• عنواننا في التلغرام : https://telegram.me/al_kawthar الإيميل : alkawthar.com@gmail.com
  • اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا اَبا عَبْدِاللهِ وَعَلَى الاَْرْواحِ الَّتي حَلَّتْ بِفِنائِكَ عَلَيْكَ مِنّي سَلامُ اللهِ اَبَداً ما بَقيتُ وَبَقِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَلا جَعَلَهُ اللهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنّي لِزِيارَتِكُمْ ، اَلسَّلامُ عَلَى الْحُسَيْنِ وَعَلى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَعَلى اَوْلادِ الْحُسَيْنِ وَعَلى اَصْحابِ الْحُسَيْن ِ (اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه و على آبائه في هذه الساعة و في كل ساعة وليا و حافظا و قائدا و ناصرا و دليلا و عينا حتى تسكنه أرضك طوعا و تمتعه فيها طويلا)

تأدية حق الإمام : 10 صفر 1440 هـ - الموافق 21 أكتوبر 2018

من هو السائل ؟ هو الذي يحسّ بالفقر و الفاقة ولا يرى نفسه قادراً على سدّها فيتوجّه إلى الغني ، ليمنحه من غناه .

 الصحراء القاحلة بلسان حالها تطلب المطر لتخضر ، والإنسان الجائع  يطلب الطعام بنظره قبل قوله ، فلا يشترط أن يتكلّم السائل فيظهر ما في قلبه ، و الجدير أنّ الإنسان ربّما لا يمكنه الوصول إلى أمنيته بمجرد الدعاء و الطلب القولي فينبغي حينئذِ أن يترجم دعائه بعمله كما فعلت هاجر في الوادي غير ذي زرع حيث تركهما إبراهيم بأمر من الله في ذلك الوادي القفر و حين نفد ما معهما من زاد وماء، جهدت وأتعبها البحث ساعية بين الصفا والمروة  حتى كان مشيها بينهما سبع مرات، فاستجاب الله دعائها حيث رجعت إلى ابنها فسمعت صوتًا؛ فضرب جبريل الأرض؛ فظهر الماء فشربت ودرت على ابنها .

على ضوئه أقول : كم دعونا بهذا الدعاء الوارد في آخر الندبة:

(وَ أَعِنَّا عَلَى تَأْدِيَةِ حُقُوقِهِ إِلَيْهِ، وَ الِاجْتِهَادِ فِي طَاعَتِهِ، وَ اجْتِنَابِ مَعْصِيَتِهِ، وَ امْنُنْ‏ عَلَيْنَا بِرِضَاهُ‏، وَ هَبْ لَنَا رَأْفَتَهُ وَ رَحْمَتَهُ، وَ دُعَاءَهُ وَ خَيْرَهُ، مَا نَنَالُ بِهِ سَعَةً مِنْ رَحْمَتِكَ، وَ فَوْزاً عِنْدَكَ)

يا ترى هل كان يجدي هذا الدعاء بمجردّ القول ، ولو كانت نيّة الداعي متعالية و إخلاصه رفيع ! لا أظّن أنّ أحداً يتجرأ أن يدّعي أنّه قد أدّى حقوق الإمام الحجّة عجل الله فرجه وفاز بذلك فوزاً عظيما .

ولكن مسيرة الأربعين بما فيها من تجليات ربّانية و انجذاب روحاني و نور ملكوتي قد ترجت تلك الأمنية العظيمة فرأت النور بعد ما كانت خافية في غياهب الظلام ، فيا لها من نعمة عظيمة قد تحقّق فيها تلك الطلبات الثمانية وبالنتيجة الفوز العظيم .

