• عنواننا في التلغرام : https://telegram.me/al_kawthar الإيميل : alkawthar.com@gmail.com
  • (اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه و على آبائه في هذه الساعة و في كل ساعة وليا و حافظا و قائدا و ناصرا و دليلا و عينا حتى تسكنه أرضك طوعا و تمتعه فيها طويلا)

يا لها من ليلة حزينة: 07 ذو القعدة 1439 هـ - الموافق 20 يوليو 2018

السعي في النهار أرهقني فوصلت البيت وقت المغرب فصليت وقلت في نفسي سأنام لأتهيأ للذهاب إلى حرم مولاي بعد منتصف الليل إن حالفني التوفيق ، ولكن انشغلت بالتلفاز فإذا بي أرى في القناة الثانية الإيرانية بثاً مباشراً من كربلاء فتابعته و أنا بين النوم و اليقظة ، فإذا به يتحدّث مع شاعر قد انشد أبياتاً ارتجالا فيسأله عن الظروف التي جرّته إلى انشادها . فقال: كان يوم عيد نوروز فقصدت من محافظتي إلى خراسان لأزور الإمام الرضا عليه السلام فلم اتمكن من الدخول في الصحن المقدّس لشدّة الزحام فانكسر قلبي فانشدت  قصيدتي هذه  فإذا بها صارت أنشودة أجراها أحد كبار المنشدين من بلاد تاجيكستان .

وهي تبدأ بقوله (شاه بناهم بده خسته راه آمدم آه نكاهم مكن غرق كناه آمدم) يعني يا ملك خراسان أريد الإلتجاء إليك قد أتعبني طول الطريق فالرجاء أن لا تنظر إلى وجهي لأنني غرقت في الذنوب فظهرت آثارها عليّ .

آه : ماذا صنعت هذه الأبيات بقلبي!

خاطبت إبليس اللعين و قلت له لابد وأن أخالفك في هذه الليلة و أذهب لزيارة مولاي الآن ، وكانت الساعة الواحدة و النصف فتهيأت و قصدت ضريح مولاي مباشرة فزرت كالعادة ثم توجهت نحو البيت لأستريح ، ولكن كأنّ هناك يداً خارجة عن ارادتي سحبتني إلى مدرسة (بريزاد) في جوار الضريح المقدّس ، تلك المدرسة التي سبق و أن تحدثنا عنها في ذكرياتي، فإذا بالدروس و النقاشات العلمية و الجدال بالتي هي أحسن، وكالعادة جلست في غرفة صديقي التي هي مدفن السيدة بريزاد ودار الحديث حول سيد الشهداء عليه السلام فإذا بشاب عالم جميل الوجه  وهو من طلاب الحوزة العلمية في مدينة دزفول دخل وقال لي أنت الشيخ الأنصاري ؟ قلت نعم فإذا به يتحدث عن هيئة على الأكبر عليه السلام في البحرين و برامجها و متابعة الأناشيد و المحاضرات و كأنّه يعيش معنا في بلادنا وقال (أنا معجب ببرامج الهيئة و أتابعها دائماً خاصة الرادود السيد مصطفى الموسوي و صوته الشجي).

هذا وكانت الساعة الثانية و النصف وصلاة الفجر في تمام الساعة الثالثة و 45 دقيقة ، و النعاس قد أرخى سداله علي من الرأس إلى القدم ، قلت في نفسي الآن سأذهب إلى البيت وبالفعل قصدت البيت، فمررت من خلال رواق الإمام الخميني ره لكي أخرج من الجهة الثانية ، ولكن أيّها العزيز هنا بيت القصيد ، صوتٌ شجيٌ وحزين وبكاءٌ و صراخ قد غطى الرواق! توجهت نحو المنصّة فإذا بالرادود المبدع العالم الحاج سعيد حداديان يقرأ المناجاة الشعبانية، يا لها من قرائة أبعدت التعب و طيّرت النعاس فجلستُ أستمع إليه وهو قد عرّج إلى مصيبة الطفل الرضيع و أخته رقية عليهما السلام(بمناسبة يوم البنات) ينتقل منه إليها و إليها منه وهكذا .

تارة يذهب إلى كربلاء و أخرى إلى خربة الشام ، وتلك الأبيات العرفانية ذات معاني عميقة كانت تتحكم في قلوب الموالين فترفعها من سطح الأرض إلى عنان السماء بل إلى العرش!

وبعض من تلك المصائب التي بينّها هي :

أنّ للإمام الحسين في كربلاء على الظاهر طفلين ، أحدهما: هو المسمّى بعلي الأصغر وهو الذي ورد عنه في المقاتل أنّه عليه السلام أخذه إلى القوم و قال (يا قَوْمُ قَدْ قَتَلْتُمْ شيعَتي وَ أَهْلَ بَيْتي وَقَدْ بَقي هذَا الطِّفْلُ، وَيْلَكُمْ اُسْقُوا هذا الرَّضِيعَ أَما تَرَونَهُ يَتَلَظّي عَطَشاً مِنْ غَيْرِ ذَنْب أَتاهُ إِلَيْكُمْ).

والثاني: ما ذكره السيد ابن طاووس ره في اللهوف و هو عبد الله الرضيع ، حيث أنه عليه السلام خاطب زينب : (ناوِليني وَلَدِيَ الصَّغير حَتّي أُوَدِّعَهُ، فَأَخَذَهُ وأَوْمَأَ إِلَيْهِ لِيُقَبِّلَه، فَرَماهُ حَرْمَلةُ بْنُ كاهِل اَلأَسَدي بِسَهْم فَوَقَعَ في نَحْرِهِ فَذَبَحَهُ فَقالَ لِزَيْنَبَ: خُذيهِ).

وبعد ذكر هذين الطفلين قال : لم يمهل القومُ الإمام الحسين ليقبّل طفله وحالوا دون ذلك وكأنّي برقية أخته وبلسان حالها تقول يا أبت : لم تقبّل أخي الرضيع !! أنا أقبلك وأنت قبّلني إذن ! فوضعت فمها على فم أبيها الإمام فهدأت وماتت فبدأ صراخ زينب و سكينة و الأطفال . ثم قال : خطباؤنا عندما يذكرون هذا المصاب يذكرونه من دون تصوير كامل للموقف!  فيا ترى هل بقيت للحسين عليه السلام شفةٌ لكي تُقبَّل !

فورد في المقاتل (و اشتد عطش الحسين بن علي - عليهماالسلام فدنا ليشرب من الماء، فرماه حصين ابن تميم بسهم، فوقع في فمه، فجعل يتلقي الدم من فمه، و يرمي به، ثم جعل يقول: اللهم أحصهم عددا، و اقتلهم بددا، و لا تذر علي الأرض منهم أحدا).

 و هل بقيت له ثنايا !!؟  في المقاتل (ثمّ كشف عن ثنايا رأس الحسين بقضيبه ونكثه به فقال له بعض جلسائه : ارفع قضيبك ، فـوالله ما أحصي ما رأيتُ شفتي محمّد (صلّى الله عليه وآله) في مكان قضيبك يقبّله) 

هذا واشتد الصراخ في الحرم المطهّر إلى ما قبل أذان الفجر بدقائق وكأنّها ليلة عاشوراء .

وأنا أقول في نفسي : الشيعة رغم أنّهم لم يرَوا الموقف ولم يتمكّنوا مشاهدة واقعة الطف ، فبمجرّد السماع هكذا يبكون! فكيف حال صاحب المصاب الإمام المهدي عجل الله فرجه و هو يرى بالعين الباطنية ماذا حدث لجدّه المظلوم ؟ و ما حال مولاي علي بن موسى وهو يستمع إلى هذا المصاب الجلل .

لا يوم كيومك يا أبا عبد الله .

إبراهيم الأنصاري

مشهد المقدّس

يوم الجمعة

7 ديقعدة 1439


حتى المكان و الزمان ! 04 ذو القعدة 1439 هـ - الموافق 17 يوليو 2018

   قررت هذا اليوم أن  لا أقابل أحداً من الناس ولا أتحدّث  مع أحد إلا بعد زيارة سيدي و مولاي ثامن الحجج علي بن موسى الرضا عليه السلام ، تهيأت للزيارة فركبت الباص السريع المعروف (BRT) من دوّار البسيج إلى الحرم ، ولكن غفلت ! فتحرك الباص نحو النفق و نزلت في الجهة الثانية من الحرم المطهّر و هو باب الشيخ الطبرسي رحمه الله ، وكان الجو حارّا وقت الظهيرة ، ركبت السيارة الصغيرة المخصصة للزوّار تنقلهم إلى البوابة الرئيسية ، كان السائق يتحدّث مع أحد طلاب العلماء الجالس إلى جنبه،فقال العالم : الأفضل للزائرين في الصيف أن يقصدوا أمامهم من منتصف الليل إلى الصباح ، ثم حين النزول قال كلمة أثارت انتباهي و جعلتني أفكر مليّا قال :( بالاخره زمين و زمان مال اينها است ) يعني بالأخير الأرض كلّه (وهو كناية عن المكان) و الزمن كلّه لهؤلاء و أشار إلى الإمام الرضا عليه السلام .

  أقول: حقّا هي كلمة عرفانية تستقي من منهل القرآن و الحديث ، أمّا المكان فلا شك أنّه لأهل البيت عليهم السلام وفي هذا المضمار يقول السيد الإمام الخميني ره في كتابه معراج السالكين، ص 117. (قد رُوي في الأحاديث أنّ جميع الأرض للإمام عليه السلام، والذين لا يوالونه فهم غاصبون لها. وأهل المعرفة يرون ولّي الأمر مالكًا لجميع ممالك الوجود ومدارج الغيب والشهود ولا يجوّزون تصرّف أحد فيها بدون إذن الإمام)انتهى.

  تأمّل في قول الله تعالى عن لسان الكليم (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)(الأعراف/128). عن الامام الباقر عليه السلام: (إن الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين)  وأنا وأهل بيتي الذين أورثنا (الله) الارض. ونحن المتقون، والارض كلها لنا، فمن أحيا أرضا من المسلمين فعمرها فليؤد خراجها إلى الامام من أهل بيتي، وله ما أكل منه..) " الكافي: ج 1، ص 407، وعن (الامام الصادق عليه السلام) " إن الارض لله يورثها من يشاء من عباده" قال فما كان لله فهو لرسوله، وماكان لرسول الله فهو للامام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله " * البحار: ج 100، ص 58، ب 9، ح 10  وأيضاً قوله تعالى (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)(الأنبياء/105). (عن الامام الباقر عليه السلام ..أن الارض يرثها عبادي الصالحون، قال: القائم عليه السلام وأصحابه ) مجمع البيان: ج 4، ص 66 .

