• عنواننا في التلغرام : https://telegram.me/al_kawthar الإيميل : alkawthar.com@gmail.com
  • اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا اَبا عَبْدِاللهِ وَعَلَى الاَْرْواحِ الَّتي حَلَّتْ بِفِنائِكَ عَلَيْكَ مِنّي سَلامُ اللهِ اَبَداً ما بَقيتُ وَبَقِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَلا جَعَلَهُ اللهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنّي لِزِيارَتِكُمْ ، اَلسَّلامُ عَلَى الْحُسَيْنِ وَعَلى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَعَلى اَوْلادِ الْحُسَيْنِ وَعَلى اَصْحابِ الْحُسَيْن ِ (اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه و على آبائه في هذه الساعة و في كل ساعة وليا و حافظا و قائدا و ناصرا و دليلا و عينا حتى تسكنه أرضك طوعا و تمتعه فيها طويلا)

ملكوت عاشوراء (3) (لبيك من الله للعبد ) 27 ذو الحجة 1439 هـ - الموافق 08 سبتمبر 2018

لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ، وفيها طلب من الله في غاية الأهميّة وهو ( اهدنا الصراط المستقيم)

كأنّ الله سبحانه قد لبّى طلب العبد  مسبقاً بالنسبة إلى الجزء الثاني من الطلب حيث جسّد لنا الصراط المستقيم من خلال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه أفضل الصلاة و السلام .

أمير المؤمنين عليه السلام هو الذي رسم الصراط المستقيم ، بل هو الصراط بعينه الذي يمثّل الجادة الوسطى التي توصل الإنسان المؤمن إلى الجنّة عبوراً بجهنّم ، وكما ورد في الحديث عن أبي بصير عن الإمام الصادق  عليه السلام قال: ( والصّراط أدقّ من الشّعر ومن حدّ السيف ...) بحار الأنوار، ج 8، ص 64ــ65، ح1 والصراط هو في داخل جهنّم كالجسر الغارق في البحر ، و بما أنّ جميع الخلق يمرّ على الصرط فكلهم يردون في النار (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا)(مريم/71). غاية ما هناك أنّ المؤمن إذا ورد يرتفع صراخ جهنّم أنّ أسرع في مشيك واخرج وابتعد عني فكاد نورك يخمد لهبي !!

وأمّا الأنبياء و الأولياء فيختلف أمرهم تماماً ففي الحديث (جُزْناها وَ هِیَ خامِدَةٌ) علم الیقین، فیض کاشانی، ج ۲، ص ۹۷۱.

هذا وينبغي أن تكون قلوبنا مملوّة بالولاية نفسها لكي يتنسى لنا العبور على الصراط المستقيم

والنتيجة أنّ الصراط المستقيم علويّة .

التلبية الإلهية الثانية هي بخصوص (إهدنا) لأننا نسأل عن كيفية العثور على الصراط و المرور عليه عملاً .

الإمام الحسين قد استعرض لنا كيف نهتدي من الناحية العملية إلى الصراط المستقيم و كيف نمرُّ عليه هو قد أوجد لنا ورشة عمل عجيبة لا مثيل لها .

ارتفع دوي خطابه للناس عامّة فقال : (فليرحل معنا) فجعل سيد الشهداء الهداية إلى الصراط نصب أعيننا وعلّمنا كيف نهتدي ثم نخطوا على الصراط المستقيم فبالحسين قد تمّ الدين من خلال إستعراض (المنهاج) وهو أسلوب الحركة على الصراط ميدانياً ، كما أنّه قد كمل الدين بعلي من خلال استعراض (الشريعة) .

و لولا هداية الإمام الحسين التي هي (أتمّ القصص) لكنّا إمّا من زمرة المغضوب عليهم أو من مجموعة الضالين ، وعلى ضوء ما بيّنا فكل من يريد الهداية إلى الصراط فهو بحاجّة ملمّة إلى الدخول في مدرسة الطفّ العظيمة ، وهذا الحاجة لا تختص بعامّة الناس بل هي شاملة حتى للأنبياء أو الأولياء ، ولذلك كانوا يزورون كربلاء ويبكون والإمام الحسين عليه السلام لم يولد بعدُ !

كما أن مدرسة كربلاء شاملة للنساء و الرجال والشيوخ والأطفال حتّى الطفل الرضيع ، كلّ من دخلها اهتدى إلى الصراط حتّى النصراني و الغلام التركي و كل من لم يدخلها ابتعد عن الصراط حتى الصحابي و التابعي .

مدرسة رغم شدائدها و آلامها و أحزانها و مصائبها فهي جميلة جدّا قد جمّلت الدين بعد اكتماله فيا لها من صنيعة إلهية عظمى ذات جمال لا نظير له (صنع الله الذي اتقن كل شيء )  أما ترى كيف تجيب زينب عليها السلام الطاغية عبيد الله حينما خاطبها (كَيْفَ رَأَيْتِ صُنْعَ اللَّهِ بِأَخِيكِ وَ أَهْلِ بَيْتِكِ ؟ فَقَالَتْ : مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلًا )

فالجدير ان نسلم على كل من الإمام الحسين عليه السلام الهادي إلى الصراط و أمير المؤمنين عليه السلام ، الصراط نفسه فنقول (السلام عليك يا ثار الله وابن ثاره)  هذا هو انعكاس قوله تعالى :  اهدنا الصراط المستقيم .

إبراهيم الأنصاري

27 ذو الحجة 1439


ملكوت عاشوراء (2) تمام النعمة بالحسين عليه السلام 25 ذو الحجة 1439 هـ - الموافق 06 سبتمبر 2018

إن أنبياء الله و أولياؤه لم يعاصروا واقعة الطفّ المؤلمة ولكن كانوا مطلعين عليها تفصيلا ، و لذلك كانوا يقصدون كربلاء  وبالتحديد الموضع الذي يقتل فيه سيدُ الشهداء عليه السلام ، وبذلك كانوا ينتفعون كثيراً .

و بما أنّ قصّة كربلاء هي (أتمّ القصص) فكانوا يحظون بالنعمة التامة من خلال تلك الزيارة ميدانياً ﴿لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ هذا، ولا يظن بأنّه يمكن للأمم السابقة أن يرتقوا كمال الإرتقاء من خلال الإرتباط بتعاليم الأنبياء بما هم أنبياء ، كلا ! بل كانوا يوجّهون الناس إلى حيث هم متوجهون إليه أعني إلأى بيوت أهل البيت عليهم السلام عامّة وإلى بيت الإمام الحسين عليه السلام خاصّة، فه يَدخلون ﴿في‏ بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ‏ترفَعَ﴾ و من ورائهم يدخل المؤمنون من أقوامهم ، فيغوصون في بحر النعمة و ينغمرون في عالم النور فيتنورون ثمّ ينوّرون أممهم.

 و هذا عام بالنسبة إلى جميع أهل البيت عليهم السلام ، ولكن لا يحدث ذلك إلا من خلال مقدّمات و تهيئة أرضية للدخول في تلك البيوت ،  ولذلك لا يسع كلّ إنسان أن يتنور بهم عليهم السلام إلا أن يكون قد تطهّر مسبقاً بنسبة على الأقل ثلاثين بالمائة.

 ولكن سيد الشهداء أبي عبد الله الإمام الحسين عليه السلام فهو مستثنى من هذه القاعدة،  فكلّ من أراد أن يحلق روحه نحو الملأ الأعلى فلا عليه إلا أن يدخل في حريم أبي عبد الله عليه السلام وذلك من خلال البكاء، و اللطم على الصدر ،  و الزيارة بل و حتّى التباكي ، وأما (السجود على تربة أبي عبد الله عليه السلام  تخرق الحجب السبع ) الوسائل 3/608 .

وأدلّ دليل على ذلك ما يشاهده العالم أجمع ميدانياً في الأربعين مشياً على الأقدام ،  فكم من الناس يعترفون بذنوبهم الكثيرة ومع ذلك لا يرون أنفسهم قد منعوا من زيارة الأربعين بل يدركون بوجدانهم أنّهم من خلال الزيارة ستنمحى ذنوبهم بل سيرتقون إلى الملأ الأعلى . فيا لها من معجزة عظيمة حيّرت ملائكة السماء ولاشك أنّها أعظم من عصا موسى ، وخاتم سليمان ، بل هي أعظم من إحياء الموتى .هي المصداق البارز لقوله تعالى (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ...)(الأنعام/122).

من هذا المنطلق تعرف أهميّة الإمام الحسين وأهميّة إحياء المجالس الحسينية و التأكيد على إحيائها و الثواب العظيم في ذلك ممّا يحيّر العقول.

فيا حبيبي فليكن همّك في العشرة منصبّا في مجالس العزاء و لا يخدعك إبليس فيشغلك بأمور الدنيا الدنيّة فهذه هي الخسارة الكبرى ، كما أنّ التفرّغ للمجالس الحسينية هو الفوز العظيم .