والأهم من ذلك هو الطلب الأوّل الذي قد تحقق قطعا من خلال زيارة الإمام الحسين عليه السلام كما يؤكدّ عليه الحديث التالي:

)‏ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ حَقَّ رَسُولِ اللَّهِ ص- وَ حَقَّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ حَقَ‏ فَاطِمَةَ ع- فَلْيَزُرِ الْحُسَيْنَ عليه السلام يَوْمَ عَاشُورَاءَ(  وسائل الشيعة ؛ ج‏14 ؛ ص477

 

 

 


الدعوة إلى الخير : 08 صفر 1440 هـ - الموافق 19 أكتوبر 2018

(الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ)(الحج/41).

هي أربعة خصال رئيسة في دولة الإمام المهدي عجّل الله فرجه بعد أن تستقرّ الأمور كما هو مستفاد من ظاهر الآية المباركة، يعززها رواية زيد بن علي عليه السلام (إذا قام القائم من آل محمد صلى الله عليه وآله يقول:  يا أيها الناس نحن الذين وعدكم الله في كتابه (الذين إن مكناهم في الارض أقاموا الصلوة وآتوا الزكوة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الامور)

وكلّ واحدة من هذه الأعمال لها دور رئيس في تعالي المجتمع المهدوي إلى القرب الإلهي و الكمال المطلوب .

فالصلاة من أجل الشكر لتتزايد النعم الفردية و الاجتماعية و حتّى للحصول على الرزق الإلهي من الأكل و الشرب ولذلك قال جلّ و علا (... كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ)(آل عمران/37).

والزكاة هي البركة والطّهارة والنّماء والصلّاح‏ ‏(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) [التوبة:103 ففي الدولة المباركة يتبادل المؤمنون الصفات الحسنة فيرتقوا إلى أن يصلوا إلى الجنّة (فروح و ريحان وجنّة نعيم).

والأمر بالمعروف  ليس هو بالقول بل بالفعل بحيث أن ّ المؤمن بفعله الحسن و شوقه إلى الخيرات و المستحبّات يدعوا إلى الخير ومن ثمّ يتحقق الأمر بالمعروف و كذلك النهي عن المنكر و هو عدم الميول إلى الذنوب بل و حتّى المكروهات وبذلك تتحقق مصداقية قوله تعالى (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)(آل عمران/104).

هذه الصفات نشاهدها في طريق كربلاء رأي العين ، نشاهد تبادل الخير و الصفات بين المؤمنين و الدعوة إلى الله بالعمل لا اللسان و تشجيع الناس إلى المعروف و ابعادهم عن المنكر ، وبذلك يرتقي كلّ من هو في هذا الطريق شاء أم أبى ، و يتعالى إلى السماء وينتشر (الودّ) بين المؤمنين (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَانُ وُدًّا)(مريم/96). ، الودّ الذي ينبع من قربى الرسول صلى الله عليه و آله (ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ)(الشورى/23). يا ترى لولا الأربعين هل كان هناك مصداق للآيتين ..

أيّها العزيز : فلا تترك المشيء إلى حرم سيد الشهداء فإنّ تركه خسارة لا يمكن أن تجبر .

إبراهيم الأنصاري

9 صفر 1440

الساعة العاشرة و النصف صباحا

البحرين – جبلة حبشي


المنصور على من اعتدى عليه: 08 صفر 1440 هـ - الموافق 19 أكتوبر 2018

لا شك أنّ الحادثة ا العظيمة المليونية في أرض العراق قبل العشرين من صفر ليست مجرد أمرٍ أراده الناس فتحقّق! بل ورائها يدٌ غيبيّة تقول للشيء كن فيكون.

ولكن يا ترى لماذا حدثت في هذا الزمن بالتحديد؟ وأي إنسان إلهيٍّ يُسيّرها ويديرها بهذه الدقّة و الحكمة و الحذاقة و الجمال.

لا شكّ بأنّها تنطلق من أحد المعصومين عليهم السلام، فمن هو ذاك؟ هل الإمام الحسين عليه السلام أم الإمام الحجّة عجلّ الله فرجه أم غيرهما.