وأمّا الزمان :

كيف لا و هم أئمة العصر و الزمان !  تلاحظ في الأدعية والزيارات شواهد كثيرة لذلك،  منها ما في ورد ( يا صاحب الزمان صلوات الله عليك و على آل بيتك هذا يوم الجمعة و هو يومك المتوقع‏ فيه‏ ظهورك و الفرج فيه للمؤمنين على يدك) بل أطلقت النجوم و الشهور عليهم ، قال تعالى (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ..)(التوبة/36).  في كتاب الغيبة لشيخ الطايفة (قدس سره) روى جابر الجعفي قال: سئلت ابا جعفر (عليه السلام) عن تأويل قول الله عزوجل: " ان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا .." قال: فتنفس سيدي الصعداء  فقال: ياجابر اما السنة فهي جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وشهورها اثنى عشر شهرا فهو امير المؤمنين (عليه السلام) ...) فذكر الأئمة عليهم السلام .

إبراهيم الأنصاري

مشهد المقدّسة

2 ذيقعدة 1439

الساعة الخامسة صباحاً .

 

 

   

 

 

 


حتى سحب السماء! 25 شعبان 1439 هـ - الموافق 11 مايو 2018


حتّى سحب السماء !
البارحة وهي (آخر ليلة جمعة من شهر شعبان المعظّم ١٤٣٩) كنت جالساً إلى جنب ضريح الإمام الرضا عليه السلام أتحدّث مع أحد خدّام الإمام عن السيّدة نرجس عليها السلام و دورها في نشر الدعوة المهدوية في المسيحية فإذا برعد شديد و برق خاطف ومطر غزير قد أرعب الزوّار بحيث أنّ كل من كان في الصحن الشريف انسحب إلى داخل الحرم لئلا يصيبه الماء ، فرح أهالي مشهد المتواجدين في الحرم بذلك لأنّ هذا الغيث سيروي الأرض المزروعة وسيكون له تأثير كبير في نموّها ، ولكن العجب كل العجب أن المطر لم يتجاوز الحرم الشريف أبداً ! فبمجرّد توقفه خرجت من الحرم فرأيت الأرض جافة تماماً لم تسقط عليه حتّى قطرة واحدة! فيا لها من كرامة !
هنا استحضرت ما قاله لي أحد العلماء العرفاء قبل سنوات بأنّ زوّار الإمام الرؤوف عليه السلام ليسوا هم البشر فقط بل هم الملائكة و الجنّ أيضاً بل وحتّى سحُب السماء كلما اشتاقت إلى زيارته استأذنت من ربّها و جاءت إلى خراسان لغسيل الحرم الشريف ! وهكذا هي تسبّح بحمد ربّها (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا)(الإسراء/٤٤). والذي يعزّز هذا ما قد ورد في الزيارة الجامعة الكبيرة (وَذَلَّ كُلُّ شَىْءٍ لَكُمْ).
فيا أيّها الحبيب تعرّف على ربّك كيما تعرف إمامك و لا تنسى قرائة هذا الدعاء بقلبك قبل لسانك (اَللّهُمَّ عَرِّفْنى نَفْسَكَ فَاِنَّكَ اِنْ لَمْ تُعَرِّفْنى نَفْسَكَ لَمْ اَعْرِف نَبِيَّكَ اَللّهُمَّ عَرِّفْنى رَسُولَكَ فَاِنَّكَ اِنْ لَمْ تُعَرِّفْنى رَسُولَكَ لَمْ اَعْرِفْ حُجَّتَكَ اَللّهُمَّ عَرِّفْنى حُجَّتَكَ فَاِنَّكَ اِنْ لَمْ تُعَرِّفْنى حُجَّتَكَ ضَلَلْتُ عَنْ دينى)
فهو حقاّ دعاء الغريق الذي ينجّي الإنسان من فتن آخر الزمان ليصل إلى ساحة الأمان .
إبراهيم الأنصاري البحراني
٢٥ شعبان ١٤٣٩
الساعة ٤:٣٠صباحا


و زهق الباطل 27 جمادى الثانية 1439 هـ - الموافق 15 مارس 2018

حتى القطط خرجت من مأواها تمشي بهدوء و سكينة  في الشوارع العامّة المخصصة للمركبات،  وهذا ما يثير عجبك ولا ألومك! لأنّك ربّما لا تتمكّن من استيعاب ما أقوله في كلماتي المتواضعة فكما يقول الشاعر الفارسي عطّار النيشابوري في شعره المعروف (زلیخا گفتن و یوسف شنیدن ، شنیدن کی بُوَد مانند دیدن) يعني زليخا قالت و يوسف سمع ولكن أين السماع من الرؤية ) .

يا ليتك كنت تشاهد ما كان يحدث لمدينة قم المقدّسة فالقصف الصاروخي الصدّامي لم يكن ينقطع عن المدينة حتى ساعة واحدة ناهيك عن الطائرات الإمريكية و الروسية التي كانت تحلق على المدينة باستمرار وتقصف البيوت و المحلات و القرى و كلّ شيء حقداً على الإسلام الأصيل الذي انتشر صيته من هذه الحوزة المقدّسة ، في تلك الظروف الصعبة طلب الإمام الخميني قدّس سره أن لا يترك العلماء و المراجع و طلاب العلوم الدينة المدينة ليُثبتوا صمودهم في قبال الكفر مهما كلّف الأمر حتى لو أدى إلى القتل و الشهادة ! وأيّ برّ أعظم منها (عن رسول الله صلى الله علية واله وسلم : فوق كلّ ذي برٍّ برٌّ حتى يقتل الرجل في سبيل الله، فإذا قتل في سبيل الله فليس فوقه برّ).

ليس هذا الصمود الغريب فحسب هو الذي أتعب طاغوت العراق و رماه في مزبلة التاريخ بل ما ورد في الأحاديث المتواترة ، فعن الإمام الصادق جعفر بن محمد (عليهما السّلام) قال ( إن لعلى قم  مَلَكاً يرفرف عليها بجناحيه ، لا يريدها جبّار بسوء إلا أذابه الله كذوب الملح في الماء ) ( وما أراد أحد بـ « قم » وأهلها سوءاً إلا أذله الله ، وأبعده من رحمته ).

 وعنه (عليه السلام ) (ما أرادهم ـ يعني أهل قم ـ جبار من الجبابرة إلا قصمه الله )و( تربة قم مقدّسة ، وأهلها منٌا ونحن منهم ، لا يريدهم جبار بسوء إلا عجلت عقوبته ..).

هذا : و إن السيد الجليل آية الله العظمى الكلبايكاني رحمه الله رغم أنّه كان مرجعا للتقليد و رغم كبر سنّه بقي في المدينة تحت القصف استجاباً لدعوة الإمام الخميني قدّس سره ، ويؤسفني أن أقول أن هناك من كان يدعي المرجعية هرب من المدينة هو وأصحابه إلى مدينة مشهد الآمنة مثيراً أحاسيس الناس هناك و مستغلا الفرصة لترويج خطّه وفكره المناوي للفكر الأصيل ! ممّا أدّى إلى تقسيم الساحة الشيعية فحدثت الفتنة التّي لا يزال آثارها ظاهراً منذ ذلك اليوم إلى يومنا هذا ويجدر الإشارة هنا أنّ نفس المجموعة تركوا حوزاتهم في الزينبية بيد الدواعش و أقتدوا بأولئك الذين تركوا مواضعهم في غزوة أحد ! و لولا عليُّ الزمان و نائبُه في لبنان لحدث ما حدث فنحمد الله سبحانه على ما منحنا من معرفة الولاية و تجسيدها في عصر الغيبة .

إبراهيم الأنصاري – البحرين

27 جمادي الثانية 1439

الساعة 6:30 صباحاً


العبد! 26 جمادى الثانية 1439 هـ - الموافق 14 مارس 2018

رغم كبر سنّه وضعف بدنه  كان يجلس على باب الحسينية الحجازية وبالتحديد إلى جنب الأحذية ! تلك الحسينية التي كانت مجاورة لمسجده مسجد فاطمة الزهراء عليها السلام في قم المقدّسة ،  يستمع المحاضرة الحسينية لأنّه كان يعلم أهميّة إحياء أمر أهل البيت عليهم السلام وكان يجهش بالبكاء بمجرد أن يسمع ذكر سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين عليه السلام .

مع الأسف لم أكن أعرفه (في الثمانينات) إلا أنّه شيخ مقدّس نوراني ! إلى أن مرّت الأيام فاذا به قد تشعشع نوره في حوزة قم المباركة كالشمس في رائعة النهار و تعرّف على شخصيته المميّزة العالم أجمع.

 إنّه  آية الله العظمى الشيخ محمد تقي بهجت رضوان الله تعالى عليه .

مدفون في حرم السيدة الجليلة فاطمة المعصومة بنت الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام.

اليوم قبره ملجأٌ للطالبين و مأوى للمستغيثين و واسطة فيض للظامئين الملهوفين.

الجدير بالذكر أنّ الكلمة المكتوبة على قبره بوضوح هي (العبد). ونعم الصفة العبودية فإنّها الجوهرة الثمينة التي كنهها الربوبيّة كيف لا ! و العبد يصل إلى مستوى من الرقي كما ورد في الحديث القدسي ( لا يزال يتقرّب إلي عبدي بالنوافل حتى أحبه فاذا أحببته كنت أنا سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به ويده التي يبطش بها ) . 

كلّما يحالفني التوفيق لزيارة سيدتي المعصومة عليها السلام أذهب إلى مضجعه و أخاطبه بكلّ خضوع :

 أنا العبد الذليل الفقير المسكين إبراهيم جئت إليك طالباً منك أن تطلب من المعصومة عليها السلام كي تلتجأ إلى الله بقضاء حوائجي ثم أقول له : لا أظنّك نسيت أنني طوال العشرة من شهر محرم كنت أقرأ لك مصيبةً سيد الشهداء عليه السلام فتبكي !! فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان!

إبراهيم الأنصاري

البحرين – 26 جمادي الثانية 1439


يا له من طعام ! 26 ذو الحجة 1438 هـ - الموافق 18 سبتمبر 2017

علماً أن المسير المهيّأ للمشاة إلى كربلاء في السبعينات كان من الكوفة إلى الكفل ثمّ الحلة فالطويريج ، وأمّا الطريق الفعلي كان مخصّصا للحافلات ولم يكن فيه حتّى مضيف واحد فلا ماء و لا كلاء فهلاّ سألتني ماذا كان زادكم و أنتم في هذا الطريق الطويل !؟ أقول و بكلّ وضوح لم نحمل معنا الزاد، لأنّ شيخنا العارف قال لنا أنّه سيتكفّل بذلك ، و العجب أننا لم نرّ في يده شيئاً إلا منديل صغير ولكن لم يسمح لنا الأدب أن نسأله عمّا فيه من الطعام فكنّا نعيش بين الخوف و الرجاء إلى أن وصلنا إلى خان الثلاثة أرباع المسمّى بخان النخيلة وهو كسائر الخانات مبنيّة من الطين في عصر الشيخ البهائي ره .  فجلسا في مكان مشمس فحان وقت الغداء فكان لسان حالنا لمعلمنا الفذّ (.. آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا)(الكهف/62). فتح المنديل فإذا بداخله قرصان من الخبز مع قطعة دائرية من الزبدة الطبيعية وقليل من السكََّر  ، قلت له ونحن نبتسم هذا هو الطعام الذي واعدتنا به؟ فال لنا : و كأنّ صوته مازال يترنم في أذني : كلوا ! سيعجبكم ! فأكلنا فإذا بلذة في الطعام لا تعادلها لذة ! يا له من طعام ! إنّه طعام الجنّة ! الآن و بعد مرور حدود أربعين سنة مازلت أتلذذ كلّما أتذكر ذلك الطعام ، هناك أحسست بأنّ هذا الإنسان ليس كسائر الناس بل هو عارف ربّاني متعلّق بعزّ القدس، وذلك الطعام لم يكن ماديّا بل هناك أبعاد معنوية مخيّمة على ذلك الطعام وهو كالطعام الواحد الذي كان ينزل على بني إسرائيل فيتجلّى في مظهرين (المنّ) و (السلوى) وهو كالشراب الذي خرج من العيون وكان مأكولا و مشروبا( فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا ...)(البقرة/60). وسيطعمنا إمامنا المهدي عجّل الله فرجه من ذلك الطعام الذي ينبع من حبّ محمّد وآل محمّد في الحديث: ( فما طعام المؤمنين يومئذ؟ قال: "التسبيح و التقديس و التحميد و التهليل".)  هذا هو الجانب الملكوتي من الطعام المادي وكذلك سنشرب ممّا سقوا أهل البيت عليهم السلام  (..وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا)(الإنسان/21). ريّا رويّا هنيئاً لا ظمأ بعده .

