
 
قال: أنا قتادة بن دعامة البصريفقال أبو جعفر: أنت فقيه أهل البصرة؟
 
فقال : نعم. قال قتادة: أصلحك اللّه، ولقد جلستُ بين يدي الفقهاء وقدام ابن عباس فما اضطرب قلبي قدام واحد منهم، ما اضطرب قدامك! فقال أبو جعفر (عليه السلام)  ما تدري أين أنت؟ أنت بين يدي( بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ وَالآصال* رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وإقام الصَّلاة وإيتاءِالزَّكاة) ونحن أُولئك.  فقال له قتادة: صدقت، واللّه جعلني فداك، واللّه ماهي بيوت حجارة ولا طين) الكافي: 6 / 256 - 257 ح 1. ففي الحقيقة نفس أهل البيت عليهم السلام هم مصاديق تلك البيوت و كذلك مراقدهم المطهّرة هي أبواب لتلك البيوت .

هذا :

رغم أنّ الرشد أمر صعب للغاية بحيث يتطلّب رياضات شرعية مستمرة و أذكار و أوراد كثيرة مضافاً إلى جهاد كبير و سعي حثيث ، ولكن الله  قد ميّز زيارة الإمام الحسين عليه السلام وجعلها أرضية خصبة لتحقق الرشد و الرفعة،  فهو عليه السلام يتميز في السعة و السهوله و الشمولية للوصول إلى أعلى عليين.

والعجب العجاب ما يحدث من خلال المشي على الأقدام إلى كربلاء و بالخصوص في الأربعين!

إنّ الإنسان إذا مشى نحو كربلاء فكلما قرب منها ارتقى إلى الأعلى فالأعلى بحيث يحس وكأنّه تجرّد من المادة وابتعد عن الأثقال الدنيوية القاصمة للظهر وما إن يصل إلى تلك الأرض المقدسّة فإذا به يحس و كأنّه روحه قد حلّق إلى السماءو انطلق إلى العرش وكأنّه زار الله في عرشه.

فالمشي نحو مضجع الإمام الحسين ليس هو إلا الدخول في النور الإلهي مرورا من الآية 35 من سورة النور (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)(النور/35). ووصولا إلى البيوت المرتفعة المذكورة في الآية 36 (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ)(النور/36).  فجميع ما في الآية 35 هي من جنس النور أو مرتبطة مع النور بشدّة فهي نور على نور وهذا العروج إلى الأعلى قانون إلهي لا تخلّف فيه فهو تعالى قد أذن بذلك .

هنا سؤال يطرح نفسه و هو: انّ الكثير يذهب إلى كربلاء لزيارة الإمام الحسين عليه السلام و لا يرتقى إلى الأعلى فما هو سبب ذلك .؟

الجواب هو :  أننا لم نراع مقدمات الزيارة وهذا الموضوع جارٍ في جميع العبادات والتكاليف.

إنّ كلمة التكليف نفسها تحكي عن الكلفة و الصعوبة فمثلا نصلّي من أجل أداء التكليف لا غير فحينئذٍ لا ننتفع بالصلاة كنور نستضيء به .

ولكن النظرة الإلهية إلى العبادات كالصلاة وسائر ملابساتها ليست كذلك ، لاحظ الآيات الأولى من سورة المائدة فعندما يتحدّث سبحانه عن المحرمات و الواجبات ثم عن خصوص الصلاة و الوضوء و التيمم يقول (... مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(المائدة/6). فالهدف الرئيس لهذه الأحكام الوصول إلى الطهارة  ومن ثمّ اتمام النعمة على الناس.