أقول : بما أنّ للأربعين نوراً قد شرع في الانتشار و التوّسع وهو مستمرّ في ذلك ، فهو إذن ليس بنور أئمّة أهل البيت عليهم السلام المُشرق دائماً و أبداً (وأشرقت الأرض بنوركم) بل هو نور ملكوتي ما وراء الستار يشعّ على المؤمنين  في أيام و ليال محدّدة من أهمّها ليلة القدر، ولكن هذه المرّة قد أسفر هذا النور الأبلج في أيام معدودة تتزايد في كلّ عام، أصلها تتوقّد في يوم الأربعين وفرعها تنتشر قبل وبعد الأربعين، وأيضاً في أراضي محددّة تتوسّع كلّ عام مركزها كربلاء المقدّسة وفروعها بعض بلاد الإسلام كالشرق الأوسط ، و هي بسرعة النور! في حال التوسعة و الشمولية و الانتشار لتصل إلى أقصى بلاد الكفر كأمريكا و الصين وروسيا ! وستشاهد قريباً جميع العالم قد انقلب إلى كربلاء (كلّ أرض كربلاء).

إنّه نور الصديقة الطاهرة الحوراء الإنسية المنصورة في السماء و في الأرض فاطمة الزهراء سلام الله عليها فهي الكوكب الدريّ!

ولكن لو أردنا أن ندقّق النظر إلى هذا النور اللطيف الذي هو رَوح و ريحان وجنّة نعيم! وأن نتعرّف على معدنه لوصلنا إلى أنّه ينبع من اسم (المنصورة) و ذلك من أجل ظهور ابنها (المنصور) مهدي آل محمّد عجّل الله فرجه ، فهو وليّ دم جدّه سيد الشهداء عليه السلام ، قال تعالى: ( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا)(الإسراء/33).

ففي تفسير البرهان نقلا عن كامل الزيارات وعيون أخبار الرضا وتفسير القمي أحاديث مفصلة عن الباقر والصادق و الرضا عليهم السلام تؤكّد ذلك، نشير إلى بعض المقاطع منها فعن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله عز و جل: وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً.. الخ، قال: (نزلت في قتل الحسين (عليه السلام).

وعن الصادق عليه السلام قال: (ذلك قائم آل محمد (عليه وعليهم السلام)، يخرج فيقتل بدم الحسين (عليه السلام)، فلو قتل أهل الأرض لم يكن مسرفا الخ.)

و قال الإمام الرضا عليه السلام :( وإنما يقتلهم القائم (عليه السلام) إذا خرج، لرضاهم بفعل آبائهم..).

إبراهيم الأنصاري

9 صفر 1440

الساعة السادسة و الربع صباحاً

البحرين – جبلة حبشي

 

 

 


الرجل كل الرجل ! 03 صفر 1440 هـ - الموافق 14 أكتوبر 2018

كم فرق بين المرضعة الحاضنة  و بين الأم الحنون ، فهي ترضع الطفل من أجل الحصول على شيء من المال ، و لكن الأم رضاعتها تختلف تماماً هي تعشق ولدها فترضعه حبّا له ومن المستحيل أن يصدر منها شيء يتنافى مع مصلحة الطفل ، فالأم تصرفاتها تنبع من القلب الذي هو مليء بالعشق ، وهذا النمط من الأفعال هي ذات أصول و جذورو كما هو مصطلح في زماننا (ماركة) تكون جميلة حقيقةلا تُقيّم بالقيم الدنيوية أبداً ، بخلاف تلك فهي تجارية بما للكلمة من معنى (غير مسجلة) لا  أصالة لها و لا هويّة .

كيف يمكن تمييز الأصيل من غير الأصيل في الأفعال الملكوتية المعنوية ؟

الأصيل هو الذي ينادي بأعلى صوته (أنا أصيل) من خلال الآثار الناتجة و النتائج الحاصلة.