إبراهيم الأنصاري البحراني

25 ذو الحجة 1439


ملكوت عاشوراء (1) أتم القصص . 25 ذو الحجة 1439 هـ - الموافق 06 سبتمبر 2018

قد عبّر القرآن الكريم عن قصّة يوسف بأنّها (أحسن القصص) لأنّها شاملة لمجمل مسير البشرية مما جعلته حسنة، فلا نمرّ على موقف إلا ونشاهد فيه حُسناً لا مثيل له ، وأمّا قصّة رسول الله صلى الله عليه وآله فهي (أفضل القصص) من حيث أهميّة تلك المواقف وإن كانت مشتملة على حوادث مؤلمة جداً ، ويمكن التعبير عن قصّة أميرالمؤمنين عليه السلام بأنّها (أكمل القصص) وذلك بعد تنصيبه ولياً لرسول الله صلى الله عليه وآله حيث اكتمل الدين و إن لم يتمّ الدين باعتبار وجود الكفار و المنافقين الذين كانوا السبب في الحيلولة دون تجلي حكمه الإلهي ، وأمّا واقعة الإمام الحسين عليه السلام فهي (أتمّ القصص) لأنّها هي الواقعة التامّة حيث نشاهد جميع أبعاد الخير و الشرّ ظهرت في کربلاء، من معتقدات فكرية ، و قيم أخلاقية، و مواقف ميدانية.

 تبقى واقعة الإمام المهدي عجّل الله فرجه فهي في الحقيقة  (ظهورُ القصص) جميعاً ولذلك أطلق على الإمام (جامع الكلم)  ورد في الزيارة (اَلسَّلامُ عَلى مَهْدِيِّ الاُمَمِ وَجامِعِ الْكَلِمِ، اَلسَّلامُ عَلى خَلَفِ السَّلَفِ وَصاحِبِ الشَّرَفِ) وفي الحديث (وَ سَيِّدُنَا الْقَائِمُ عجل الله فرجه مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ وَ يَقُولُ يَا مَعْشَرَ الْخَلَائِقِ أَلَا وَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى آدَمَ وَ شَيْثٍ فَهَا أَنَا ذَا آدَمُ وَ شَيْثٌ ..... أَلَا وَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مُحَمَّدٍ وَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا فَهَا أَنَا ذَا مُحَمَّدٌ وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَلَا وَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ عليهما السلام فَهَا أَنَا ذَا الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ أَلَا وَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الْأَئِمَّةِ مِنْ وُلْدِ الْحُسَيْنِ فَهَا أَنَا ذَا الْأَئِمَّةُ عليهم السلام) بحارالأنوار ج 53 ص 7 ، 8 باب 28  

إبراهيم الأنصاري البحراني

25 ذي الحجة 1439

 


العجب العجاب ( ما يتعلق بالخطابة الحسينية): 24 ذو الحجة 1439 هـ - الموافق 05 سبتمبر 2018

*الحلقة (3) :

استمعت إلى أحد كبار الخطباء الحوزويين وهو ذو علم غزير واطلاع وسيع و صوت شجيّ ولكن في أهم مناسبة أعني العشرة الأولى من محرّم رغم كثرة مستمعيه كان يتطرّق إلى موضوع بسيط أخلاقي قد طُرح من قبل مئات المرّات ولا يحتاج إلى دراسة عميقة ، لا يسمن ولا يغني من جوع ، و كنت أتمنّى أن يتطرق إلى جوانبه من المقدمات و الصميم ثم النتيجة مستشهداً بالآيات الكريمة و بعض الأحاديث المباركة ليخرج المستمع وقد حمل معه كمّا من المعلومات المفيدة لآخرته و دنياه ولكن قد خاب ظنّى و أحزنني كثيراً وقلت في نفسي أسفاً على هذا المذهب الحق الذي قد أهريقت من أجله دماء أهل البيت عليهم السلام و مئات الملايين من الشهداء قد وقع في يدنا نحن القاصرين المقصّرين ! وبعد مراجعة الخطيب نفسه تبين لي أنّ هناك عائقين يحولان دون طرح البحث بالكامل . الأوّل: رئيس الحسينية حيث يطلب منه أن يقرأ أبيات شعرية و نعي في البداية حوالي ١٠ دقائق و في النهاية على الأقل ٢٠ دقيقة فلم يبق له وقت لإلقاء الكلمة . الثاني: لدى هذا الخطيب في اليوم الواحد خمسة مجالس، ثلاثة ليلا و اثنان نهاراً ! فما عسى أن أقول إلا: (على المذهب السلام إذا قد بليت الأمّة بهؤلاء القوم ). أقترح أن يخصص النهار للملالي غير الدارسين في الحوزة لقرائة المصائب فقط تفصيلا وفي الليل للخطباء العلماء الحوزويين لطرح بحث متكامل مع قرائة مصيبة مختصرة .

*الحلقة (2):

والاعجب من ذلك هو :

أنه عندما يتم النقاش في المعتقدات الدينية و القضايا الولائية ترى أنّ البعض  يستند على صحّة قوله الباطل بكلام ذلك الجاهل المركب الذي ارتقى منبر أبي عبد الله الحسین عليه السلام من دون استحقاق و كفائة !

فيقال : هو قال على المنبر  كذا و كذا وكأنّه مجتهد حوزوي ومرجع ديني يؤخذ برأيه ، وهذا هو ترجيح المرجوح على الراجح بعينه الذي فعله القوم وقد وقع موقع النقد منا نحن الشيعة الامامية .

نقول لمثل هؤلاء (ثبِّت العرش ثمّ انقش) !

 ورد في كتاب المحاسن ؛ المجلد‏ ١ ؛ ص ٢٢٠ في تفسير قوله تعالى)فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ‏ إِلى‏ طَعامه) (عَنْ زَيْدٍ الشَّحَّامِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام  قَالَ قُلْتُ مَا طَعَامُهُ ؟ قَالَ عِلْمُهُ الَّذِي يَأْخُذُهُ مِمَّنْ يَأْخُذُهُ‏)

فيا عزيزي:

لا تسمح لروحك وعقلك و قلبك أن تستقبل كلّ ما سمعته من الخطيب بل كن من أولي الألباب أصحاب الدقة و التأمّل و تمييز الحق من الباطل.

هذا و لا شك أنّني لا أوجّه حديثي إلى من يذكر مصائب أهل البيت عليهم السلام فقط و يُبكي الناس فهذا شأنه عظيم لا يعلمه إلا الله سبحانه.

*الحلقة (!): 

هل سمعت أذناك أن في جامعة من الجامعات حتى لو كانت في دولة فقيرة يكون الأستاذ   لدیه  المؤهلات العلمية  اللازمة للتدریس کأن یکون حاصلاً علی  شهادة الدكتوراه أو الماجستير،

 وفي السنة التالية يستبدل بشخص آخر لا يمتلك حتى الشهادة الابتدائية! وليس لديه أدنى فكرة عن تلك المادة!

 کل ما هنالک أنه  يمتلك قدرة بيانية عالية ! .

مالذي سينتظر  عميد الجامعة یا تری  جرّاء فعلته تلک ؟

بالطبع سيحاكم، و يجازى بأشدّ الجزاء وربّما يسجن ، لأنّه أضاع حقوق الطلبة .

▪ولكن:

فلنعلم بأنّ هذا  ما یجري علی أرض الواقع في الجامعات الإسلامية المنسوبة إلى سيد الشهداء عليه السلام ، حیث   يكون الخطيب  من أمثال عميد المنبر الدكتور الوائلي رحمه الله، و في السنة المقبلة يرتقی ذات  المنبر من لا يتجاوز عمره 25 سنة، و ربما لم تظهر عليه بعد  آثار البلوغ السنّي، بل لمّا يتحصل  على  أساسیات  المعارف الإسلامية، حتی أنّ  بعضهم لم يكمل الدراسة الثانوية الأكاديمية .

و هذا هو العجب العجاب الذي قد حيّر ملائكة السماء .

 فلیحذر بعض القائمین علی  الحسينيات من عذاب يوم عظيم ، و ليترقبوا المحكمة الإلهية حيث لم يستغلّوا فرصة تواجد ذلک  الجمع الغفير في أيام العشرة من محرّم بما ینفعهم ، وربما قد سمموا اذهان الكثير منهم .


علاقة الغريب بالأنيس 11 ذو القعدة 1439 هـ - الموافق 24 يوليو 2018

ورد في كتاب زاد المعاد في كيفية التوسل بالإمام الرضا عليه السلام:

(اللهم صل و سلم و زد و بارك على السيد المعصوم و الإمام المظلوم و الشهيد المسموم و القتيل المحروم عالم علم المكتوم بدر النجوم شمس الشموس أنيس‏ النفوس‏ المدفون بأرض طوس .. الخ).  زاد المعاد - مفتاح الجنان .

ينبغي لنا أن نتأمّل في كلّ واحدة من هذه الصفات بنحو مستقل فإنّها أبواب من خلالها نتعرّف على شأن الإمام الرضا عليه السلام.

فلنركِّز على صفة (أنيس النفوس) وهي بالطبع تجلٍ للحق تعالى ، فقد وردت في الأدعية المباركة (يا أنيس‏ القلوب ) والقلب إذا أنس بالله تعالى فلن يستوحش من أحدٍ أبداً ، و ينبغي أن يطلب الإنسان منه تعالى ذلك (يا منى المحبين يا أنيس‏ المريدين) فمن اسوحش من غيره وأراده سبحانه أنيساً فهو يكون له أنيساً ، ولن يوفق لهذا إلا من ترك الأغيار (يا أنيس‏ من لا أنيس له) و صفّى نفسه من كلّ ما سوى الله  (يا أنيس‏ الأصفياء)‏.

ولكن لعلك تسأل كيف يمكن للبشر غير العارف أن يأنس بالواحد الأحد الذي لا شبيه له و لا نظير ولا كم و لا كيف !