 

 


هل تصدّق ! 20 شوال 1438 هـ - الموافق 15 يوليو 2017

مدينة بوشهر الساحلية هي مدينة جميلة ذات سواحل خلابة و نخيل حالقة في السماء وأناس في قمّة الخُلُق و الإيمان، ولكنّها في الثمانينات كانت ملجأً لمياه المطر المسبّبة للمستنقعات المولِّدة للحشرات المؤذية التي كانت تسلب منّا الراحة بلدغتها المزعجة مما يؤدّي إلى الحكة الشديدة ولم نتمكّن من التخلص منها أبداً .

طلبتُ من عارف ربّاني أن يحلّ مشكلتي هذه فعلمنّي أذكاراً تشتمل على كلمات شبيهة بالرموز أقرأها في ساعة محدّدة وهي ساعة تحويل السنة الهجرية الشمسية في اليوم الأوّل من نيروز، والعجب أنّ بعد ذلك لم تتمكّن الهوام التقرّب إلينا أبداً ، وكانت هذه الأذكار تنفعنا لسنة واحدة فقط ، وأعجب من ذلك ما فعله الشيخ البهائي (رحمه الله) حيث وضع في سور النجف أذكاراً و كلمات لصد عادية الحيات والعقارب ، فرغم كثرة الحيات هناك لم يُسمع بأن لسعت أحداً منذ ذلك اليوم .

فيا أيّها العزيز لا تغفل عن قراءة الأذكار و الأدعية فإنّها أحراز لكثير من المصائب في الدنيا و أسباب للتنعم بنعيم الآخرة .

بهذه المناسبة أنقل لكم نقله سماحة السيد جعفر الشبيري الزنجاني ، أحد أساتذة الحوزة العلمية في قمّ المقدّسة، حيث تطرَّق فيه إلى بعض ذكرياته عن علاقة والده بأستاذه الإمام الخميني قدّس سرّه.

يقول: التقى والدي بالعارف الكبير السيد الإمام و بالعارف الرباني الشيخ حسن علي الأصفهاني النُّخودكي في مشهد الإمام الرضا عليه السلام . فقال أنّ الشيخ حسن علي قال لهما سأُعلِّمُكما شيئاً يُغنيكما عن الحاجة إلى الآخرين. أن تقرئا بعد كلّ صلاة فريضة :

أولا: تسبيحات الزهراء عليها السلام.

ثانيا: آية الكرسي (اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ)(البقرة/255).

ثالثاً : سورة التوحيد ثلاث مرّات.( (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، اللَّهُ الصَّمَدُ ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ)

رابعاً : الصّلاة على النبيّ وآله ثلاث مرّات.

خامساً : قراءة الآيتين ثلاث مرّات:(... وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا)

السبت 21 شوال 1438

الساعة التاسعة مساءً

إبراهيم الأنصاري البحراني

 


أليست هي كرامة ! 02 جمادى الأولى 1438 هـ - الموافق 30 يناير 2017

العتبة الرضوية المقدسة تشتمل على جوانب عديدة و متنوّعة من أراضي و مزارع و مصانع و شركات وصالات رياضية و مكتبات و مدارس و حوزات علمية و مساجد و حسينيات ، بالأمس حالفني الحظّ فزرت غرفةً تهتم بالمساجد و الحسينيات المنتشرة في أرجاء البلاد، من الناحية الثقافية و التربوية و إقامة الصلاة و الأدعية و الشعائر الحسينية و ذلك بارسال علماء مبلغين و أئمة جماعة و أساتذة قرآن . 

يترأس هذه الغرفة سماحة حجة الإسلام و المسلمين الشيخ العزيزي حفظه الله و هو عالم ذو ثقافة عالية و رؤية ثاقبة تنصبّ في الدولة المهدوية ، و يعمل معه رجلٌ كلّ الرجل ذو إيمان راسخ و سابقة مشرقة وهو مصداق لقوله تعالى ( ... وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا)(النساء/95). هو جريح قد انتشرت الشضايا في أكثر أعضاء جسمه

تحدّث معي هذا الرجل عن إحدى ذكرياته و هو في أرض العراق يحارب البعثيين الكفرة وقال

كنت مع أحد الشباب نستطلع الموقع و هو من قراّء القرآن الكريم يتّبع طريقة عبد الباسط ، كنّا في منطقة قريبة من حلبچه جالسين تحت مرتفع ، وكان الليل شديدَ الظلمة والجنود العراقيون جالسون فوق المرتفع على مقربة منّا نسمع كلامهم و نشاهد ضوء سجائرهم المشتعلة

الهدوءُ المخيّم هناك و تردّدُ الصوت و معنوية الأجواء كانت حافزاً لصديقي فقال لي

هل تسمح لي أن أتلوًَ آيات من الذكر الحكيم !  قلت : نعم ، و كنت أقصد بذلك أن يقرأ في قلبه اخفاتاً فإذا به رفع صوته بتلاوة سوة الشمس على طريقة عبد الباسط !! فأشرت إليه أن أسكت أما تعلم أين أنت الآن ؟ تريد أن نُقتل ؟ فأجابني و بكلّ اطمئنان : أنا سأستمر إلى نهاية السورة بصوت عال و لا أسمح لهم أن يسمعوا صوتي !  

و بالفعل واصل القراءة حتى انتهى إلى قوله تعالى ( و لا يخاف عقباها ) !!

أَ ليست هذه كرامة لأصحاب الحقّ ؟ 

أيّها الأعزاء هل سبق و أن تدبّرتم في قوله تعالى  (..فَعَمُوا وَصَمُّوا..)(المائدة/71). وأيضاً (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ)(البقرة/18).

 فمن لا يصفّي باطنه من الكدورات و الظلمات كيف له أن يسمع الحقّ فيستوعبه ، ورغم أنّه ربّما يتظاهر و كأنَّه يسمع ولكنَّه هو ليس كذلك  (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لاَ يَعْقِلُونَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لاَ يُبْصِرُونَ)(يونس/42 , 43). (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ..)(الأنعام/25). و هذا هو الميّت حقيقة (إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ)(النمل/80). وقال تعالى (وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلاَ الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ)(فاطر/22).  

وقد يتنزّل الإنسان إلى مستوى من الخسّة و الإنحطاط رغم أنّه يسمع سائر الأصوات إلا أنّ حواسَه الظاهرّية تفتقد مفعولَها في سماع الحقّ كما حدث لهؤلاء القوم ... فانتبه إلى حالك و لا تغفل  . 

إبراهيم الأنصاري البحراني 

مشهد المقدّسة 

20  ربيع الثاني 1438 

19  يناير 2017


يكفيك السكوت و المشي ! 02 جمادى الأولى 1438 هـ - الموافق 30 يناير 2017

المكتبة المركزية للروضة الرضوية هي سابع أهم مكتبة في العالم أسست عام ۱٤٥۷ للميلاد، و تحتفظ بما يزيد عن مليون مجلد من الكتب التي من شأنها تعميق النظرة الاسلامية وما يعنى بالتاريخ، والرياضيات والعلوم الاخرى.

مع مرور الزمن إتسعت مجموعة هذه المكتبة بمخطوطاتها القديمة لتشمل ۳٥ مكتبة يشرف عليها إدارة منظمة المكتبات والمتاحف ومركز الوثائق ومستندات الروضة الرضوية المقدسة المقامة على ارض سعتها ثمانية وعشرون ألفاً وثمانمائة مترمربع

ذهبت بالأمس وبتنسيق مسبق إلى قسم المخطوطات من المكتبة والتقيت بمسؤول القسم و هو الأستاذ نورى نيا ، في البدء كنت أتصوّر أنّه مجرّد متخصص في معرفة المخطوطات ولكن ما إن تحدثت معه عرفت مدى إطّلاع هذا الرجل و علمه الغزير و عشقه لأهل البيت عليهم السلام لا من منطلق الإحساس و العاطفة فحسب بل من خلال المعرفة و البصيرة والرأي الثاقب فإنَّه كان ملمّاً بالأحاديث الشريفة و عارفاً بها ، إنّه من جملة العلماء المتخرجين من الجامعة الرضوية الإسلامية. 

وأنا بدوريً بدأت بعرض بضاعتي المزجاة من خلال سرد بعض الحقائق الخاصّة بأهل البيت عليهم السلام و ركّزت على الفرق بين تعابير النور في زيارة الجامعة الكبيرة مثل (نوركم وطينتكم واحدة ، خلقكم الله أنوارا، أشرقت الأرض بنوركم، نوره و برهانه ، مصابيح الدجى ، نور الأخيار ووو) وأنّ كلا منها لها موطنها الخاص بدءًً من العرش و ختاماً بالدنيا

ثمّ هو شرع في الحديث فقال:

(هل تعلم بأنّ الزيارة الجامعة التي صدرت من الإمام الهادي عليه السلام هي للإمام الرضا عليه السلام خاصّة و تعمّ سائر الأئمّة عليهم السلام كما أن زيارة أمين الله تختصّ بأمير المؤمنين عليه السلام و شاملة لجميع أئمة أهل البيت عليه السلام ، قال : رأيت ذلك في بعض الكتب المعتبرة.

ثمّ شرع في بيان فضل الإمام الرؤوف وقال بصوت خافت :

(كم عظيمٌ هذا الرجل! و أشار إلى مضجعه النوراني)

ولكن الذي أثار انتباهي ما ذكر في شأن الإمام الرضا عليه السلام من سعة الرحمة واللطف حيث نقل كلمة من آية الله الكبير أستاذ العرفاء على الإطلاق السيد على القاضي رحمة الله عليه فقال

كتب أحد المؤمنين لآية الله القاضي حينما كان في النجف الأشرف و طلب منه أن يعلّمه بعض الأذكار لقضاء حوائجه ... فأجابه السيد : من أي البلاد أنت ؟ قال : من خراسان فقال له : من مشهد الرضا عليه السلام و تبحث عن الأذكار!