هذا الأمر جار في تقييم الأعمال العبادية ، فكمال الأخلاص يعني أن ينبع العمل من منطلق الحبّ لا غير وهذا ما يسمّى بعبادة الأحرار ، فقلب الحرّ غير متعلق بشيء سوى الله تعالى وهو في أتمّ الإستعداد لتضحية نفسه وماله في سبيل المعشوق . جاء في زيارة الإمام الحسين عليه السلام (و بذل مهجته فيك ليستنقذ عبادك‏ من الجهالة و حيرة الضلالة).  وصفة عاشق الإمام الحسين عليه السلام هو ما ذكره سيد الشهداء (من كان فينا باذلا مهجته‏، موطنا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا) هنا لا قيمة لأعزّ الأشياء في قبال المعشوق (بأبي‏ أنت‏ و أمي‏ و أهلي‏ و ولدي يا ابن رسول الله‏) و أثر ذلك هو أنّ العاشق ينطلق إلى زيارة المعشوق راجلاً إنطلاقا جنونياً وكأنّ الإختيار قد سُلب منه وهو في قمّة الوعي ، يتألّم ولا يحسّ بالألم لا في بداية الطريق ولا في نهايته، بل ذلك يزيد في عزمه و حماسه فيعيش في السنة المقبلة من أجل الأربعين ! فحقيق لأن يطلق على هذا الإنسان (الرجل كل الرجل ) في قبال المكبّ على وجهه ! قال تعالى : (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)(الملك/22). فتأمّل و لا تغفل .

إبراهيم الأنصاري البحراني

مشهد المقدّسة

3 صفر المظفر 1440

 

 

 


قانون الإعتزال 02 صفر 1440 هـ - الموافق 13 أكتوبر 2018

هو قانون إلهي قد أكد عليه القرآن الكريم في مواطن عديدة وبيّن آثارها و نتائجها الإيجابية قال تعالى (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاَّ جَعَلْنَا نَبِيًّا)(مريم/49). وأيضاً بالنسبة إلى أصحاب الكهف (وَإِذْ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا)(الكهف/16).

وأمّا ما يتعلق بمريم عليها السلام فبينها بكلمة أخرى و هي (النبذ) فقال (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذْ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا)(مريم/16).

وهذا القانون القطعي الإلهي قد تجسّد في عدد من العبادات التي تبني شخصية الإنسان المؤمن ، مثل حجّ بيت الله الحرم ، خصوصاً موقف عرفة و المشعر وأيضاً الإعتكاف ثلاثاًً هو من مصاديق الإعتزال .

وفي هذا المجال هناك توصيات من العرفاء الربانيين بأن يبتعد الإنسان عن مظاهر الدنيا مدة أربعين يوماً ليتنعم بالنعم الإلهية،  وفي كتاب مصباح الشريعة خصص باب وهو الباب الخامس و الأربعون للعزلة ومن الأحاديث التي ذكرت هناك هو ما ورد عن الإمام  الصادق عليه السلام (ما من نبي و لا وصي إلا و اختار العزلة في زمانه إما في ابتدائه و إما في انتهائه‏) مصباح الشريعة، ص: 100

وأيضاً قد ورد عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (ما أخلص‏ عبد الإيمان بالله أربعين‏ يوما - إلا زهده‏ الله عز و جل في الدنيا، و بصره داءها و دواءها، و أثبت‏ الحكمة في قلبه، و أنطق بها لسانه) .

هذا وأيّ عزلة أعظم من الهجرة إلى الوادي المقدس في أرض كربلاء مشياً على الأقدام بقصد لقاء المولى ، فكلّ لحظة منها تُعادل أربعين يوماً من حيث بناء الشخصية الروحانية و الرقي إلى عالم المعنى ، ولا تشكّ أيها المحبّ أنّ هذا هو سرّ الأربعين فشدّ حزامك و انطلق مع العشاق نحو العروج سيراً على الأقدام فهي فرصة إضاعتُها سوف يورث الندم في الدارين .