 أقول نعم لا يمكن أن تعطى هذه الموهبة العظيمة إلا لذي حظ عظيم وهم أهل البيت عليهم السلام ولذلك تلاحظ ذكر التسبيح دون الحمد في الدعاء (سبحانك يا أنيس‏ تعاليت يا مونس) فالله منزّه عن أن يكون أنيس بالمعنى المتعارف لدينا بل الأنس به له شأن عظيم و شروط صعبة و عرفان خالص .

هنا المؤمن بطبيعته ينادي (أين أنسك يا أنيس ) ؟ بعبارة أوضح أين نتفقد أنسك يا ربّاه ، وأين نحصل عليه لنتمسك به ومن خلاله يتمّ الأنس بك يا سيداه !

تأتي الإجابة : أبحثوا أنسي في (أنيس النفوس) وهو بالتحديد ثامن الحجج الإمام الرؤوف علي بن موسى الرضا عليه السلام .

ثمّ لسائل أن يسأل لماذا تخصّصت هذه الصفة بالإمام الرضا عليه السلام ؟

في الإجابة أقول : الصلاة المذكور في بداية الكلمة يتكفّل بالإجابة على هذا السؤال خصوصا هذا المقطع منه(بدر النجوم شمس الشموس أنيس‏ النفوس‏ المدفون بأرض طوس) .

 فكونه شمس الشموس:  له دور رئيس في ذلك، وأيضاً كونه مدفون في هذه الأرض المقدّسة التي هي قطعة من جنّة الدنيا كما ورد عن الإمام الجواد عليه السلام (انّ بین جبلی طوس، قبضهً قبضت من الجنه من دخلها کان آمنا یوم القیامه من النار)(من لایحضره الفقیه، ج2، ص583).

 فلو أردنا تصوير هذه الحقيقة العرفانية في صورة حسيّة فلنلاحظ أرض المدينة و بالتحديد المسجد النبوي الشريف والروضة المباركة فمنها قد انبعث شعاع نوراني من السيدة الجليلة فاطمة الزهراء عليها السلام واشتدّ تدريجاً إلى أن وصل إلى أرض خراسان فتوقف هناك ، ثمّ انقلب إلى جهة الشرق الأوسط كأنّه وردة عبّاد الشمس وهو في حال الإنتشار إلى أرجاء بلاد الإسلام.

 كما أنّ تصويرها من حيث القوّة و الهيبة فهو (القسورة) الذي تحرّك نحو الشرق و أرهب الأعداء الذي هم (كالحُمر المستنفرة) فتقدّم، وقد وضع يده اليمنى على بلاد الشام و اليسرى على اليمن وهو يزأر بشدة ليدوّي صوت الزئير فيصل إلى بلاد الغرب ! فهو إذن أنيس لنفوس المؤمنين .

وكونه مدفون بأرض طوس أيضاً قد عزّز ذلك كما أن في زيارة الإمام الحسين عليه السلام ورد (طبتم و طابت الأرض التي فيها دفنتم).

أمّا السرّ الأعظم الكامن في ثامن الحجج الذي جذب هذه الصفة الربانية إليه هو كونه (غريب الغرباء) ! لاحظ ما في مناجاة أمير المؤمنين عليه السلام ( يا أنيس‏ كل غريب! آنس في القبر غربتى)‏ و أيضاً (يا مونسي‏ عند وحشتي‏ يا صاحبي عند غربتي ) فالغربة الرضوية منحته هذه الصفة الربانية (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) هكذا هي المعادلات الإلهية ! و لعلّ قوله (المدفون بأرض طوس) إشارة إلى أنّه غريب بعيد المدى  .

هذا : ولا تظنّ بأن هذا الأنس الرضوي للأحياء فحسب بل النفوس جميعاً تأنس به عليه السلام سواء في الدنيا أم في القبر أو القيامة فهو عليه السلام صاحبنا عن غربتنا .

عزيزي:

 لاحظ الحديث الشريف الذي نقله الشيخ الصدوق عن الرضا عليه السلام : " من زارني على بُعد داري، أتيته يوم القيامة في ثلاث مواطن، حتّى أخلّصه من أهوالها: إذا تطايرت الكتب يميناً وشمالاً، وعند الصراط، وعند الميزان) عيون أخبار الرضا عليه السلام ج2 ص 285

هذا هو تجلّ من تجليات (أنيس النفوس) عليه آلاف التحيّة و الثناء فلا تغفل !

والأنيس يقال لمن يستمع كلامك بقلب رحب من دون ملل و لا كلل بحيث تتحقق ألفة بينك و بينه تجعلك منه و هو منك .

هذا : و ينبغي تجسيد هذه الصفة الربانية الرضويه في المجتمع بدءاً من العائلة الكريمة ، الزوجين و الأبوين مع الأولاد  بحيث لا يستوحش أحدٌ من أحد ، هذه رسالة الإمام الرضا في هذا اليوم العظيم .

وأمّا الحديث عن الحصن الحصين الرضوي الذي هو كغار ثور حيث نزلت السكينة على رسول الله صلى الله عليه و آله وعلاقة ذلك بالسجود في الصلاة وأيضاً علاقة سجن الأب الكاظم عليه السلام بغربة الإبن الرضا عليه السلام و دور ذلك في غربة الأمم و الشعوب المستضعفة كمقدّمة لإنتصارهم على الأعداء ليسود العدل في العالم بظهور الإمام المهدي أرواحنا فداه ، فيتطلّب وقتاً آخر لعلني أوفق لذلك ... و صلى الله على محمّد و آله الطاهرين .

مشهد المقدّسة

ليلة مولد الإمام الرضا عليه السلام 1439

الساعة السابعة و النصف

خادم الرضا إبراهيم الأنصاري البحراني


فراق الإمام فراق الله 28 رمضان 1439 هـ - الموافق 12 يونيو 2018

لقاء الله هو أعلى مرتبة يمكن أن يصل إليها الإنسان بالمجاهدة المستمرّة و بالسير والسلوك ، و لاشك أنّ ذلك أمر غير مستحيل ، كيف وقد صرّح سبحانه بذلك في القرآن الكريم ، فينبغي أن يكون ذلك أمنية كلّ مؤمن، و عليه أن يصل إلى هذه الدرجة قبل الانتقال إلى عالم البرزخ ، وهذا ما يدلّ عليه قوله تعالى (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)(الكهف/110). فالبشر عندما يوحّد الله ينبغي أن يرجوا لقاء ربّه وذلك من خلال العمل الصالح من نمط ما فعله أصحاب الكهف و النبي موسى و ذوالقرنين فهي بعيدة كلّ البعد عن الشرك ، الجلي منه و الخفي .

السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف يتحقق هذا اللقاء ؟ وفي المقابل ماذا يعني الفراق ؟

أجاب على هذا السؤال أمير المؤمنين عليه السلام في دعاء كميل (فَلَئِنْ صَيَّرْتَنى لِلْعُقُوباتِ مَعَ اَعْدائِكَ وَجَمَعْتَ بَيْني وَبَيْنَ اَهْلِ بَلائِكَ وَفَرَّقْتَ بَيْني وَبَيْنَ اَحِبّائِكَ وَاَوْليائِكَ، فَهَبْني يا اِلـهى وَسَيِّدِي وَمَوْلايَ وَرَبّي صَبَرْتُ عَلى عَذابِكَ فَكَيْفَ اَصْبِرُ عَلى فِراقِكَ) وهذا يعني أنّ فراق الله يعني فراق أحبائه و أولياؤه وهم أهل البيت عليهم السلام بالأصالة والأنبياء ثمّ الأولياء بالتبع ، فقد ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله ( من رآني فقد رأى الحق ) البحار 61 : 235 (من أحبكم فقد أحبّ الله) فلا بدّ من الفناء فيمن فنى في الله تعالى فبالنتيجة يكون العبد قد وصل إلى لقاء الله ، ومن هذا البيان يمكنك أن تتعرّف على السرّ الكامن في قوله تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ...)(الفرقان/21). حيث جاء بضمير المتكلم مع الغير (لقائنا) فالوصول إلى الأولياء هو الوصول إلى الربّ، و تدبّر في قوله تعالى (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ )(الغاشية/25). ثم ارجع إلى قول الإمام الهادي عليه في الزيارة الجامعة الكبيرة مخاطباً الأئمّة عليهم السلام (وإياب الخلق إليكم) وفي نهاية المطاف تنكشف لك أسرار شهداء الطف حيث ارتقوا إلى أعلى عليين فهم وصلوا إلى لقاء الله بلقاء الإمام الحسين عليه السلام (مَنْ كانَ باذِلاً فينا مُهْجَتَهُ ، وَمُوَطِّناً عَلى لِقاءِ اللهِ نَفْسَهُ فَلْيَرْحَلْ مَعَنا فَإِنّي راحِلٌ مُصْبِحاً إِنْ شاءَ اللّهُ)

ولذلك كان رأس الحسين عليه السلام يتلوا سورة الكهف فقد روى ابن شهر آشوب في المناقب "أنّه لمّا صلب رأس الحسين بالصيارف في الكوفة فتنحنح الرأس وقرأ سورة الكهف إلى قوله تعالى: ( إنّهم فتية آمنوا بربّهم وزدناهم هدى ) المناقب ج4، ص68.

وروى الشيخ المفيد في الإرشاد عن زيد بن أرقم أنّه قال مرّ به على رمح وأنا في غرفة لي فلمّا حاذني سمعته يقرأ (أم حسبتَ أنّ أصحاب الكهف والرقيم كانوا مِن آياتنا عجبًا) الإرشاد، ص245 .