للوصول إلى أمنياتك يكفيك السكوت و المشي في الحرم الشريف !

أقول : لا عجبَ من شخصية محورية عظيمة هي حلقة الوصل بين التسعة المعصومين السابقين عليه و أربعة بعده ، فهو قد برَزَ في عالم التكوين كالشمس في رائعة النهار و من أجل هذا صار شمس الشموس.

 رزقنا الله وإيّاكم زيارته وشفاعته ، ومن باب تلطيف الجوّ قلت له إذا زرت قبر السيد القاضي في النجف فزر قبريَ أيضاً و أقرأ لي الفاتحة ! تفاجأ من هذه الجملة فقال : قبرك أنت ! قلت : نعم ، و هو محفور جاهز ولكن الحجر المنصوب عليه تختلف جهته عن سائر القبور

اللهم ارحمنا برحمتك و اجعل قبورنا روضة من رياض الجنّة 

سحر الجمعة الساعة 1:50  

مشهد المقدّسه 

العبد المذنب 

إبراهيم الأنصاري

 


التلقّي : 18 شوال 1437 هـ - الموافق 24 يوليو 2016

كان جالساً في رواق دار الهداية في الحرم الرضوي و في يده كتيب صغير يسجّل فيه المعلومات مررت إلى جنبه فإذا بالخط لم يكن من الخطوط المتعارفة العربية و لا الفارسية فسالته ماذا تكتب  وباي لغة؟

فقال ذكرياتي الخاصّة و بعض الأبيات الشعرية والمواعظ و الحِكم ولكن بلغةٍ لا مثيل لها و لا يعرفها في العالم غيري !! إنّني اخترعتها بقواعدها و أصولها و مبانيها لغرض أن لا يتمكن أحد غيري معرفة ما أكتب في هذه اللحظة فأبدّل ما شأت منها إلى الفارسية أو العربية فيما بعد!

سالته: أنت تعرف العربية ؟ فإذا به يتحدّث معي بالفصحى مستخدما أحدث الكلمات ! هذا ما أولى اهتمامي أكثر سألت كيف و أين تعلمت ؟ قال هنا ! في الحرم الرضوي الشريف من خلال معاشرتي للزوار العرب خلال أشهر قليلة !! أشهر؟ نعم ... وأنا حفظت عدداً كبيراً من الأدعية ، منها دعاء العهد ، بل حتّى خطبة الرسول صلى الله عليه وآله يوم غدير خم حين تنصيب امير المؤمنين عليه السلام خليفة على المؤمنين .

أيّها العزيز ... تظنّ كم كان يبلغ من العمر آن ذاك ؟ حوالي ستة عشر سنة فقط !!

إنّه خادم الحرم الشريف ثقة الإسلام الشيخ أمير حسين المازندراني من طلاب العلم الناشطين للغاية و المجدّين حقاً و من المرابطين المدافعين عن الحقّ ، هو كاتب و شاعر باللغتين الفارسية و العربية ويمارس الإنجليزية .

إنّه المبلّغ للدين و المذهب الحقّ في الأوساط الشبابيّة ... رأيته هذه السنّة في النجف الشرف و تحوم حوله مجموعة شبابية في عمر الزهور ! وعدد من رجال العراق ! قال: أخذتهم ليشاهدوا هذا الإستعراض الميداني غير القابل للتوصيف (كان يقصد مشّاية الأربعين الحسيني) اللطيف أنّه لم يكن لديهم سكنٌ أبداً ! ينامون مع الناس ويأكلون معهم ويحققون إنجازات ربّما نحلم بها !

بالتاكيد تسألني كيف يصل إلإنسان إلى هذا المقام ؟ وهل لي أن أكون هكذا؟

إنّه سهل للغاية يتحقّق من خلال خطوة واحدة لا غير و هي ما ورد في سورة طه الآية 12 و 13 (...فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ...) (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ ...). هل لك يا شيخ إبراهيم أن تبيّن لنا و كيف تعلّم اللغة و صار خطيباً و شاعراً ؟ و الجواب (... وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)(البقرة/282).

أظّن أنّ الجواب وافٍ كافٍ ، التقوى يجرّد الإنسان من حجب الظلمة المتمثّلة في الجسم والجسمانيات ، و من ثمّ يزكّي و يُصفّي النفس فتتلقّى الفيوضات الربّانية من دون واسطة معلّم و كتاب .

أسأل الله سبحانه و أتضرع إليه و ألتمس منه أن يمنحنا التقوى ، التقوى ، التقوى

(وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ )(المدثر/56).

العبد المذنب

إبراهيم الأنصاري

البحرين

الأحد 18 شوّال 1437

الساعة 5:20 صباحاً


جناح بعوضة 16 شوال 1437 هـ - الموافق 22 يوليو 2016

  حالة أبي ماهر بمدينة المحرّق ثاني مدن البحرين مساحة هي محل ولادتي و ترعرعي إلى السن الثامن عشر وبالتحديد سنة 1974 ميلادية ، ثمّ الهجرة إلى النجف و قم المقدستين، فبطبيعة الحال أنا كلّما أُدعى للقراءة في حسينيّة الحالة أعيش أيام طفولتي و شبابي و أشاهد أمامي و أنا على المنبر رجالاً لا أعرفهم فأسال من أنت فبمجرد أن يعرّفوا أنفسهم يذكّروني بمواقف كانت بيني و بينهم قبل أربعين سنة فيعيِّشوني تلك الأيام الماضية وهذا في حدّ نفسه جميل إلا أنّ البعض منهم يبدأ معي في النقاش حول المحاضرة أو الذكريات أو الرؤى التي يتابعونها من خلال موقع الكوثر ، و حيث أنّني كتبت بالأمس ذكرى عنوانها (كمثل الحمار) فالبارحة بمجرّد نزولي من على المنبر قال لي أحدهم و لكن هذا لا يصدق عليكم أنتم فقلت لماذا ؟ أنا مصداق لمن حُمّل أسفاراً ولم أؤدّي ما حمّل عليّ ! فقال لا ... هنا أستوقفتني كلمته الجميلة التّي كانت هي الحكمة بعينها فقال : إنّ الله قال (... إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ)(لقمان/19). وهل تتجرأ وأنت الآن قرأت مصيبة سيّد الشهداء عليه السلام فبكيت و أبكيتنا أن تقول أنّ هذا الصوت مصداق للآية ؟ قلت : حقّاً لا أتجرأ ! ففي الحال بدأت أفكّر في أهميّة أمر الإمام الحسين عليه السلام و أستحضر الأحاديث الكثيرة في ذلك وأتأمّل فيها خصوصاً في قول الإمام الصادق عليه السلام عن جدّه الإمام الحسين عليه السلام (أَنَا قَتِيلُ الْعَبْرَةِ لا يَذْكُرُنِي مُؤْمِنٌ إِلَّا اسْتَعْبَرَ.) كامل الزيارات .

 وأيضاً مافي تفسير القمي / ج‏2 / 292 (عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ‏ مَنْ ذَكَرَنَا أَوْ ذُكِرْنَا عِنْدَهُ- فَخَرَجَ مِنْ عَيْنِهِ دَمْعٌ مِثْلُ جَنَاحِ‏ بَعُوضَةٍ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ وَ لَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ.) وأيضاً (عَنْ أَبِي هَارُونَ الْمَكْفُوفِ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام ...َ مَنْ ذُكِرَ الْحُسَيْنُ عليه السلام عِنْدَهُ فَخَرَجَ مِنْ عَيْنِهِ مِنَ الدُّمُوعِ مِقْدَارُ جَنَاحِ ذُبَابٍ كَانَ ثَوَابُهُ عَلَى اللَّهِ وَ لَمْ يَرْضَ لَهُ بِدُونِ الْجَنَّةِ.)

فيا أيّها الحبيب لا تبخل بدموعك فاسكبها على مصيبة الإمام الحسين عليه السلام على الأقلّ في كلّ يوم مرّة واحدة فهي السعادة بعينها في الدارين ، يقول الشاعر الفارسي ما ترجمته(القلب الذي هو منبعٌ لنهر الكوثر هو المليء بالأزهار و الأشجار الجميلة و هو الربيع بعينه ، ولكن أجمل و أعظم من ذلك هي العين المليئة بالدمعة على الإمام الغريب ، بل لا مجال للمقارنة بينهما حيث أنّ نهر الكوثر بعظمته هو وليد الدمعة المسكوبة على سيد الشهداء عليه السلام) .

(السَّلامُ عَلَى وَلِيِّ اللَّهِ وَ حَبِيبِهِ السَّلامُ عَلَى خَلِيلِ اللَّهِ وَ نَجِيبِهِ السَّلامُ عَلَى صَفِيِّ اللَّهِ وَ ابْنِ صَفِيِّهِ السَّلامُ‏ عَلَى‏ الْحُسَيْنِ‏ الْمَظْلُومِ الشَّهِيدِ السَّلامُ عَلَى أَسِيرِ الْكُرُبَاتِ وَ قَتِيلِ الْعَبَرَات‏)

تراب قدمي خدام الحسين

إبراهيم الأنصاري البحراني

الجمعة 17 شوال 1437

الساعة 4:40 صباحاً

 


كمثل الحمار 15 شوال 1437 هـ - الموافق 21 يوليو 2016

لا يهتدي الناس من خلال المواعظ المتتالية التي لا طائل ورائها فإنّ الكثرة ليس هي مطلوبة دائماً فربّ كلمة قصيرة بل حتّى إشارة بسيطة وموقف إيجابي يكون لها تاثيراً سحرياً لا تجدها في الخطابات الطويلة !

طلاب العلم في قم كانوا يملكون كنزاً من عالم الملكوت يكفيهم الحضور عنده لمرّة واحدة في العمر و حوالي نصف ساعة فقط لتقيلب قلوبهم و أحوالهم إلى أحسن حال .

إنّه الحضور في صلاة العبد آية الله بهجت قدّس سرّه ، لا أنسى تلك الليلة و كانت الجمعة أخذت معي أخي الحبيب المرحوم الملا محمد الأنصاري رحمه الله إلى مسجد فاطمة الزهراء عليها السلام في السوق الشعبي لمدينة قم المقدّسة ، و المسجد غاص بالمصلين فبدأ الشيخ بتكبيرة الإحرام وكأنّه حلّق بروحه الزكية إلى أعلى عليين وشاهد من عالم الغيب ما لا عين رأت فدخل في السياحة العظمى حين قراءة فاتحة الكتاب ، فما إن وصل إلى قوله (إيّاك نعبد) فإذا بنبرات صوته قد تغيّرت وحالته انقلبت وذلك بمشاهدة آثار المعبود خوفاً واشتياقاً فارتفع بكائه صارخاً إلى أن أنهى الفاتحة فأعقبها بسورة الجمعة وهي من أمهات السور لاشتمالها على أصول المعارف و الأخلاق و العمل ، تبدأ بالتسبيح ثمّ التلاوة فالتزكية فتعليم الكتاب و الحكمة ، وأيَضاً فيها توصيف علماء السوء حملة الأسفار المكذِّبين بآيات الله ! فما إن وصل إلى قوله تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)(الجمعة/5). فإذا بصوته قد ارتفع و صراخه قد تزايد فقلت في نفسي لِمَ هذا البكاء في هذه المحطّة ؟

لم أعرف السرّ إلا بعد أن راجعت التفاسير الروائية فإذا بها قد أجابت على سؤالي و أزالت حيرتي ، إنّ الآية بصدد توصيف العلماء غير العاملين ، الذين هم بدلاً من ارضاء ربّهم بصدد ارضاء الطغاة ، هؤلاء ! حين تبلى السرائر و ترتفع الحجب يتمثلون حماراً يحمل على ظهره الكُتب بل أسوء شكلا و حالا من الحمار .