مشهد المقدسّة

إبراهيم الأنصاري البحراني

2 صفر المظفر 1440

 


أروع حماس بالإطلاق : 22 محرم 1440 هـ - الموافق 03 أكتوبر 2018

بما أنّ الأنبياء بأجسادهم قبل الواقعة و أيضا بأرواحهم حين الواقعة وبعدها قد حضروا لزيارة كربلاء المقدّسة ، فهناك مهام مشتركة بينهم و أيضاً كلّ نبي له مهمّة تختص به حسب التكليف الإلهي فآدم عليه السلام بالتأكيد تختلف نظرته في كربلاء عن النبي نوح عليه السلام ، لأنّ آدم قد تخلّص من معظلة عظيمة ببركة اسم الإمام الحسين عليه الإسلام حينما نطق به و قال (يا قديم الإحسان بحقّ الحسين) وهكذا كلّ من الأنبياء و الرسل حسب ارتباطهم به عليه السلام .

ومن ناحية أخرى جميع الملائكة تريد أن تتعرف على فلسفة خلق الإنسان وكانت تنتظر الجواب الميداني من الله سبحانه حيث قال (إنّي أعلم ما لا تعلمون) وكانت تترصد الحوادث و تتخلل صفوف الأنبياء كي تعثر على الجواب المناسب للغز الخلق  به تتخلص من الإنتظار الصعب ! و لكن لم تعثر على جواب يشفي الغليل حيث شاهدت الأمم الظالمة التي كانت تحارب الرسل وتقتلهم وبالنتيجة يأتيهم العذاب الإلهي فيهلكهم كما فعل بقوم نوح و عاد و ثمود.

لم تخرج تلك الحوادث جملة و تفصيلا ، رغم تراكمها ، من ذاكرة الملائكة،  ولكن رغم ذلك بقيت حادثة واحدة من بين الحوادث تحتل الصدر و هي ما تختص بالنبي داوود ، (..َقالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ ...)(البقرة/249). فهنا لم يخرج جنوده من هذا الإبتلاء سالمين بل منكسي الرؤوس :  لأنّهم شربوا أكثر من غرفة . ربّما كانت بالفعل مهمّةٌ قد كلّف بها طالوت وهو قائد جيش داوود المَلك عليه السلام، لها علاقة بالمستقبل حيث يتحقق هذا الإبتلاء في صورته الأصعب بنهر الفرات .

هذا : فلنذهب إلى كربلاء في ليلة عاشوراء و نركّز على ما حدث هناك ، لا شك أنّه لم يطلق على العباس (أبو الفضل)  إلا لأنّه يمتلك أعلى الفضائل الربانية ، التي من أهمّها ما وصفه بها الإمام السجاد حيث قال :( كان عمّي العباس بن علي عليه السلام نافذ البصيرة صلب الإيمان) ولذلك كان هو بواب الإمام الحسين عليه السلام يستقبل ببصره الأشخاص القادمين لنصرة الإمام كحبيب بن مظاهر و الحرّ وغيرهم ويرحّب بارواح  الصالحين ببصيرته النافذة .

وبما أن الرسل هم أصحاب الفضائل (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) كانوا يشاهدون أبا الفضل بعين برزخية وهم معجبون به ، وهو عليه السلام يستقبل الضيوف نيابة عن المَلك أعني الإمام الحسين عليه السلام ، فلنتصور أبا فضل وهو يستقبل مائة و أربعة عشر ألف نبيٍّ بما فيهم الرسل مضافاً إلى نفس العدد من أوصياء الأنبياء، و المحسنين و الصالحين و الشهداء وكذلك من هم كانوا في عالم الأرواح و لم يولدوا بعد ، فيا له من جمع غفير اجتمع في عرصة كربلاء!