فتنبه أيّها الحبيب من نوم الغفلة واسع في معرفة أهل البيت عليهم السلام حق المعرفة .

ليلة 27 شهر رمضان 1439

الساعة 1:20 بعد منتصف الليل

العبد المذنب الراجي رحمة ربّه

إبراهيم الأنصاري

 

 

 

 


ثیبات و آبکارا 11 رمضان 1439 هـ - الموافق 26 مايو 2018

أثار انتباهي قوله تعالى (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا)(التحريم/5). وذلك لأنّه سبحانه بصدد مدح النسوة هنا من خلال بيان صفاتهن الستّة وبطبيعة الحال ينبغي له أن  لا يذكر الثيبات بالمرّة ، و لو أراد ذكرهن فلا يقدمهن على الأبكار بل الأولى تقديم الأبكار عليهن لأنّهن الأفضل على الظاهر كيف لا و هو سبحانه عندما يتطرق إلى الحور في الجنّة يقول (إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً)(الواقعة/35). (فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا)(الواقعة/36). (عُرُبًا أَتْرَابًا)(الواقعة/37).

ولعلّه سبحانه أراد من ذلك تعظيم خديجة بنت خويلد سلام الله عليه (لو قلنا بأنّها كانت ثيب حين تزوّجها الرسول ص) وبذلك أراد أن يقدّمها على غيرها ، خاصة مع ملاحظة الحديث العامي عن ابن عباس قال: قلت لعمر بن الخطاب: من المرأتان اللتان تظاهرتا على رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ فقال: عائشة وحفصة أورده البخارى في الصحيح.

ولا تفوتك الآية التي قبلها حيث يقول سبحانه (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ)(التحريم/4). ولاشك أنّ صالح المؤمنين هو علي بن أبي طالب عليه السلام كما في أحاديث العامّة ،  فعن أبى بصير قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول:  ان تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما إلى قوله: صالح المؤمنين قال: صالح المؤمنين هو على بن أبى طالب (عليه السلام)... فتأمّل.

 

 


العزلة قانون إلهي 21 جمادى الثانية 1439 هـ - الموافق 09 مارس 2018

ينبغي أن نعلم بأن القوانين الإلهية لا علاقة لها بالقوانين البشرية المادية ، فالإنسان من خلال عقله الناقص ومن خلال فهمه للطبيعة المادية و لوازمها  يقنّن و يبرمج ، ولا يلاحظ في تقنينه الأبعاد الباطنية الملكوتية، فكيف بالجوانب العرشية ! لأنّه لا يعرف عنها شيء فكيف يلاحظها بل ربّما يتنزل به جهلُه المركّب إلى مستوى من الانحطاط بحيث ينكر تلك الجوانب المعنوية و يرى أن الطبيعة العمياء الصلبة هي كل شيء و كل شيء هو الطبيعة !

وأمّا الله سبحانه فتخلف قوانينه تماماً سواء للكون أو للإنسان ، خصوصاً ما تتعلّق برقي الإنسان و عروجه ، و لا غرابة في ذلك فهو الله خالق كل شيء و هو أعلم بمخلوقاته (أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)(الملك/14).

فحينما يقنن سبحانه لا ينظر إلى أبعاد الإنسان الظاهرية المتناهية بل يلاحظ كافة أبعاده و نشأته الأولى و الأخرى ، و لا يسع لنا إلا أن نتعبّد بقوانين الله و نلتزم بأحكامه من دون النقاش و محاولة العثور على الأسرار من خلال التوجه إلى الأمور الدنيوية ! و في ذلك تكون سعادتنا في الدارين ، ولكي يتضحّ ما نقول نذكر مثالين لذلك ثم ندخل في صميم البحث :

الأول: الصدقة مهما كان مقدارها لها دور مهمّ في حفظ الإنسان و المجتمع كما في الحديث ( عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام  قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله‏ الصَّدَقَةُ تَدْفَعُ‏ مِيتَةَ السَّوْءِ.) الكافي ج‏4 ؛ ص2 .. فياترى هل نتمكن نحن القاصرون تحليل مثل هذه العبادة بالمعايير المادية ؟ كلا . فهنا ينبغي أن نقول (لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ)(الأنبياء/23).

الثاني: الإنفاق خصوصاً في حال الشدّة و دوره في نمو الرزق قال تعالى : (... وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا)(الطلاق/7). وهل لأهل الدنيا معرفة سرّ مثل هذه الأحكام !

(عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع الرَّجُلُ يَكُونُ قَدْ غَنِيَ دَهْرَهُ وَ لَهُ مَالٌ وَ هَيْئَةٌ فِي لِبَاسِهِ وَ نَخْوَةٌ ثُمَّ يَذْهَبُ مَالُهُ وَ يَتَغَيَّرُ حَالُهُ فَيَكْرَهُ أَنْ يَشْمَتَ بِهِ عَدُوُّهُ فَيَتَكَلَّفُ مَا يَتَهَيَّأُ بِهِ قَالَ‏(لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ‏ رِزْقُهُ‏ فَلْيُنْفِقْ‏ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ)‏  عَلَى قَدْرِ حَالِهِ) ( ج‏76 ؛ ص313)

الثالث : الإعتزال : وهو من أعظم القوانين الإلهية التي جرت على الأنبياء و الأولياء وغيّرت مصير الأمم حيث أن هذا القانون ينص على أن الرحمة الخاصة و المواهب السنّية إنما تصيب كلّ من اعتزل وخرج من بيته مهاجراً (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ..)(النساء/100). ورد في مفهوم (مراغماً) أي مواضع كثيرة كلما منعه مانع في بعضها من إقامة دين الله استراح إلى بعض آخر بالهجرة إليه لإرغام المانع و إسخاطه أو لمنازعته المانع و مساخطته، و يجد سعة في الأرض.

ولذلك نشاهد كثيراً من الأنبياء والأولياء من خلال العزلة شملتهم الرحمة الخاصة الإلهية ووصلوا إلى ما وصلوا من الدرجات الرفيعة و نالوا ما نالو من المنازل العالية، ونشير هنا إلى بعضهم :

  • أصحاب الكهف : قال سبحانه عن لسان أحدهم (وَإِذْ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا)(الكهف/16). فبالهجرة من البلاد و اللجوء إلى الكهف لم تسهل أمورهم فحسب بل وصلوا إلى رشدهم (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا)(الكهف/10). و ارتبطت قضيتهم بأهم ما سيتحقق في المستقبل وهي الثورة المهدوية المباركة ففي الحديث  )وَ أَخَذُوا مَضَاجِعَهُمْ فَصَارُوا إِلَى رَقْدَتِهِمْ إِلَى آخِرِ الزَّمَانِ عِنْدَ خُرُوجِ الْمَهْدِيِ‏ ع فَقَالَ إِنَّ الْمَهْدِيَ‏ ع يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ فَيُحْيِيهِمُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى رَقْدَتِهِمْ وَ لَا يَقُومُونَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ( عمدة عيون صحاح الأخبار في مناقب إمام الأبرار ؛  ص431  والكهف الحصين و غياث المضطر المستكين و ملجأ الهاربين الذي تجسّد بالإمام الحسين عليه السلام قد أوصل أصحابه من قبلُ و يوصل محبيه طوال الدهر إلى مقامات من الرشد و الرقي بحث يثير عجب أهل السماء من الملائكة المقربين و أرواح الأنبياء و المرسلين ومن هنا تلا رأس الإمام آية الكهف أو السورة بأكملها.

هذا : و نلاحظ في كثير من الآيات بأن الرحمة النازلة من خلال الإعتزل هي الذرية الصالحة وكأن القانون الحتمي يربط بين الإعتزال و الذرية الصالحة ولإثبات ذلك نتطرق إلى عدد من الآيات الواردة في شأن الأنبياء عليهم السلام .

الأولي : مريم بنت عمران عليها سلام الله قال تعالى : (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذْ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا، فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا)(مريم 16 و 17). فابتعدت من أهلها إلى المكان الشرقي ثم المكان القصى فوهبها الله عيسى عليه السلام .

الثانية : إبراهيم عليه السلام (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاَّ جَعَلْنَا نَبِيًّا)(مريم/49). فالنبيان أعني إسحاق و يعقوب هما نتيجة للاعتزال الإبراهيمي كما أن النبوة هي رحمة خاصة شملتهما جراء اعتزال أبيهما عليه السلام .

الثالثة: زكريا :   (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ)(آل عمران40 و 41)

هذا وأهمّ من ذلك كلّه العزلة النبوية إلى مقام (قاب قوسين) ثم الاعتزال عن خديجة عليها السلام أربعين صباحاً ، فيا ترى ماذا كان الهدف من ذلك ؟ إنّه من أجل موهبة عظيمة ألا و هي الحوراء الإنسية عليها سلام الله ، وقد ورد في التأريخ: لما عُرج به الى السماء وتناول التفاحة التي تحولت الى نطفة فاطمة الزهراء في صلبه وهبط الى الأرض لم يواقع خديجة عليها السلام ألا بعد أربعين يوماً حيث جاء النداء : يامحمد العلي يقرؤ عليك السلام وهو يأمرك أن تعتزل عن خديجة أربعين صباحاً ، فشق ذلك على النبي لأنه كان محباً لها قال لهاياخديجة لاتظني أن أنقطاعي عنك (هجرةٌ ) ولاقلى (البغض) ، ولكن ربي عزوجل أمرني بتنفيذ أمره ، فلا تظني ياخديجة إلا خيراً ، فإن الله عزوجل ليباهي بك كرام ملائكته كل يوم ، فإذا أجنك الليل ردي الباب وخذي مضجعك من فراشك فإني في منزل فاطمة بنت أسدثمّ أقبل جبرائيل وقاليامحمد ربك يقرؤك السلام ويأمرك أن تجعل الليلة أفطارك من هذا الطعام فكشف النبي عن الطبق فإذا عذق من رطب وعنقود من عنب ، فوثب رسول الله الى منزل خديجة  فقرع الباب قالت : من هذا الذي يقرع حلقة لايقرعها ألا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم ) فنادى الرسول بعذوبة كلامة وحلاوة منطقه فإني محمد  وهكذا ولدت الزهراء عليها السلام .