قال رسول اللَّه- صلی اللَّه علیه و آله و سلم: (یؤتی بالعالم یوم القیامة فیلقی فی النار، فتندلق أقتابه، فیدور بها کما یدور الحمار بالرحی، فیطیف به أهل النار، فیقولون: ما لک؟ فیقول: کنت آمر بالخیر و لا آتیه و أنهی عن الشر و آتیه) . و قال- صلی اللَّه علیه و آله و سلم-: (إن أهل النار لیتأذون من ریح العالم التارك لعلمه و إن أشد أهل النار ندامة و حسرة رجل دعا عبدا إلی اللَّه فاستجاب له و قبل منه، فأطاع اللَّه فأدخله اللَّه الجنة، و أدخل الداعی النار بترکه علمه و اتباعه الهوی و طول الأمل) فيا عزيزي رغم أهميّة العلم و اعتباره و شأنه ولكن إذا لم يصاحبه العمل سيكون وبالا على صاحبه و يتمنى صاحبه لو كان بينه وبين هذا النمط من العلم بون المشرقين و لكن هيهات ! .

لاحظ قوله تعالى (حُمِّلُوا) فإنّ يدلُّ على تلطف الباريء بهم من ناحية حيث انتُخبوا لهذه المسئولية الخطيرة ، ومن ناحية أخرى رغم تقبُّلهم أداء التكليف ظاهراً عدم انسجامهم لذلك في الباطن وهذا هو عين الخيانة بالأمانة و الظلم بالنفس و الغير بل الإستهانة بالمقدسات ! فيا لها من جريمة . وقوله (ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا) لعلّ كلمة (ثمّ) إشارة إلى أنّ التوراة قد ذكر فيه الحقائق الدالة على نبوّة الرسول الأميّ فلم يفصحوا بها طوال الزمان و أخفوها  حينما بعث الرسول صلى الله عليه وآله . ومن هنا نعرف العلاقة بين قوله ( هو الذي بعث في الأميين رسولا ...) و بين هذا المقطع .

أدعوا الله سبحانه أن يحشرني يوم القيامة مستقيم القامة أمشي على رجلين (آدمياً) بحق صاحب الوقار والسكينة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله و سلّم .

إبراهيم الأنصاري

16 شوال 1437الساعة الخامسة صباحاً


سريان التقوى : 12 شوال 1437 هـ - الموافق 18 يوليو 2016

كان مقصدنا مدينة ماسولة و هي إحدى البلدات السياحية الشهيرة بمحافظة گيلان في إيران. تابعة لمدينة فومن ،  وتقع إلى الغرب من رشت عاصمة المحافظة.

تتميز ماسوله بنمط معماري فريد، بنيت بيوتها على سفوح مرتفعاتها بحيث يكون سطح البيت أرضية وممراً للبيت الذي فوقه وهكذا تأخذ شكلاً هندسيا ومعمارياً خاصاً وجميلاً تزينها السلالم والممرات الضيقة صعوداً ولا تتسع الممرات للمركبات.

وكافة مباينها تتألف عادة من طابقين وليس أكثر. والى جانب النمط المعماري الشائع في ماسوله على شكل سلالم، فمعضمها مكسوة بالأزهار والورود تضفي عليها بحلة قشيبة نضرة .

و كنّا نسمع بأن آيت الله العظمى الشيخ محمد تقي بهجت رحمه الله فومني ، هذا ما دفعنا إلى التجوّل في مدينته و زيارة الجامع الذي كان يصلّي فيه و أيضا الحوزة التي أسّسها هناك و اللقاء ببعض طلبة الحوزة ، كلّ شيء هناك كان متميزاً عن سائر المُدن ، تشاهد الناس كلّهم بهجت في حركاتهم و بهجت تصرفاتهم و تعاملهم و أخلاقهم والسيدات في عفتهنّ و حجابهنّ ! يا ترى ما هو السرّ في ذلك ؟

إنّه الإنعكاس الإيجابي للقدوة الحسنة في الأمّة ، وهذا هو المطلوب سواء على مستوى العائلة أو المجتمع فكم هو جميل أن يتميّز الأب و الأمّ بصفات تنتشرة في الأولاد لتنطبق الآية المباركة عليهم (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)(الفرقان/74). وعن الصادق عليه السّلام .. (الولد الطيّب سرّ أبيه‏) و عَنْه عَلَيْهِ السَّلامُ، قَالَ: (كُونُوا دُعَاةً لِلنَّاسِ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ‏؛ لِيَرَوْا مِنْكُمُ الِاجْتِهَادَ وَ الصِّدْقَ وَ الْوَرَعَ) و في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السلام (‏ مَنْ نَصَبَ‏ نَفْسَهُ‏ لِلنَّاسِ‏ إِمَاماً فَلْيَبْدَأْ بِتَعْلِيمِ نَفْسِهِ قَبْلَ تَعْلِيمِ غَيْرِهِ وَ لْيَكُنْ تَأْدِيبُهُ بِسِيرَتِهِ قَبْلَ تَأْدِيبِهِ بِلِسَانِهِ ) .

فيا عزيزي عليك بتصوّر دولةٍ يحكمها ولي العصر وصاحب الأمر روحي فداه الذي هو وجه الله تعالى فياترى كيف تكون الأمّة فيها؟ إنّها الجنّة بعينها تتآلف فيها حتى الحيوانات المفترسة رزقنا الله وإيّاكم رؤيته و التنعم في جنّته .

إبراهيم الأنصاري

13 شوال 1437

 التاسعة مساء


إلا رمزاً ! 27 جمادى الثانية 1437 هـ - الموافق 06 أبريل 2016

رغم كثرة النساء في القاعة ومن عادتِّهن أنّهن يتحدثن معاً إلا أنّ المفاجأة في هذه المرّة كانت كبيرة !  فخلال تواجدي هناك لم استمع لهنّ صوتاً !

 فيا ترى ما هو السرّ في ذلك ؟  جميعهن من الصمّ اللاتي لا يتكلمن  وقد اقمن في قاعة الزهراء بالبحرين احتفالا جميلا باسم أمّ الأئمّة الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء عليها السلام .

كلّ ما في الصالة بدأً من مستلزمات المنصة و المسرح وانتهاءًً بأمور الضيافة و المأكل قد تمّ ببركة أناملهنّ المباركة التّي تحرّكها أفكارهنّ النقيّة ، فكلّ من كان ينظر إلى تلك الإنجازات كان يحسّ من صميم ضميره أنّها عجينة بنفوس صبورة و قلوب طهورة .

والأبرز ما في الإحتفال هو وجود شخصيةٍ مرموقة يمثّل المربّى المخلص الصبور لهذه الشريحة المنسيّة وهو صاحب الفضيلة سماحة السيد نجيب العلي من مدينة الأحساء بالمملكة العربية ، الذي يتقن لغة الإشارة ويتمكّن من خلالها انتقال الأفكار إليهم مهما كانت دقيقة و صعبة و يدعمه سماحة حجّة الإسلام السيد حسن محمد اليوسف حيث يلقي محاضراته بتأنٍ و هدوء لتترجم بلغة الإشارة .

لقد وفقني الله لإلقاء محاضرة مختصرة في تبيين بعض اسماء الزهراء عليها السلام وكان السيد نجيب يترجمها بالإشارة وفي نهاية الحديث ذكرت لهم قصتي مع أبي رحمه الله في السبعينات حينما بلغ في سن الثمانين فثَقل سمعه و باعتبار تخصصى في الالكترونيات كنت اصنع له سماعات الأذن ، و بعد وفاته اجتمع عدد منها فوزعت في قرية فيها مجموعة من الصم .

هذا : وممّا قلته لهن هو تبيين قوله تعالى (عسى أن تكرهوا شيئاً و هو خير لكم) فكم من ذنوب عظام سببها اللسان و السمع قد تخلصتنّ منها ! فإذا باحديها اشارت الي بأن هذه الذنوب ربّما تكون بالإشارة فقلت في الجواب : تارة المركبة تكون سريعة لا يمكن السيطرة عليها إلا بشق الأنفس وهذا شأن اللسان و أخرى تمشي ببطأ فالسيطرة عليها سهل جداً وهذا شأن الإشارة .

فيا أيها العزيز: كما أن الفمّ مرتبط بالمعدة ، كذلك الأذُن و العين مرتبطان بالقلب !يقول العلاّمة العارف حسن زادة آملي ( أنّ السمع هي بوّابة القلب )لاحظ قوله تعالى (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(النحل/78). و اجتنب بجدّ من تلوُّثها (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً)(الإسراء/36). واعلم أنّ آخر ما يعطّل من أعضاء البدن حين الموت هو السمع فربّ ميّت قد غمّض عينيه و لكنه يسمع كلام من حوله ، و الحديث التالي يشير إلى ذلك ( عَنْ حَرِيزٍ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: قُلْتُ لَهُ الرَّجُلُ يَنَامُ وَ هُوَ عَلَى وُضُوءٍ أَ تُوجِبُ الْخَفْقَةُ وَ الْخَفْقَتَانِ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ فَقَالَ يَا زُرَارَةُ قَدْ تَنَامُ‏ الْعَيْنُ‏ وَ لَا يَنَامُ الْقَلْبُ وَ الْأُذُنُ فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنُ وَ الْأُذُنُ وَ الْقَلْبُ وَجَبَ الْوُضُوءُ ..) التهذيب 1- 8- 11.

هذا و اقترحت على مسؤوليهم أن يتّخذوا هذه الآية شعاراً لهم  (قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ)(آل عمران/41).  ففيها دلالة إلى لغة الإشارة  بنحو الإشارة .

إبراهيم الأنصاري – الأربعاء 27 جمادى الثانية 1437

الساعة 15:00

 

 


قوا أنفسكم و أهليكم نارا ! 20 جمادى الأولى 1437 هـ - الموافق 29 فبراير 2016

قوا أنفسكم و أهليكم نارا !

كان شيخنا نجم الدين الطبرسي المازندراني حفظه الله متخلقاً بالأخلاق الحسنة يحترم الكبير و الصغير لا يتجرأ أحد أن يغتاب في محضره المبارك.