كلّهم توجّهوا نحو الفرات ليشاهدوا الصورة الجميلة للإنسان الكامل الذي يباهي به الله سبحانه ، فالعباس بما هو تربية المدرسة الحسينيّة قد وصل إلى ذروة الكمال و أدرك منتهى الرفعة فهو أعظم بطل بعد الإمام الحسين عليه السلام وكأنّي به يرتجز ويقول (إنّي أنا العباس أغدوا بالسقا) ليُسمع هذا الجمع فيعرفوه أنّه ساقي العطاشا و صاحب الراية و حامي الحرم النبوي . فكل بيت من تلك الأبيات تشير إلى صفاته و كمالاته و مواقفه العظيمة .

شفتا العباس جافتان كالخشبة وقد اقتحم الفرات بفرسه المطهم  فهل سيشرب الماء أم لا ؟ هذا هو النقاش الدائر بين هذا الجمع من الملائكة و الأرواح !

فإذا به قد اختفي عن ناظرهم ، فهو بعد قتال عنيف قد سيطر على الفرات! لا يتواجد أحد حواليه أبداً وبقي هو و فرسُه وقِربتُه، يا لها من عظمة ويا له من مواساة لا يُصدّق ! إنّه لم يشرب ، إنّه ذكر عطش الحسين عليه السلام (السلام عليك أيّها العطشان) .

 وكأنّي به يُنادى من أعلى السماء بصوت حزين في غاية العطوفة و الحنان ، أشكرك يا بُنيَّ ، أنت ساقي أطفال فلذة كبدي ونور عيني الحسين ، وكأنّي به رفع رأسه جهة ذلك الصوت فإذا بسيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام تشكره ، لم لا ؟ وقد حقّق إنجازاً عظيماً لا مثيل له ، هنا انحل اللغز و تفككت العقدة وظهر السرّ في خلق الإنسان و عرف الملائكة معنى قوله تعالى (إنّي أعلم ما لا تعلمون ) وعلى ضوئه  تعرف السر فيما ورد في بداية زيارته الخاصة التي نقلها أبو حمزة الثمالي  عن الصادق عليه السلام ( سلام‏ الله‏ و سلام‏ ملائكته‏ المقربين و أنبيائه المرسلين و عباده الصالحين و جميع الشهداء و الصديقين و الزاكيات الطيبات فيما تغتدي و تروح عليك يا ابن أمير المؤمنين ) كامل الزيارات، النص، ص: 257

كما أنّك  تعرف مدى أهميّة كلام الإمام زين العابدين عليه السلام (وَ إِنَّ لِلْعَبَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى مَنْزِلَةً يَغْبِطُهُ بِهَا جَمِيعُ الشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . الأمالي( للصدوق)، ص: 463

إبراهيم الأنصاري البحراني

مشهد المقدسة

23 محرم 1440


ضجّت الملائكة: 22 محرم 1440 هـ - الموافق 03 أكتوبر 2018

الأحاديث من الفريقين تؤكد أنّ عددا من الأنبياء منهم أولوا العزم من الرسل قد زاروا أرض كربلاء بأجسادهم قبل حدوث الواقعة بآلاف السنين ؟ فلا شكّ أنّ أرواحهم أيضاً كانت حين الواقعة متواجدة هناك ، كما أنّهم بأرواحهم يزوروا الإمام الحسين عليه السلام غداةً و رواحاً،  فقبره عليه السلام هو مختلف الأرواح الطيّبة .

وكذلك الملائكة سواء المقربون أو الموكلون تواجدوا حين ذاك و يختلفون عند قبره عليه السلام كما أنّ مؤمني الجنّ لم تَفتهم هذه النعمة العظيمة ، فبالنتيجة كربلاء كانت و لا زالت مليئة بأرواح الطيبين من النبيين والصديقين والشهداء و الصالحين والملائكة والجنّ .

هذا ولكن الجدير بالذكر أنّ طائفين من المخلوقات رغم تواجدهم حين الواقعة لم يكن لهم دور في القتال معه عليه السلام رغم قوتهم ، اللهم إلا التأييد و النصر بالتشجيع ، وهما : (الملائكة ، والجنّ) والسبب يرجع إلى موقف هذين المخلوقين .