فسلام عليها يوم ولدت و يوم استشهدت و يوم تبعث حيّاً .

إبراهيم الأنصاري

يوم مولد الزهراء عليها السلام

يوم الجمعة 21 جمادي الثاني 1439

الساعة 8:15 صباحاً


جزيل الحباء: 18 ربيع الأول 1439 هـ - الموافق 07 ديسمبر 2017

ورد في زيارة أمير المؤمنين عليه السلام المخصوصة بهذا اليوم (مولد أخيه و نفسه رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم) (السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مِصْبَاحَ‏ الضِّيَاءِ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مَنْ خَصَّهُ النَّبِيُّ بِجَزِيلِ الْحَبَاء) وأيّةُ صفة هي أعظم من هذه الصفة أعني (مصباح الضياء)!

قال تعالى (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا ...)(يونس/5). فالقمر هو مصباح الضياء الذي ينتشر منه نور الشمس ولولا القمر لم نكن نتمكن من رؤية نور الشمس في الليل الأليل وهو ليل الدنيا (صَلِّ اللّـهُمَّ عَلَى الدَّليلِ اِلَيْكَ فِي اللَّيْلِ الأَلْيَلِ) فرغم أنّه صلى الله عليه و آله الدليل على الله في الليل ولكن لا تظهر دلالته إلا بمصباح الضياء و هو أمير المؤمنين عليه السلام بالإصالة و أولاده المعصومين عليهم السلام بالتبع.

قال سبحانه في توصيف الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله (وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا)(الأحزاب/46). فهو السراج الذي انتشر ضياءه فخرق حاجز الزمان و المكان حتى وصل إلى السماوات العلى و الأرضين السفلى وهذا يعني (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)(الأنبياء/107). فرحمته شاملة لكافة العوالم و جميع النشآت وهناك أيضاً للقمر أعني أمير المؤمنين عليه السلام دور رئيس في نشر الرحمة ، أما قرأت قوله تعالى (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا)(نوح/15). (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا)(نوح/16).فلم يجعل سبحانه نور القمر في سماء الدنيا فحسب بل انتشر نوره إلى السماوات السبع ذلك النور المشرق من السراج المنير و شمس عالم التكوين.

وبعد هذا البيان هل لك أن تتردد في الحديث التالي الذي أورد الكليني رحمه الله في الكافي : (عن ابى محمد عن ابى عبدالله (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله عز و جل: " والشمس وضحاها " قال: الشمس رسول الله (صلى الله عليه و آله) به أوضح الله عز وجل للناس دينهم، قال: قلت: والقمر اذا تلاها قال ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) تلا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونفثه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالعلم نفثا...) ".

أيّها العزيز : على ضوء ما ذكرنا تعرف عظمة الحبوة التي وردت في الزيارة (السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مَنْ خَصَّهُ النَّبِيُّ بِجَزِيلِ الْحَبَاء) فتأمّل.

وفقنا الله و إيّاكم معرفة محمد و علي كي ندعوهما بجدّ ( يا محمد يا علي يا علي يا محمد إكفياني فإنّكما كافيان و انصراني فانّكما ناصران) ومن ثمّ نتوجه إلى من يحقق تلك الإنجازات و نقول من صميم قلوبنا (يا مولانا يا صاحب الزمان الغوث الغوث ....)

خادم أهل البيت عليهم السلام

إبراهيم الأنصاري البحراني

17 ربيع الأول 1439(مولد الرسول الأكرم ص و الإمام الصادق ع)

 

الساعة 11 صباحاً

 

 


الرشد و الرفعة : 07 صفر 1439 هـ - الموافق 28 أكتوبر 2017

الرشد الحسيني (الحلقة الثانية):

ينبغي للإنسان أن يتطهّر كي يتمكّن من التنعم بالنعم التامّة حيث أن التطهير من الأرجاس و الأوساخ يخفف الروح فيرتفع إلى الأعلى ، فإذن جميع تعاليم الدين إنّما شرعت من أجل تخفيف الروح ليرتفع إلى الأعلى ليستفيد من النعم الإلهية هناك .

وعليه نقول بأنّه سبحانه يريد أن يتمّ نعمه على الإنسان في هذه الدنيا فيشرّع له الأحكام التّي تطهّره ليحلق في السماء و لا علاقة للموضوع بالآخرة أبداً .

فالأنبياء و الرسل كانوا يواظبون كثيرا على الدينيات حتى يتطهّروا فيحلقوا في السماء و من ثمّ كان يأتي جبرئيل و يهديهم إلى كربلاء ليتنعمّوا وربّما كان جبرئيل يصاحبهم في السفر إلى أرض الطف و نشاهد أنّه عليه السلام كان يذكّرهم بمصاب سيد الشهداء عليه السلام.

فمشكلتنا نحن هي أنّنا نؤدّي الواجبات و نجتنب عن المحرمات لغرض رفع التكليف لا غير لا لغرض التطهير من الأرجاس ، ولذلك عندما ندخل في حريم أهل البيت عليهم السلام و نزورهم فنكتسب الزيارة الصرفة و لا حظ لنا من النعم التامّة .

فالمتديّن حقيقة هو الذي يؤدّي التكاليف ليتطهّر و يكتسب النعم التامّة الإلهية.

طبقا للآية المباركة في سورة الأعراف و هي (.. وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ...)(الأعراف/157). والأغلال هي حصيلة الأعمال التي تحدد الإنسان و تقيّده، ولذلك نحن جميعاً مديونون للرسول الأعظم صلى الله عليه و آله وسلّم .

إنّ الله سبحانه يزيل تلك الأغلال من خلال وسائل وهي :

دعاء الرسول صلى الله عليه وآله واستغفاره للمؤمنين ، والعمل طبقاً لسنّته صلى الله عليه وآله ، والذهاب إلى حرمه و حرم الأئمة عليهم السلام وهي نعمة جسيمة شاملة لا تحدد بالزمان بل تشمل كافة الأزمنة .

الأنبياء عليهم السلام لم تكن لهم وسيلة للعروج و الرفعة واكتساب النعم سوى العمل بالدينيات كالصلاة والصوم ولكن مع ذلك كانوا يتوجّهون نحو نعمة أصيلة ليتنعموا بها ألا وهي كربلاء فحسب الأحاديث الكثيرة كانوا ينطلقون إلى كربلاء والحسين عليه السلام لم يولد بعدُ !

وأمّا عامّة الناس فلم تكن لديهم هذه الوسيلة السهلة للرشد والرفعة فكم كانوا يعانون! أمّا نحن أمّة رسول الله فجعلت لنا هذه البيوت لندخل فيها ونتنوّر بالنور المعنوي بعد أن نكسر كافة القيود المادية وغيرها فنرتقي إلى السماوات العليا بل إلى أعلى عليين، فلا يمكن تقييم هذه النعمة العظيمة أبداً! وهذا هو السرّ في الدعاء في السجدة بعد زيارة عاشوراء (اللهم لك الحمد حمد الشاكرين على مصابهم.. الخ).

وهذا الأمر شامل لجميع أهل البيت عليهم السلام إلا أنّ مصباح الإمام الحسين عليه السلام أشدّ نوراً وسفينته أوسع نطاقاً.

من هذا المنطلق نعرف السرّ في هذا القدر من الثواب لخصوص زيارته عليه السلام والمشي على الأقدام قاصداً حرمه وحتى الارتباط القلبي به والتوجه إليه ،و نعرف السبب لاهتمام الأنبياء و الرسل بالإمام الحسين عليه السلام و بأرض كربلاء وتحمّل عناء السفر إلى تلك الأرض المقدّسة.

الرسل عليهم السلام هم أبرز مصداق (السابقون السابقون) حيث استبقوا سائر الناس في التوجّه إلى زيارة أرض كربلاء و لم تمنعهم الحجب من الوصول إلى تلك النعمة الإلهية ، بل كانوا أصحاب عزم و اهتمام للوصول إلى هذا الكنز الإلهي المتواجد في أرض الطف ... طوبى لهم !

نشكر الله أن يسّر لنا ببركة رحمة للعالمين هذا الطريق و سهّل لنا الوصول إلى الرشد .

نطلب من الله أن يمنحنا ما منح الرسل و ينعّمنا ما تنعمّ به الأنبياء (رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ)(آل عمران/194).

الأربعين :

في هذا الزمان أعني الأربعين قد أذن الله للجميع من دون استثناء سواء الملتزمين بالشريعة أو غيرهم  أن ينطلقوا نحو كربلاء فيتطهّروا و يرتفعوا من خلال البيوت السامية ليصلوا إلى رشدهم .