ذكّرني بالإمام الراحل قدّس سرّه :  قال أحد مقربي الإمام : إن جمعا من طلبة العلوم الدينية كانوا يجلسون في ديوانية الإمام الخميني رحمه الله في النجف الأشرف يراجعون دروسهم وأحيانا كان بعضهم ينال من العلماء الذين لا يتّفقون معهم في الرأي بل ربما قال بعضهم : لماذا الإمام الخميني لا يتجاوزهم ويستلم زمام المرجعية العليا ؟!

فجاء يوما آية الله الشهيد السيد مصطفى ابن الإمام يقول لهم : إن الإمام سمعكم تغتابون العلماء , يقول إنه لا يرضى اغتياب أحد منهم وخاصة في بيته ولا يسمح إهانة أي أحد هنا.

 و من أهمّ مميزات هذا الشيخ الجليل الإحتياط الكامل في المواقف والتصرفات خصوصاً في قبال المأكولات و المشروبات ! فلم يكن يشرب الأشربة الغازية أبداً ولم يتناول المعلَّبات و لا الحلويات المصنوعة بأيدي أناس لا يعلم بالتزامهم فلا يذهب إلى العزايم أبداً إلا في بيوت محدّدة معدودة بالأصابع ممن هم معروفون بالإلتزام لدى عامّة الناس ، فيا أيّها العزيز لا أريد منك أن تكون هكذا ولكن لابدّ و أن تعلم بأنّ للطعام و الشراب تأثيراً كبيراً في الأخلاق و الصفات فينبغي علينا أن نتجنب الشبهات كيلا نقع في الحرام خصوصاً بالنسبة إلى اللحوم وبالأخص في الطائرة فلماذا نشاهد عدم الإهتمام عند الكثير من المؤمنين وهم في طريقهم إلى زيارة بيت الله الحرام أو العتبات المقدّسة.

ومن ممّيزات أستاذنا الفاضل أنّه لم يكن يَنسب كلاماً إلى المعصوم قطعاً بل دائماً يقول : لعلّ الإمام عليه السلام قال هكذا ويركزّ على هذه الكلمة: (الزيادة و النقصان منّي) وبالأخص في شهر رمضان المبارك خوفاً من أن يبطل صومه .

وأمّا نحن فنشاهد الويلات في شبكات التواصل الإجتماعية تكفي واحدة منها أن نخلّد و العياذ بالله في النار ! الأخبار التي يتناقلها البعض والتي لم تثبت صحّتها بل مع التتبع اليسير نعلم بكذبها . و الأحاديث المنسوبة إلى رسول الله و أهل البيت عليهم السلام التي لا مصدر لها أبداً بل مصدرها (كما أرسل لي) وهل هذا يكون مبرراً لإسناد الخبر إليهم عليهم السلام ؟!

والإتهام و البهتان و تسقيط المؤمن و ترفيع الفاسق و نشر الأكاذيب و تخويف الناس و نشر الأباطيل و الخرافات و الأوهام و السحر و الطلسمات وما شابهها والأوراد و الأذكار والقصص العجيبة و الإدعائات الكاذبة والمحاضرات الباطلة و المصائب الدخيلة الكاذبة و الأحلام الزائفة و الطقوس المريبة المشوّهة للمذهب .

هذه تنشر في كلّ لحظة إلى الآلاف بل الملايين التي ربّما تؤثّر في نفوسهم و تسبب لهم مشاكل صحيّة واعتقادية و عائلية أو تحرفهم عن المذهب الحقّ أو تعزّز المعتقدات الباطلة.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)(التحريم/6).

إبراهيم الأنصاري البحراني ..20 جمادى الأولى 1437


أذكرني عند ربّك ! 19 جمادى الأولى 1437 هـ - الموافق 28 فبراير 2016

كان بعد العشائين يفسّر القرآن الكريم بروحه الملكوتي و بيانه المميّز ، و ما يخرج من القلب يدخل في القلب ، كنّا نقصده من مدينة المحرق كلّ ليلة بالنقل العام إلى مدينة المنامة في المأتم المعروف بالعَجم . إنّه سماحة العلامّة الشيخ نجم الدين الطبرسي حفظه الله وشافاه وهو في الكويت الآن و بالتحديد في الرميثية (مسجد مقامس).

بدأ معنا تفسير سورة يوسف عليه السلام وكان يذكر رموزا و أسراراً لم نشاهدها في كتب التفسير التي بين أيدينا ، هذا ما شجّعنا إلى التعرّف على كلام المعشوق فالتحقنا بالحوزة العلمية في النجف الأشرف و اخترنا هذا الطريق الوعر الذي رغم مطبّاته الصعبة ولكنّه هو السبيل المناسب للوصول إلى المعشوق .

مرّت السنوات إلى أن هاجرت إلى حوزة قم المقدّسة ، كنت ضمن مجموعة مؤلفي (تفسير راهنما) و هو من أدق التفاسير وقد طبع بالفارسية ، ولكنّني  اخترت سورة يوسف ، فتابعنا آياتها بدقّة فائقة فاستخرجت منها كنوزاً عظيمة لا تعدّ و لا تحصى .

مرّت السنوات ، سمعت أن المخرج المرحوم فرج الله سلحشور الذي توفّى في هذا اليوم  يريد عرض الواقعة في مسلسل تلفزيوني ، فتمنيت أن أتحدّث معه في هذا المجال لعلّي أتمكّن من خدمة القرآن ولو بنحو بسيط ، و لكن لم يحالفني الحظ بلقائه إلا بعد أن تمّ تصوير أكثر مقاطع المسلسل و بقي القليل ، كنت في حرم مولاي علي بن موسى الرضا عليه السلام فإذا بي أرى مدير الإذاعة فسلمت عليه وقلت له لديّ آراء حول مسلسل يوسف فكيف أنقلها إليكم فقال لا بأس أن تلتقي بالمخرج وأخيراً إلتقيت به في ساحة التصوير وكان الجوّ شديد البرودة فشرح لي ماذا يفعل فرأيت العجائب هناك و أحسست بكلّ وجودي ما يعاني هذا الرجل من أتعاب من أجل إحياء حقائق القرآن الكريم ، أخذني إلى حجرته الخاصّة حيث تواجدِ النصوص المستخرجة من الكتب هناك ، دار بيننا الحديث حول القصّة إلى أن وصلنا إلى قوله (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ)(يوسف/42).  قلت هذا لا يعني أنّ يوسف أراد من الرجل ذكر اسمه فحسب وعدم نسيانه عند الملك كما يقول المفسرون ولا يعقل أن ينسى الرجل الإسم أعني ( يوسف) طوال سبع سنوات ، بل يعني أنه يتذكر يوسف في الفُرَص الذهبية ليدعوه إلى البلاط من أجل إدارة الحكم واسقاط النظام الفرعوني، وهذا الأمر كان خلاف سبيل الشيطان ولذلك (أنساه الشيطان) أي أنسى الرجلَ (ذكر ربّه) أي الملك ومن أجل ذلك لبث يوسف في السجن بضع سنين ، وهذا يدلّ على أنّ الرجل قد اهتدى في السجن و كان يعتقد بنبوة يوسف و لذلك قال ( يوسف أيها الصديق ) .

 إذن لم يتوسّل يوسف بغير الله في سبيل خلاص نفسه من السجن بل توسّل به في سبيل الدعوة إلى الله والإستيلاء على السلطة .

هذا : و تحدثنا عن عمق البئر حسب القرآن و شكل غيابة الجيّ  التي في داخله و أيضاً صورة القميص الخاص ليوسف و شكل زليخا حسب القرآن .

 ولكن:

 بعد اللتيا و التّي قال لي بلحن حزين :

(شيخنا لا أتمكّن من تجاوز الخطوط الحمراء التّي رسمها لنا المفسّرون أبداً لأنّ ذلك سيوقعني في تُهمٍ وربّما أُطرد من الساحة بحجّة أنني من المبتدعين )

نعم نعاني نفس المصيبة التّي كان يعانيها رحمه الله  فالأفضل أن تبقى الأفكار في الأذهان و لا ترى الشمس حالياً  (..لاَ تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا).

أعزتّي : أذكركم بما كان يعانيه إمامنا الراحل من المتحجّرين كما يقول رضوان الله عليه:

 (إنّ ولدي الصغير السيد مصطفى شرب الماء من الإناء في مدرسة الفيضية بقم ، فغسلّوا الإناء لأنّه نجس!! بحجّة أنني كنت أدرس الفلسفة و العرفان !! ) والحديث ذو شجون ...