أمّا الملائكة : فالسبب يكمن في موقفهم غير المدروس في قبال قوله تعالى لهم (...إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً...) حيث قالوا (... أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) وهذا الكلام يضمن  نوعا من التعجّب الذي لم يتوقع منهم وهم (..عِبَادٌ مُكْرَمُونَ، لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ)(الأنبياء/26،27). فشرعوا بالإنتظار عندما أجابهم سبحانه فقال (... إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)(البقرة/30).

فرغم وجود الإفساد في الأرض وسفك الدماء هناك أسرار وراء خلق الإنسان لا يعلمها إلا الله تعالى ، هذا ما جعل الملائكة في حيرة من أمرهم ولذلك ورد في الحديث (عن أبي عبد الله عليه السلام (... لما قال للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ضجت‏ الملائكة من ذلك و قالوا يا رب إن كنت لا بد جاعلا في الأرض خليفة فاجعله منا ممن يعمل في خلقك بطاعتك فردّ عليهم‏ إني أعلم ما لا تعلمون‏ ..الخ). والجدير بالذكر أنّ الملائكة أيضا ضجّت حينما قتل الحسين عليه السلام (قال أبو عبد الله ع‏ لما كان من أمر الحسين عليه السلام ما كان ضجّت‏ الملائكة إلى الله بالبكاء و قالت يفعل هذا بالحسين صفيك و ابن نبيك قال فأقام الله لهم ظل القائم عجل الله فرجه و قال بهذا أنتقم لهذا) الكافي ؛ ج‏1 ؛ ص465

ولكن هل كانت لديهم حيلة للحيلولة دون حدوث الواقعة ؟ كلا ! بل عندما جاؤوا لنصرة الحسين رأوه مقتولا صريعاً  كما في حديث الرَّيَّانِ بْنِ شَبِيبٍ  الطويل ( عن الرِّضَا عليه السلام ...وَ لَقَدْ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ لِنَصْرِهِ فَوَجَدُوهُ قَدْ قُتِلَ فَهُمْ عِنْدَ قَبْرِهِ شُعْثٌ غُبْرٌ إِلَى أَنْ يَقُومَ الْقَائِمُ فَيَكُونُونَ مِنْ أَنْصَارِهِ وَ شِعَارُهُمْ يَا لَثَارَاتِ الْحُسَيْنِ)

ولكن لا يخفى عليك أنّهم لا ينصرون الإمام الحجّة عجل الله فرجه بالقتال،  بل بالتأييد و إيجاد الرعب في قلوب الأعداء . كلّ ذلك لأنّهم قالوا (أتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء)

وأمّا مؤمنوا الجنّ : فأمرهم أصعب حيث يترأسهم إبليس اللعين كُرهاً كما يشير لذلك سبحانه باشارة لطيفة  في قوله (وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا)(الجن/4). فهم لا يعترفون في قيادته رغم اعترافهم أنّه منهم (سفِيهنا)! وكأنّه سبحانه يريد منهم أن يقضوا عليه ليتخلص البشر من شرّه و لم يفعلوا! ولذلك هم جاؤوا لنصرة الحسين عليه السلام كما في الحديث  ( أن الحسين لما كان في موقف كربلاء، أتته أفواج من الجن‏ الطيارة، و قالوا له: (يا حسين) نحن أنصارك فمُرنا بما تشاء، فلو أمرتنا بقتل (كل) عدو لكم لفعلنا. فجزاهم خيرا) (وعن أبي عبد الله جعفر الصادق (عليه السلام) قال: لما سار أبو عبد الله الحسين (صلوات الله عليه و آله) من المدينة تكنفه أفواج الملائكة المسومين و المردفين في أيديهم الحراب على نجب من نجب الجنة فسلموا عليه و قالوا: يا حجة الله على خلقه بعد جده و أبيه و أخيه إن الله قد أمدّك بنا فقال لهم: الموعد حضرتي و بقعتي التي أستشهد بها في كربلاء فإذا وردتها فأتوني فقالوا يا حجة الله إن الله أمرنا أن نسمع لك و نطيع فهل تخشى من عدو يلقاك فنكون معك فقال لا سبيل لهم علي و لا يلقوني بكريهة حتى أصل إلى بقعتي و أتاه أفراخ من مؤمني الجن‏ فقالوا له: يا مولانا نحن شيعتك و أنصارك مرنا بأمرك فإن أمرتنا نقتل كل عدو لك و أنت مكانك لكفيناك ذلك فجزاهم خيرا و قال لهم: أ ما قرأتم كتاب الله المنزل على نبيه المرسل قوله تعالى: قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم‏ فإذا أقمت مكاني فبما ذا يمتحن‏ الله هذا الخلق المنكوس و إنما يحشرون إلى النار و أما من يكون حضرتي بكربلاء التي اختارها الله لي دون الأرض و جعلها معقلا لشيعتنا و محبيهم و يقبل فيها أعمالهم و يشكر الله سعيهم و تكون لهم أمانا في الدنيا و الآخرة هلك عن بينة و يحيى من حي عن بينة.) الهداية الكبرى ؛ ص206 -207