والدليل على ذلك هو ما يحسّ به زوّار الإمام عليه السلام، فلسان الحال لجميعهم هو: (أنّ أجسامنا على الأرض السفلى و أرواحنا في السماوات العلى) .

والكل يتساؤل عن ذلك ويقول في نفسه (ما هو هذا الإحساس الجميل الروحاني؟ ) والجواب هو : نتيجه التوجّه نحو الإمام الحسين عليه السلام وزيارة حرمه المطهّر حيث يمسك عليه السلام بيد الكلّ فيرفعهم إلى الأعلى .

فنطلب من الله تعالى و نقول :

إلهنا و سيدنا نحن المقصّرون في العمل بالشريعة ونحن المعترفون بالتهاون و التكاسل تجاه التكاليف ، إلهنا جعلت حرم الإمام الحسين عليه السلام لنجاة المقصّرين المذنبين ونحن منهم فخلصنا من الذنوب القاصمة للظهر وارفعنا إلى سماواتك معتصمين بحبل من الناس وهو شهيد كربلاء و خلصنا به من جميع الآفات سالمين غانمين يا ربّ العالمين.


الرشد و الرفعة : 07 صفر 1439 هـ - الموافق 28 أكتوبر 2017

 

الرُشد الحسيني (الحلقة الأولى) :

موقع الإمام الحسين عليه السلام لدى الماضين من الأنبياء و الأولياء:

قد وردت أحاديث كثيرة تؤكّد على استحباب ذكر الإمام الحسين عليه السلام و البكاء عليه و زيارته و البكاء عليه والإطعام من أجله وحتّى سقي الماء باسمه وكثير من الأفعال الأخرى وقد ذكرت لها فضائل لا تعدّ و لا تحصى هذا من ناحية .

ومن ناحية أخرى نشاهد الكثير من الأنبيباء و الأولياء كانوا يقصدون أرض كربلاء المقدّس كما أنّهم كان يعلمون بالدقّة ما سيحدث هناك وأن ابن فاطمة سيقتل عطشاناً وقد وردت أحاديث كثيرة من الفريقين في هذا المجال .

السؤال الذي يطرح نفسه هو :

ما هو السبب الذي جعل هؤلاء الأنبياء و الأولياء يقصدون أرض كربلاء . ثمّ لماذا كلّ هذه الفضائل على كثرتها  بحيث وصلت إلى مستوى تجعل الإنسان في حيرة من الأمر،  وربّما يختلج في ذهن البعض أن هذا ليس إلا إغراق في الأمر  و مبالغة في القول . فهل لنا أن نصدّق بها أم ماذا ؟

أقول بكلّ حسم وجدّ ، لا إغراق في هذه الأحاديث أبداً لمن لديه البصيرة و النظرة الواضحة لهذه الواقعة العظيمة .

فلا بد و أن ننظر إلى  واقعة الحسين من منظار إلهي صحيح كي نعرف أنّ ما ذكره أهل البيت عليهم السلام هو عين الحقيقة و الصواب و حاشا أن يبالغوا في الأمر ، فلو كانت لدينا هذه البصيرة لشاهدنا الجمال الخلاب لصنع الله لا فطور فيه و لا قبح يعتريه أبداً .

الرشد و الرفعة:

ينبغي أن ننظر إلى واقعة الطف من منظار الرشد و الرفعة لا غير ، الأمر الذي يؤكّد عليه القرآن الكريم في مواطن عديدة حيث أنّه هو الهدف من خلق الإنسان و محظوظ حقيقةً من وصل إليه كإبراهيم عليه السلام (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ)(الأنبياء/51). حينئذٍ تكون واقعة الطفّ الإلهيّة أجمل من كلّ جميل على الإطلاق فلا تتأتى لدينا تلك التساؤلات أبداً .

وبكلّ صراحة أقول : ( الإرتباط بالإمام الحسين عليه السلام باي نحو كان هو أسهل طريقة لرشد الإنسان ووصوله السماء)

 

 

إنّ ركب الحسين من خلال أثنين و ثلاثين يوماً قد وصل إلى مستوى من الرشد لم يصل إليه عبّاد الليل و سيّاح النهار بحيث وردت في النصوص أنّهم وصلوا إلى أعلى عليين، وجمال هذا الأمر قد وصل إلى مستوى  بحيث نادت العالمة غير المعلمة العقيلة زينب بأعلى صوتها في وجه اللعين ابن زياد(ما رأيت إلا جميلا ).

هنا لا بد أن نوضح الموضوع و نستدلّ عليه من خلال القرآن الكريم  لنعرف عظمة الواقعة ، فمن تلك السور التي تبين حقيقة هذه الواقعة هي سورة النور و بالتحديد الآيات من 35 و 36 .

 إن ّ مرقد الإمام الحسين عليه السلام هو من أبرز مصاديق قوله تعالى (في بيوت أذن الله أن ترفع) فقد أذن الله بذلك بالأصالة ،  وعلى هذا الأساس كلّ من يتوجّه إلى هذه البيوت سيرتفع إلى الأعلى تبعاً لها وهذه من خصوصيّات كربلاء حيث تأخذ الإنسان إلى الإرتفاعات المعنوية حتّى توصله إلى أعلى عليين ، وقد وردت في ذلك أحاديث منها ما نقله (الحسكاني بسنده عن أنس بن مالك وعن بريدة قالا: قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)هذه الآية فِي بُيُوت أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ ـ إلى قوله تعالى ـ وَالأَبْصَارُ) ، فقام رجل فقال: أي بيوت هذه يا رسول الله؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): بيوت الأنبياء. فقام إليه أبو بكر فقال: يا رسول الله هذا البيت منها؟ لبيت علي وفاطمة؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): نعم، من أفضلها.) شواهد التنزيل، الحسكاني: 1 / 532 ح 566.

بل قد طبّق الإمام الباقر عليه السلام البيوت على نفسه في الحديث التالي:

(حضر قتادة في مجلس الاِمام أبي جعفر الباقر(عليه السلام) فقال له الاِمام: من أنت؟
 
قال: أنا قتادة بن دعامة البصريفقال أبو جعفر: أنت فقيه أهل البصرة؟
 
فقال : نعم. قال قتادة: أصلحك اللّه، ولقد جلستُ بين يدي الفقهاء وقدام ابن عباس فما اضطرب قلبي قدام واحد منهم، ما اضطرب قدامك! فقال أبو جعفر (عليه السلام)  ما تدري أين أنت؟ أنت بين يدي( بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ وَالآصال* رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وإقام الصَّلاة وإيتاءِالزَّكاة) ونحن أُولئك.  فقال له قتادة: صدقت، واللّه جعلني فداك، واللّه ماهي بيوت حجارة ولا طين) الكافي: 6 / 256 - 257 ح 1. ففي الحقيقة نفس أهل البيت عليهم السلام هم مصاديق تلك البيوت و كذلك مراقدهم المطهّرة هي أبواب لتلك البيوت .

هذا :

رغم أنّ الرشد أمر صعب للغاية بحيث يتطلّب رياضات شرعية مستمرة و أذكار و أوراد كثيرة مضافاً إلى جهاد كبير و سعي حثيث ، ولكن الله  قد ميّز زيارة الإمام الحسين عليه السلام وجعلها أرضية خصبة لتحقق الرشد و الرفعة،  فهو عليه السلام يتميز في السعة و السهوله و الشمولية للوصول إلى أعلى عليين.

والعجب العجاب ما يحدث من خلال المشي على الأقدام إلى كربلاء و بالخصوص في الأربعين!

إنّ الإنسان إذا مشى نحو كربلاء فكلما قرب منها ارتقى إلى الأعلى فالأعلى بحيث يحس وكأنّه تجرّد من المادة وابتعد عن الأثقال الدنيوية القاصمة للظهر وما إن يصل إلى تلك الأرض المقدسّة فإذا به يحس و كأنّه روحه قد حلّق إلى السماءو انطلق إلى العرش وكأنّه زار الله في عرشه.

فالمشي نحو مضجع الإمام الحسين ليس هو إلا الدخول في النور الإلهي مرورا من الآية 35 من سورة النور (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)(النور/35). ووصولا إلى البيوت المرتفعة المذكورة في الآية 36 (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ)(النور/36).  فجميع ما في الآية 35 هي من جنس النور أو مرتبطة مع النور بشدّة فهي نور على نور وهذا العروج إلى الأعلى قانون إلهي لا تخلّف فيه فهو تعالى قد أذن بذلك .

هنا سؤال يطرح نفسه و هو: انّ الكثير يذهب إلى كربلاء لزيارة الإمام الحسين عليه السلام و لا يرتقى إلى الأعلى فما هو سبب ذلك .؟

الجواب هو :  أننا لم نراع مقدمات الزيارة وهذا الموضوع جارٍ في جميع العبادات والتكاليف.

إنّ كلمة التكليف نفسها تحكي عن الكلفة و الصعوبة فمثلا نصلّي من أجل أداء التكليف لا غير فحينئذٍ لا ننتفع بالصلاة كنور نستضيء به .

ولكن النظرة الإلهية إلى العبادات كالصلاة وسائر ملابساتها ليست كذلك ، لاحظ الآيات الأولى من سورة المائدة فعندما يتحدّث سبحانه عن المحرمات و الواجبات ثم عن خصوص الصلاة و الوضوء و التيمم يقول (... مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(المائدة/6). فالهدف الرئيس لهذه الأحكام الوصول إلى الطهارة  ومن ثمّ اتمام النعمة على الناس.