إبراهيم الأنصاري البحراني .. 18 جمادى الأول1347 الساعة 11:50


الخيمة المباركة 03 ربيع الثاني 1437 هـ - الموافق 14 يناير 2016

هناك حيث تحار العبرات وتقيدنا الحسرات و ليس إلا لحمائم العشق بث الشكوى و شم عبق تلك القبور المهدَّمة نعم فهو بقيع الغرقد الذي هو ملجأ كلّ واله و مقصد كلّ طالب ، أوّل مرّة أتشرف بزيارة أئمتي هناك كان  في عام 1397 هجرية وقد مرّت سنة واحدة على التحاقي بحوزة النجف الأشرف و لم أكن أمتلك شيئاً من المال ! إلا أن إصرار والدي المرحوم لصاحب الحملة الحاج حبيب رحمه الله هو  الذي كان السبب في هذا التوفيق الإلهي فأخذني معهم تبرعاً  .
ذهبت مع خالي المرحوم إلى الزيارة فإذا بهم يحفرون قبراً كان خارج البقيع لينقلوه إلى داخله ، هو جثمان إسماعيل بن الإمام الصادق عليه السلام والذي قد توفى عام  159 هجرية  والعجيب أنه على الرغم من مضى السنون علي ذاك الجسد  (حيث مرّ على وفاته آنذاك ) 1239 عاماً فإنه كان يبدو طرياً كأنّه مات في هذه الساعة !
ارتحل  في حياة والده الإمام الصادق عليه السلام  وقد فعل الامام بجنازة اسماعيل مالم يفعل بأحد أبداً.  فقبل ان يحمل نعشه جاء الامام الصادق (عليه السلام) وفتح عن وجهه وأشهد الحاضرين كلّهم على ان هذا المسجّى الميت ابنه اسماعيل الذي مات حتف أنفه، ثمّ حينما حملت الجنازة من المدينة الى البقيع كان (عليه السلام) بين فترة وفترة يأمر ان يضعوا الجنازة،  فيفتح عن وجهه ويشهد الناس على ان هذا الميت هو ابنه اسماعيل مات حتف انفه إلا الفرقة الإسماعيلية الضالة  ومع الأسف يعتقدون أن الإمامة في نسله وليست في نسل أخيه الإمام الكاظم عليه السلام، و أنّه لم يمت في حياة أبيه وإنما أقام  الإمام جعفر الصادق عليه السلام جنازةً وهميةً له حتى يُبعد نظر العباسيين عنه .
أكملنا الزيارة فإذا بأحد الطلبة المعممين وكان من طلاب حوزة قم المقدسة تقدّم إليّ وسألني :
في أي حوزة تدرس ؟  أجبته : في حوزة النجف الأشرف،  فردّ بنبرة الواجد لضالّته: إذن ألتقيك هاهنا غداً مساءً لأمر مهم فلا تنس الميعاد وغادرني تاركاً إياي في حيرة من أمري..
ما عساه أن يكون ذاك الأمر المهم؟  يوم بأكمله وطائر الخيال يجول متنقّلا من غصن إلى غصن !
ما انقضت تلك السويعات إلا بشق الأنفس إلى أن حان الحين و دنت ساعة الصفر فغادرنا تلك الحجرة المظلمة حيث كانت تقيم فيها الحملة  في فريق النخاولة..  تلك الحملةً المتواضعة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فمثلا لم يكن زادنا سوى ما يسد الرمق من الرز المطبوخ مع الروبيان المجفف وكفى. ولم نر في طوال تلك الفترة أثراً للفاكهة  أبداً . فخرجت وكلي شوق لمعرفة ما يخبؤه لي ذاك اللقاء.
ما إن وصلنا البقيع وإذا بذاك الشيخ واقف على قدميه يترصد قدومنا؛ وبمجرد أن رآني تبسّم ضاحكاً و أخذ بيدي إلى خارج المدينة؛  فإذا به يدخلني مقرّ البعثة الإيرانية الملكية الشاهنشاهية فجلست في اللوبي  و قُدِّمَت لنا أنواع الفواكه التي لم نذقها طوال السفر!
ثمّ أخذنا الشيخ إلى مكان آخر نُصبت فيه خيمة كبيرة وسيعة وبقي واقفاً خارج الخيمة.
كان وقت المغرب والمصلّون (و كانوا من العاصمة طهران) قد انتظموا رجالا و نساءً  في صفوف يؤمّهم عالم كبير علماً و سناً  .
كان مدير الحملة يشرح للحجّاج بعض المسائل المتعلقة بالحج  فتعلّمت منه عدداً من أحكام العمرة و كيفية لبس الإحرام و كثيراً من الأمور الميدانية لأنّ الحج ليس في  فهم المسائل فحسب بل هو عبادة عملية ميدانية لا بد من معرفة كيفية التطبيق و معرفة المواقيت و انتخاب الأوقات و غيرها من الفنون و الصناعات .
وبعد إكمال الدرس قال لي مدير الحملة : شيخنا ، إذهب إلى إمام الجماعة .
فذهبت و سلّمت عليه وسألني عن دراستي و بمجرّد أن سمع كلمة النجف الأشرف إعتنقني و أخذ يقبّلني ، علماً بأنّ الطريق في تلك السنوات كان مغلقاً بين إيران و العتبات المقدّسة .
وأمّا المفاجأة فهي :
أنّه وضع يده في جيوبه وأخرج منها أموالا كثيرة من الريالات و الدراهم والتومانات و سلّمني إياها جميعاً وقال لي : كلّها تحت تصرفك يا شيخ !  فقلت والعجب يملأ كياني : ولماذا ؟ قال هذه الأموال التي بين يديك ما هي إلا  نذورات من الحجّاج لطالب علم نجفي لا غير و لم نعثر على غيرك ! فقلت : نحن ثلاثة فقال : إذن اقتسموها بينكم .
هل لك أن تخمّن مقدار ذلك المبلغ : أهو  ألف أو ألفين أو عشرة آلاف ريال ؟ أقولها لك من دون مبالغة هي أكثر من مائتي ألف ريال غير التومانات و الدراهم .
 قمت من بين يديه وقد امتلأت  جيوبي  بالنقود و هممت بالخروج فإذا بالحجاج نساءً و رجالاً يستوقفوني و ينادون يا شيخ ... يا شيخ ! فإذا بالأموال تنهال عليّ مجدداً فرفعت صوتي : كفى !! وهم يقولون : الرجاء .. الرجاء .
حتى إذا ما نويت المغادرة أقبل نحوي ذلك الشيخ و كان مختبئاً وراء نخلة فطلب منّى أن أعطيته من تلك الأموال شيئاً ، فدفعت له هديّةً فشكرني عليها .
هل انتهت قصتنا هاهنا ؟ كلا !
ما إن وصلنا إلى القافلة فإذا بالحجاج التفّوا حولنا يسألون أين كنتم فشرح الخال لهم القصّة ثمّ قال أنظروا إلى جيوب الشيخ إبراهيم فهي ممتلئة بالنقود !! حقيقة كانت مفاجأة عظيمة لهم إلا أنّني في حينها تذكرت الأحاديث التي تؤكّد على أنّ رزق طالب العلم بيد الله تعالى مباشرة ، و قد روي عن النبي صلى الله عليه وآله: (أنه من طلب العلم تكفل الله برزقه) كنز العمال: كتاب العلم ح 28700 ج 10 ص 139
وأمّا الأموال فأكثرها اشتريت بها كتباً ثمّ بعتها فاشتريت أرضا وهكذا نَمَت و نمت وأرى آثارها في يومنا هذا ولا يسعني إلا أن أقول (.. هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ)(النمل/40).

إبراهيم الأنصاري - البحرين - المنامة  4 ربيع الثاني 1437 المصادف 14/1/2016  الساعة 12:45 صباحا


إيّاك و الإنتظار ! 01 ربيع الثاني 1437 هـ - الموافق 12 يناير 2016

فی الثمانینات کنت مرشداً للحجاج العرب من مدينة خوزستان و لم تكن الجمهورية بالمستوى الفعلي من ناحية الإقتصاد فأكثر الحجاج كانوا بصدد شراء مستلزمات البيت الكهربائية من مكّة و مدينة ، تبدأ من الدمى للأطفال وتنتهي إلى التلفزيون و الثلاجة و الغسالة و ما شابهها ، كان أحدهم يعمل كمصلّح للأجهزة الكهربائية فيذهب إلى محلّ بيع دمى الأطفال فيشتري العاطبة منها - وكانت كثيرة - فيصلحها و يبيعها على الحجاج بنصف سعر الجديد ، فحصل على مال كثير فاشترى جهازاً للتصوير(كاميرا) احترافية فأراد مني أن أرشده إلى مشروع يتمكن من خلاله أن يجني مالا من هذا الجهاز فخطرت ببالي فكرة كانت تنفع آن ذلك فاقترحتها عليه وقلت له :

مادام الناس لا يمتلكون هذا الجهاز وأنت عاطل لا تعمل ، تجوّل في القرى لتعثر على شيوخ كبار في السن وهم على عتبة الموت جالسين خارج البيت يستشمّون الهواء النقي فتحدث معهم و سجّل لهم لقطات جميلة وهم يتحدثون عن حياتهم ثمّ أرشفها عندك ، وبعد وصول خبر وفاتهم إليك فاعرض الفيلم الوثائقي على أهليهم ليتذكرو والدهم الحنون فتدخل في قلبهم السرور (عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: مَا [مِنْ‏] عَمَلٍ يَعْمَلُهُ الْمُسْلِمُ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ إِدْخَالِ‏ السُّرُورِ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، وَ مَا مِنْ رَجُلٍ يُدْخِلُ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ بَاباً مِنَ السُّرُورِ، إِلَّا أَدْخَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيْهِ بَاباً مِنَ السُّرُورِ ) مستدرك الوسائل: 12/ 396 ح 14400. فإن رغبوا في اقتناء الفيلم (و سيرغبون قطعاً) فأعرضه للبيع عليهم مع مراعاة الإنصاف ! أعجبته الفكرة كما أعجبتكم أنتم !

ولكن ختمت كلامي معه بهذه الجملة (إيّاك وأن تنتظر مماتهم) فإنّ هذا الإنتظار مكروه (رَوَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ‏ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ص فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلَّمْتُ ابْنِي هَذَا الْكِتَابَ فَفِي أَيِّ شَيْ‏ءٍ أُسْلِمُهُ فَقَالَ أَسْلِمْهُ (لِلَّهِ أَبُوكَ) وَ لَا تُسْلِمْهُ فِي خَمْسٍ لَا تُسْلِمْهُ سَيَّاءً وَ لَا صَائِغاً وَ لَا قَصَّاباً وَ لَا حَنَّاطاً وَ لَا نَخَّاساً فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ مَا السَّيَّاءُ قَالَ الَّذِي يَبِيعُ الْأَكْفَانَ وَ يَتَمَنَّى‏ مَوْتَ‏ أُمَّتِي وَ لَلْمَوْلُودُ مِنْ أُمَّتِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ...) من لا يحضره الفقيه ؛ ج‏3 ؛ ص158  (و السياء بالياء المثناة المشددة لعله من السوء و المساءة أو من السي‏ء بالفتح)

هذا :

ولنعلم بأن قوانين عالم البرزخ تختلف تماماً عن قوانين الدنيا ، فلا يفرح الميّت بالشهرة أبداً إلا إذا كانت هذه الشهرة توجب ترحّم الناس عليه فحينئذٍ يأنس بأعمال الخير التي تصل إليه لا غير بمعنى أنّها لا تخفف من عذابه ابداً إلا إذا كانت صدقة جارية هو أوجدها في حياته أو وصى بها من ثلث ماله في الكافي ج‏7 ؛ ص574  باسناده عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: (قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام مَا يَلْحَقُ الرَّجُلَ بَعْدَ مَوْتِهِ فَقَالَ: سُنَّةٌ سَنَّهَا يُعْمَلُ بِهَا بَعْدَ مَوْتِهِ فَيَكُونُ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْ‏ءٌ وَ الصَّدَقَةُ الْجَارِيَةُ تَجْرِي مِنْ بَعْدِهِ وَ الْوَلَدُ الصَّالِحُ يَدْعُو لِوَالِدَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا وَ يَحُجُّ وَ يَتَصَدَّقُ عَنْهُمَا وَ يُعْتِقُ وَ يَصُومُ وَ يُصَلِّي عَنْهُمَا فَقُلْتُ أُشْرِكُهُمَا فِي حَجِّي قَالَ نَعَمْ.) وأيضاُ ( عَنْ أَبِي كَهْمَسٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام  قَالَ: سِتَّةٌ تَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَلَدٌ يَسْتَغْفِرُ لَهُ وَ مُصْحَفٌ يُخَلِّفُهُ وَ غَرْسٌ يَغْرِسُهُ وَ قَلِيبٌ يَحْفِرُهُ وَ صَدَقَةٌ يُجْرِيهَا وَ سُنَّةٌ يُؤْخَذُ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ)


خدام الصلحاء ! 29 ربيع الأول 1437 هـ - الموافق 10 يناير 2016

صفحات مفاتيح الجنان تتناغم مع أنامله اللطيفة التي كانت تحتضنها في الغدوّ و الآصال ! و أدعيته و زياراته مأنوسة بعينه الطاهرة  فلم يغادر دعاء و لا زيارة إلا وترنمت به شفتاه.. وأمّا الصلاة جماعةً فمحال أن يتركها مهما كانت الظروف قاسية ، كان يحضر في المسجد قبل ساعة استعداداً للصلاة ! 

 إنّه الحاج حسن رحمه الله وهو من مدينة المحرّق ثاني مدن البحرين توفّى سنة 1435 في مكّة المكرمّة و هو في حال الإحرام فدفن بمنى . كان الحاج ملتزماً بالذهاب كل صباح إلى مقبرة البسيتين في المحرّق لزيارة أهل القبور. نقل لي قصّته الغريبة قائلاً :

عند طلوع فجر أحد الأيام و بينا كنت متوجهاً إلى المقبرة إذا برجل جميل كثّ اللحية قد ظَهر أمامي، فقال لي: أنت تعبت تعال لأحملك على ظهري! فقلت له: لا داعي لذلك ،  فأصرّ ، و لم أقبل ثمّ اختفى !  قلت في نفسي : من هو هذا ؟

أقول : إنّ مثل هذه الحالات طبيعية للمؤمنين الأخيار، فلا ريب أنّه من مؤمني الجن الذين وكلّوا لخدمة المؤمنين، إذ أن الجن يتمثلون بلباس آدمي !

وكان أئمتنا عليهم السلام يستخدمون هؤلاء في الحالات الطارئة، وهو ما نقرأه في حديث سدير الصيرفي عندما أوصاه الإمام الباقر عليه السلام بحوائج له بالمدينة و بينما هو في طريقه وقد مضى على مسيره أياماً  فإذا به يرى رجلاً ماثلاً أمامه فناوله كتاب أبي جعفر عليه السلام وكان طينه (الختم) رطباً ! قال له متى عهدك بصاحب الكتاب ؟ قال : الساعة فالتفت فإذا ليس أحد أمامه وعندما التقى بالإمام سأله عن الرجل فقال :

(يَا سَدِيرُ إِنَّ لَنَا خَدَماً مِنَ الْجِنِّ فَإِذَا أَرَدْنَا السُّرْعَةَ بَعَثْنَاهُمْ.) بصائر الدرجات ؛ ج‏1 ؛ ص96 وفي الأرض عباد لله يطلق عليهم الأبدال : وهم كبار الأولياء وزهّاد العبّاد، حيث لا تخلو الأرض منهم . وكذلك صاحب موسى _أعني الخضر_ فهو حيّ يرزق لأنّه شرب من ماء الحياة كما في حديث جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام  في كرامة عجيبة إلى أن قال : (هَلْ تَدْرِي أَيْنَ أَنْتَ؟ قُلْتُ: لا. قَالَ: أَنْتَ وَاقِفٌ عَلَى عَيْنِ الْحَيَاةِ الَّتِي شَرِبَ عَنْهَا الْخَضِرُ عليه السلام ) بصائر الدرجات ج‏1، ص: 405

واللطيف ما في الحديث التالي : عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا عن آبائه عليهم السلام قال : عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام ‏ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله فِي بَعْضِ طُرُقَاتِ الْمَدِينَةِ إِذْ لَقِيَنَا شَيْخٌ طَوِيلٌ كَثُّ اللِّحْيَةِ بَعِيدُ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وَ رَحَّبَ بِهِ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ السَّلامُ عَلَيْكَ يَا رَابِعَ‏ الْخُلَفَاءِ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ)! ثم بين الرسول أنّه قصد من الثلاثة آدم و داوود و موسى وأنت رابعهم ثمّ قال: (و أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلا أَنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدِي فَأَنْتَ رَابِعُ‏ الْخُلَفَاءِ كَمَا سَلَّمَ عَلَيْكَ الشَّيْخُ أَ وَ لا تَدْرِي مَنْ هُوَ ؟  قُلْتُ: لا  . قَالَ: ذَاكَ أَخُوكَ الْخَضِرُ عليه السلام فَاعْلَمْ.) عيون أخبار الرضا عليه السلام ؛ ج‏2 ؛ ص9

هذا :

فلماذا الادعاء بأنّ فلاناً رأى الإمام عجّل الله فرجه و الاصرار على ذلك  في حين قد ورد أن (من ادعى الرؤية فكذبوه)، و هذا مما لا يتنافي مع ما نقل عن عدد من العلماء و الأولياء أنّهم قد التقوا بالإمام المهدي عجل الله فرجه ، ولم نعرف عن أحد منهم أنه أخذ ينشر عن نفسه أنه رأى الامام  و يشهر ذلك بين الناس ! وقد  ورد عنه (عليه السلام)(... وسيأتي من شيعتي من يدعي المشاهدة ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذابٌ مفتر) فما بال الدجالين في عصرنا يدّعون النيابة عنه (عليه السلام) نيابةً خاصةً .

فيا أيّها العزيز : لا تصدّق هؤلاء مهما صدرت منهم من أمور قد تبدو خارقة  أو حوادث يُتراءى منها الكرامات فإنّ إبليس هو الذي يسيّرهم ويهديهم إلى الجحيم وبامكانه أن يفعل ما يحيّر عقول العلماء فضلاً عن الجهّال فتبصّر .


الرؤية الثاقبة 26 ربيع الأول 1437 هـ - الموافق 07 يناير 2016

في النجف الأشرف بين سوق الحويش و شارع الرسول وإلى جوار  بيت الإمام الخميني قدس الله نفسه الزكية  تقع مدرسة السيد محمد كاظم اليزدي رضوان الله تعالى عليه (مؤلف كتاب العروة الوثقى)  ، التي كان  يتراود إليها في السبعينات أساتذة البحوث العليا ، و أكثر طلابّها من الرساليین و المجاهدین وقد وصل  كثير منهم  إلى مقام الشهادة.  وكان من أساتذة تلك المدرسة المرحوم آية الله السيد عباس الخاتم اليزدي رحمه الله وهو من حواريي الإمام الخميني وكان من أعضاء لجنة الإمتحانات في مكتبه .

كنّا جلوساً في غرفته المتواضعة نتحدّث عن الإمام رضوان الله تعالى عليه فسألته : ما هي قصّته و متى بدأ ثورته المباركة و  مقارعته لفرعون زمانه ؟

أجاب: كان ذلك منذ عام 1941 علماً بأنّ هذه السنة كانت مليئة بالحوادث ففي 26 يونيو 1941،( أي: بعد مضي أربعة أيام فقط على هجوم الجنود الألمان على الأراضي الروسية)، التقى السفير البريطاني ومعه نظيره السوفياتي لدى طهران برضا شاه. في هذا اللقاء طلب السفيران من شاه إيران طرد الرعايا الألمان من إيران، ولكن رضا شاه أجابهما بأن : إيران بلدٌ محايد  ولن أفعل ذلك ! وفي يوم 19 من يوليو تسلّمت إيران إنذاراً آخر، ثمّ في 16 أغسطس كانت المذكّرة تحمل نوعاً من التهديد وإتمام الحجة . وانتقاماً منه ورداً على نكران الجميل، بادر الإنجليز بنفي رضا شاه بشكل موهن إلى جزيرة موريس mauritis  الواقعة في المحيط الهندي !

في نفس تلك الفترة قصد العالم الجليل حجة الإسلام السيد علي محمد الوزيري الإمامَ الخميني في قمّ وطلب منه كتابة كلمة تذكارية و صورة فتوغرافية ليحتفظ بهما في مكتبته ، - علماً بأنّ مكتبته  في مدينة يزد جامعة وغنية بأمهات الكتب حيث تحوي ( 60000) كتاباً ، بينها أكثر من ( 4000 ) كتاباً خطياً ، وفي تلك المكتبة سجِلٌّ كبير لتوثيق وتسجيل الزيارات ، يحتوي على ملاحظات العلماء والشخصيات البارزة في داخل وخارج البلاد منهم :
الآيات العظام السيد محمد كاظم طباطبائى اليزدي ، الشيخ عبدالكريم الحائري اليزدي ، السيد حسين البروجردي، السيد عبدالهادي الشيرازي، السيد أبوالقاسم الخوئي ،السيد أبوالحسن الإصفهاني، السيد محسن الحكيم، السيد أحمد الخوانساري، السيد محمدرضا گلپايگاني، السيد محمد هادي الميلاني، السيد شهاب الدين المرعشى النجفي، العلامة الأميني ، العلامة آقا بزرگ الطهراني ، وآية الله  الشهيد صدوقي، آية الله الشهيد دستغيب ، والسيد جمال الدين الأسد آبادي... وغيرهم من كبار الشخصيات.

فكتب الإمام الخميني أيضاً كلماتٍ و لكنّها كانت فريدة من نوعها،( كتبها  بعد سنة من تأليف كتابه العقائدي كشف الاسرار وبالدقّة في  11 شهر جمادى الاولى 1363 هجرية) ركّز فيها على القيام لله وأكّد آنذاك على الحؤول دون  وصول محمد رضا شاه إلى سدة الحكم قبل أن تتفاقم الأمور وحينها لن يكون  من السهولة بمكان  التخلص من الوضع الذي سيجثم على صدر الأمة!!

وقد عُثِر على تلك المخطوطة بعد ذلك و نشرت ، ونحن نذكر مقتطفات منها :
بدأ حديثه بعد البسملة بقوله تعالى:

(قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ..)(سبأ/46). وقال : إنّ هذه الكلمة هي السبيل الوحيد لإصلاح العالم،  فالقيام لله أوصل النبي إبراهيم عليه السلام إلى الخلّة وخلّصه من مظاهر الطبيعة فقال (...قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ)(الأنعام/76).
 وبالقيام لله  تمكّن النبي موسى عليه السلام من القضاء على الفراعنة والوصول إلى ميقات المحبوب و مقام الصعق و الصحو .

ومن خلال القيام لله تمكّن  خاتم النبيين صلى الله عليه و آله بوَحدِه من نسف العادات و العقائد الجاهلية و إسقاطِ الأصنام من على بيت الله الحرام ثم تثبيت التوحيد و التقوى بدلا عنها، والقيام لله هو الذي أوصله إلى مقام قاب قوسين أو أدنى. 

وفي قبال ذلك فإنّ القيام للمنافع الذاتية يخنق روح الوحدة والأخوّة في الأمّة الإسلامية .
ثمّ تهجّم على رضا شاه وعبر عنه بـ (المازندراني الجاهل) و بين مظاهر  الفسادَ الذي عمّ إيران ، ثمّ خاطب العلماء: 

يا علماء الدين الإسلامي!

أيها العلماء الربانيون!

أيها المفكرون المتدينون!

أيها الوعاظ المؤمنون!

أيها المتدينون الموحدون!

أيها الموحدون طلاب الحق!

يا أنصار الحق الشرفاء .. أيها الشرفاء الوطنيون! أيها الوطنيون الغيارى.

 اقرؤوا موعظة إله الكون، وتمسكوا بطريق الإصلاح الوحيد الذي رسمه لكم، وتخلوا عن المنافع الشخصية لتنالوا سعادة الدارين، واحتضنوا العالمََين من خلال الحياة الحرة الشريفة: (إن لله في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها).   فاليوم يوم هبَّ فيه النسيم المعنوي الإلهي، وهو أفضل الأيام للقيام من أجل الإصلاح، فإذا ضيعتم الفرصة، ولم تقوموا لله، ولم تدعوا للشعائر الدينية، فسوف تتسلط عليكم في الغد ثلة من الزناة المتهتكين، وتجعل من دينكم وشرفكم ألعوبة لنوازعهم الباطلة. وختم كلامه بقوله تعالى (... وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)(النساء/100).