كد كيدك : 26 محرم 1439 هـ - الموافق 17 أكتوبر 2017

يا لها من كلمة ربانية نابعة من نفس صافية نورانية و قلب مطمئن بذكر الله ، انتشر صداها في محيط مليء بالظلم و الطغيان و الشرك تلك الكلمة التي نطقت بها عقيلة بني هاشم حيث صرخت في وجه الطاغية يزيد بن معاوية وخطبت تلك الخطبة الغراء ثم خاطبته (كد كيدك ، واسع سعيك ، وناصب جهدك ، فو الله لا تمحو ذكرنا ، ولا تميت وحينا ، ولا يرحض عنك عارها ، وهل رأيك الا فند وأيامك الا عدد ، وجمعك إلا بدد ، يوم ينادى المنادي ألا لعنة الله على الظالمين) هذا الكلام لا يصدر إلا ممن ينظر بعين الله ويرى الجمال في صنع الله .

زينب العالمة غير المعلمة كانت ترى فشل هؤلاء الطغاة على مرّ الدهور فمن هذا المنطق صرخت في وجه يزيد (مهلا مهلا لا تطش جهلا) فهي كانت تعرف باطن القرآن الكريم و تلاحظ الأسرار الكامنة فيه وكانت تقصد في كلامها  قوله تعالى (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا، وَأَكِيدُ كَيْدًا، فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ) فقد ورد في الحديث (عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام ‏ في قوله تعالى‏ إنهم يكيدون كيدا قال كادوا رسول الله (ص) و كادوا عليا (ع) و كادوا فاطمة (ع) فقال الله يا محمد إنهم يكيدون كيدا و أكيد كيدا فمهل الكافرين‏ يا محمد أمهلهم رويدا لو قد بعث‏ القائم‏ عجل الله فرجه فينتقم لي من الجبارين و الطواغيت من قريش و بني أمية و سائر الناس.) بحار الأنوار ج‏53 ؛ ص120 .

هذا هو نفس منطق أخيها الإمام الحسين عليه السلام حيث قال (مثلي‏ لا يبايع‏ مثله، و لكن نصبح و تصبحون، و ننظر و تنظرون أينا أحق بالخلافة و البيعة.) حيث يشير عليه السلام إلى ما سيحدث في المستقبل و بالتجديد في الرجعة .

وأمّا قولها عليها السلام (يوم ينادى المنادي ألا لعنة الله على الظالمين)  تريد أن تقول بأن بني أميّة هو الملعونون  وقد ورد حديث في قوله تعالى (لاعدوان الاعلى الظالمين) إلاعلى ذرية قتلة الحسين (عليه السلام).)وكذلك ( قال لايعتدى الله على احد الاعلى نسل ولد قتلة الحسين (ع).).

إبراهيم الأنصاري

مشهد المقدسة

26 محرم 1439


مدرارا 22 محرم 1439 هـ - الموافق 13 أكتوبر 2017

أشدّ جفافا من الأرض الذي لم ينزل عليه مطر السماء مدرارا هو جفاف النفس التي لم ترتوِ من الدموع الجارية على مصيبة سيد الشهداء عليه السلام الذي هو قتيل العبرة ، ولنعلم بأنّ جفاف العين هو نتيجة الإنيّة و الأنانية التي يسعى إبليس اللعين على تقويتها حيث يزيّن للناس أعمالهم ليروها جميلة فيعتريهم العُجب بها فلا يرون عيوبهم أبداً فيُترائى لهم وكأنّهم لا عيب فيهم فيُحرمهم من البكاء.

البكاء هو الذي يُصلح باطن الإنسان المذنب ، يستغفر ثمّ يتوب فيتطهّر من الإنيّة و الأنانية التي هي أصل جميع التلوثات الباطنية وكأنّ المطر قد نزل عليها فطهّرتها ، قال تعالى (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ..)(هود/52). والمدرار بمعني سقوط المطر متتابعاً بلا إضرار وهذا يعني أنّه ينزل حسب الحال فينقطع كي يشرب الأرض الماء الأول فينتظر ماءً آخر ، هكذا لابدّ أن تكون الدمعة على مصاب سيد الشهداء عليه السلام لتثمر البركات العظيمة التي لا تخطر على قلب أحد .

لم لا ! و في الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام (ماءُ زَمْزَم خَیْر ماءٍ عَلی وَجْهِ اْلأَرْض)  بحار الأنوار، ج99، ص243   ، فإن كان ماء زمزم ينبع من بيت الله الحرام المبني من الحجر الصمّ فإنّ الدمعة على شهيد كربلاء عليه السلام نابعة من حقيقة بيت الله وهو المؤمن ، قال الإمام الصادق عليه السلام (إنّ المؤمن أفضل حقّا من الكعبة) بل المعروف لدى أهل المعرفة أنّ (قَلْبُ الْمُؤْمِنِ عَرْشُ الرَّحْمَنِ) .

هذا ولابد أن تعلم أيّها الحبيب أنّ أفضل البكاء هو النابع من الحبّ ونتيجته هو مضاعفة الحبّ كالرياضة الناشئة من القوّة تزداد في قوة الجسد.

وكما أنّ للحراة دوراً في صعود الماء مرة أخرى ونزوله فكذلك حرارة القلب تكون سبباً في صعود الدمعة إلى السماء ومن ثمّ نزولها إلى الأرض ، ولذلك قال رسول الله (ع) :(إنَّ لِقَتْلِ الْحُسَیْنِ حَرَارَةٌ فِی قُلُوبِ الْمُؤْمِنِینَ لَنْ تَبْرُدَ أَبَداً ) مستدرک الوسائل، ج  10ص 318 ،  وربما ينتهي ماء المطر أمّا الدمعة على شهيد الطفّ لن تنتهي أبداً .

فالجدير أن تدمع العين قبل السلام على الحسين ، ورد في زيارته ( فإنْ خشع قلبكَ ودمعت عينك فهو علامة الاذن ثمّ ادخل وقُلاَلْحَمْدُ للهِ الْواحِدِ الْاَحَدِ الْفَرْدِ الصَّمَدِ الَّذي هَداني لِوِلايَتِكَ، وَخَصَّني بِزِيارَتِكَ، وَسَهَّلَ لي قَصْدَكَ((السَّلامُ عَلَیْکَ یَا صَرِیعَ الْعَبْرَةِ السَّاکِبَةِ ) (صَلِّ عَلَى الْحُسَیْنِ الْمَظْلُومِ الشَّهِیدِ قَتِیلِ الْعَبَرَاتِ)  وكلّنا سمعنا قول الإمام الرضا عليه السلام (يا بن شبيب! إن كنت باكياً لشيء فابك للحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام)

فليس هناك أسهل لخروج الدمعة من ذكر الإمام الحسين عليه السلام فلا تبخل أيّها العزيز وابك على الحسين المظلوم الشهيد الغريب العطشان  صباحاً و مساء وفقك الله و أيّانا لذلك .

إبراهيم الأنصاري

مشهد المقدّسة

الجمعة 23 محرم 1439

الساعة 8:30 مساء

 


كربلاء ساحة العشق 26 ذو الحجة 1438 هـ - الموافق 18 سبتمبر 2017

من الخطأ  أن نصور كربلاء أنّها ساحة حرب خشنة،  فأرض كربلاء كانت محلاً لاستعراض  العشاق المخلصين فقط،  فلا تسمع إلا هتافات: (أنا عاشق الحسين) و(حب الحسين أجنَّني) وهذه المواقف حرية بايجاد تغيير وانقلاب داخلي لمن يشاهد أولئك العشّاق، ولعلها من أشد الأمور تأثيراً في الانسان، لأن الانسان بفطرته يهوى العشق و ينجذب إلى العاشق ،  ولكن المشكلة فيما لو قسا القلب، فلو التقى قاسي القلب بالعاشق الواله  ولم يستطع مواجهة منطقه الجميل ، فيتمنى هلاكه بل ينتظره لأن يهوي على الأرض  ليقتله فيتخلص منه ، فهؤلاء الأعداء كانوا منعدمي الشعور، إذ كيف لانسان أن يرى انكسار عاشق ولا يتأثر لهذا المشهد بل ويجهز عليه فور سقوطه.  ولهذا  زادت المصائب في كربلاء  لأنّ الهمجي لا يتمكن من التسابق مع العاشق فلا يرى في نفسه بداً إلا أن يبعد العاشق عن الوجود كي تخلو له الساحة فيعمه في طغيانه ولكن هيهات ذلك !


جمال الشهادة ! 26 ذو الحجة 1438 هـ - الموافق 18 سبتمبر 2017

عقيلة بني هاشم لاحظت كيفيّة قتل أخيها وأولاده وأصحابه وذلك بيد أدنى الناس و أفسقهم أعني يزيد و أتباعه ، ومن ناحية أخرى هي العارفة المفسّرة للقرآن الكريم جعلت قوله تعالى (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)(آل عمران/169-170). وهي برؤيتها الثاقب و بعينها الملكوتية و بصيرتها في العوالم الأخرى رأت الرزق الحسن و المائدة العظيمة في مقعد صدق عند مليك مقتدر ! فيا ترى هل كان يتوقع منها أن تنطق بكلمة أخرى غير كلمتها التّى انتشر دوّيها في السماوات حيث قالت (ما رأيت إلا جميلا) فهل هناك جمال أعظم من الشهادة في سبيل الله جلّ جلاله والوصول إلى لقائه ؟ ومن هنا نشاهد أنّ أبا الأحرار أكّد على ذلك أكثر من مرّة وفي مواطن شتّى . ففي خطبته في مكّة المكرمة قال بعد الحمد والثناء (خُطَّ الْمَوْتُ عَلَى وُلْدِ آدَمَ مَخَطَّ الْقِلَادَةِ عَلَى جِيدِ الْفَتَاةِ وَ مَا أَوْلَهَنِي إِلَى أَسْلَافِي‏ اشْتِيَاقَ يَعْقُوبَ إِلَى يُوسُفَ) أنظر إلى جمال التعبير و لطافة البيان ! مضافاً إلى الشهادة في جمالها ، نفس لقاء الأسلاف وهم رسول الله صلى الله عليه وآله و فاطمة عليها السلام وأمير المؤمنين والإمام الحسن عليهما السلام هو أمرٌ عظيم لسيد الشهداء . زينب عليها السلام هذه السيّدة الجليلة التّي تربّت في هذه الحجور الطيبّة كيف لا تقول: (ما رأيت إلا جميلا ). 


إستجابة الدعاء تحت قبته 26 ذو الحجة 1438 هـ - الموافق 18 سبتمبر 2017

إستجابة الدعاء تحت قبته

قد ورد في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم  (إن الله خص ولدي الحسين -عليه السلام- بثلاث: الأئمة من ذريته، والشفاء في تربته، والدعاء مستجاب تحت قبته) . يا ترى ماذا يعني أنّ الدعاء مستجاب تحت قبّة الحسين عليه السلام فماذا عن سائر الأئمة عليهم السلام أليسوا هم نور واحد ؟ أقول: نعم هم نور واحد ولكن كثيرا ما يدعوا الإنسان بدعاء لا مصلحة فيه لنفسه وإن كان العبد يجهل بذلك فعسى أن تحبوا شيئاً و هو شرّ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون فبطبيعة الحال لا يستجاب الدعاء، ولكن هذه القاعدة مستثناة بخصوص الدعاء تحت قبة سيد الشهداء عليه السلام ، فهناك تنقلب الأمور حتى في مرحلة القضاء بحيث يتحوّل الشر إلى الخير ، وإنني سمعت من آيت الله العظمى السيد عبد الأعلى السبزواري ره أنّ الإستخارة تنحصر في الصلاة ركعتين تحت قبة الإمام الحسين عليه السلام ثم القول مأة مرّة (أستخير الله برحمته خيرة في عافية) وحينئذِ ينقلب الشر خيراً . وهذا من خصوصيات سيد الشهداء روحي فداه.

 


جنّة الحسين 26 ذو الحجة 1438 هـ - الموافق 18 سبتمبر 2017

سلسلة ألحقني بالصاحين (1) 

جنّة الإمام الحسين عليه السلام:

لو ننظر إلى واقعة الطف من منظور الاية 111 من سورة التوبة نعرف السرّ في هذا الزحف العظيم إلى كربلاء من أرجاء العالم رغم عدم وجود أي نوع من الرفاهية المادية الظاهرية هناك ، ورغم التهديد المستمرّ من قبل زمرة بني أمية !

إنّها قوله تعالى  (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ ...) فالتجارة مع الله بالأموال هي مقولةٌ حَسنيّة  والتجارة مع الله بالأنفس هي مقولةٌ حُسينية و كلاهما عليهما السلام إكتسبا الجنّة (بأن لهم الجنّة) و صارا سيدي شباب أهل الجنّة .

ولكن هل تظنّ أنّ هذه الجنّة تختص بيوم القيامة لا غير ؟ أقول : كلا ! يقول سبحانه : بأنّ لهم الجنّة أي فعلاً وفي هذه الدنيا ، كربلاء هي الجنّة بعينها التي عوّض بها الإمام الحسين عليه السلام ببذلِ نفسه و أنفسِ أحبته !  وجميع زوّاره يتوجّهون إلى الجنّة و هم يشعرون بذلك سواء علموا تفصيلا أو لم يعلموا ، يدخلون في الجنّة و يتنعمون بنعمها رغم أنّها غير ظاهرة ، يشربون فيها من كأس كان مزاجها كافورا ولكنّهم لا يشاهدونها فعلا ، و هذا هو الإصلاح بعينه الذي تحدّث عنه (إنّما خرجت لطلب الإصلاح ) فهو عليه السلام قد حقق الإصلاح في أمّة جدّه و أبيه من خلال خلق جنّةٍ للأمّة في هذه الدنيا ، فيا عاشق الحسين تصوّر لو كانت الدنيا من دون الإمام الحسين عليه السلام هل كان فيها لذّة قيد أنملة ؟ و لو لم تكن كربلاء في الأرض فما قيمة الأرض إذن ؟ ولأجل ذلك نشاهد أنّ الملائكة يحدقون بقبره كما في الزيارة(اَلسَّلامُ عَلَيْكُمْ يامَلائِكَةَ رَبِّي الْمُحْدِقينَ بِقَبْرِ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلام).

 


اللطم على الصدر 26 ذو الحجة 1438 هـ - الموافق 18 سبتمبر 2017

إنّ  آدم عليه السلام بعد هبوطه من جنّته رغم أنّه حاول التخلص من هذه المعظلة التي ابعدته عن تلك الروحانية وذلك بالبكاء المستمرّ والتضرّع  وطلب المغفرة من ربه طيلة ٣٠٠ سنة ، إلا أنه لم يتخلص من ذلك  إلا بعد أن فتح الله  له طريقاً إلى كلماته (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)(البقرة/٣٧) فعن ابن عباس، قال: سألت النبي (صلى الله عليه و آله) عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه؟ قال: «سأله بحق محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين إلا تبت علي، فتاب الله عليه» ولا شك أن للكلمة الأخيرة دوراً رئيساً في تحقّق التوبة ، و التلقي لا يعني مجرد السماع أو التلفظ  بل هو نوع من الحلول والنفوذ والإندماج الصيرورة التي تغيّر ماهية الشيء وتغيره تماماً .و هاهنا أقول: إنّ الله تعالى لم يترك أولاد آدم وذنوبهم الكثيرة من دون علاج لها بل فتح لهم باباً للتوبة يشبه باب أبيهم بل هو هو ، فمن ابتلى من أولاده بذنب ما لا بد وأن يطلب الغفران من ربّه بالبكاء و العويل ومن ثمّ بالإرتباط القلبي بالأئمة عليهم السلام بصورة عامّة و بالإمام الحسين عليه السلام بنحو خاص ، فيا ترى ما هو الأسلوب العملي الذي يجعلهم منسجمين قلباً بامامهم الشهيد؟إنّه هو البكاء لإمامهم الذي يحطّ الذنوب العظام و من ثمّ اللطم على صدورهم و هم يصرخون "يا حسين" إنّهم بذلك يحققون ما حققه أبوهم أدم عليه السلام حيث يُدخلون حبّ الإمام الحسين عليه السلام في قلوبهم وبذلك تمحى ذنوبهم ، ومن هنا أريد القول بأنّ اللطم على الصدر الذي في القلب هو الطريق الأمثل لتحقق التوبة ، فهو شعار و علاج وأمّا سائر الممارسات كاللطم على الرأس و الضرب على الرجل و بالسلسلة على الظهر فهي مجرّد شعارات دالة على تقوى القلوب ، وأمّا البدع فهي بعيدة عن هذه الساحة المقدّسة أعاذنا الله من شرّها.

 


ماذا تفتقد ؟ 26 ذو الحجة 1438 هـ - الموافق 18 سبتمبر 2017

كربلاء محل للمفقودات يقول سبحانه (أضاعوا الصلاة) أين أجد الصلاة ؟ في كربلاء، ضاع الحجاب تجده في كربلاء ، ضاعت شخصية المرأة المسلمة تجدها في كربلاء ، ضاع  الطفل تجده في كربلاء ، إذا كنت تبحث عن الشيخ الكبير فتجده في كربلاء وهو عابس ابن شبيب الشاكري  و حبيب ابن مظاهر الأسدي . حتى الغدير موجود هناك ! الشفاعة غفران الذنوب الوفاء الصدق الصبر الجمال الفن وووو كلها في أرض الطفوف , حتى لو افتقدت نفسك فاذهب إلى كربلاء لتعثر عليها.. وكذلك إذا تريد أن تعرف الخيانة والغدر وخلف الوعد والشيطنة والطمع و الكذب والإفتراء و كل أنواع الظلم تجده هناك في جيش عمر بن سعد ، والإمام الحسين عليه السلام حيث كان يعلم أن أنواع المصائب تنزل على الشيعة مستقبلا ، فتحمّلها كلها وهو قال لشيعته :  شيعتي مهما شربتم عذب ماء فائكروني أو سمعتم بقتيل أو جريح فاندبوني .


اللطم على الصدور 26 ذو الحجة 1438 هـ - الموافق 18 سبتمبر 2017

يقول أحد قادة الحرس الثوري : وقع هجوم على القوّات العراقية ، ولكن لم نحقق جميع الأهداف التي كنّا قد خطّطنا لها ، فذهبنا إلى زيارة الإمام الخميني (رضوان الله تعالى عليه) وشرحنا له المخطّط والنتائج ، فقال : أنتم في ليلة الهجوم على العدوّ قرأتم مصيبة سيّد الشهداء (عليه السّلام) ، وبكيتم على مصابه ، ولكن لِمَ لم تلطموا على صدوركم . في المرّة الاُخرى عليكم باللّطم على صدوركم حينما تستعدون للهجوم على الأعداء .