كأنّه عليه السلام أراد إبعادهم من دون أن يذكر لهم السبب الحقيقي المتعلق بهم ، فاستند إلى موضوع القضاء و القدر ! هذا ما نلاحظه في كثير من كلمات شهيد الطف سواء بين الطريق أو في كربلاء .

هذا و الإمام السجاد يقول في خطبتة الإمام زين العابدين عليه السلام  (أنا ابن من بكت عليه ملائكة السماء أنا ابن من ناحت عليه الجن‏ في الأرض و الطير في الهواء ) مناقب آل أبي طالب (لابن شهرآشوب)، ج‏4، ص: 169

مشهد المقدّسة

العبد

إبراهيم الأنصاري البحراني

23 محرّم 1440

الساعة 11 صباحاً .


أبعاد الواقعة : 22 محرم 1440 هـ - الموافق 03 أكتوبر 2018

إنّ لواقعة عاشوراء أبعاد أربعة:

البعد الأوّل هو البعد الظاهري الدنيوي فكان هناك صراع ظاهري بين جيشين ، هاشمي و أموي و حدث ما حدث من الظلم و الطغيان و القتل و السلب ما أبكت جميع الكائنات .

البعد الثاني هو في عالم الذر ، فجميع المؤمنين من الناس كانوا وهم في ذلك العالم يرغبون أن يتواجدوا في كربلاء كي يدافعوا عن إمامهم فلا شك بأنّ عالم الذر له إشراف كامل على الدنيا كما ثبت في محلّه ، ولذلك نقول (يا ليتنا كنت معكم فنفوز فوزاً عظيماً) هذا لسان قلب المؤمن حقاً بلا مبالغة أو كذب و حاشا للإمام أن لا يجيبك ، فمتى سيجيبك ؟ في  الرجعة إن شاء الله فتكون من جملة أنصاره المنتصرين له المستشهدين بين يديه. كما أنّك عندما كنت في ذلك العالم قد شاهدت قلوب طرفي الصراع وصفاتهما ونواياهما وحالاتهما، لأنّ الأرواح لا ترى الإ الصفات الباطنية الروحية من دون الأجساد ، وأنت عندما كنت روحاً متواجداً في ذلك العالم أعني عالم الذر رأيت الصفات السبعية في جيش عمر بن سعد هي نفسها التي صرّح بها سيد الشهداء حيث قال : (كَأَنِّي بِأَوْصَالِي يَتَقَطَّعُهَا عُسْلانُ الْفَلَوَاتِ بين النواويس و كربلاء).

والجدير بالذكر أنكّ تقول في الزيارة الرجبية و الشعبانية مخاطباً سيد الشهداء عليه السلام (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ عَدَدَ مَا فِي عِلْمِ اللَّهِ لَبَّيْكَ دَاعِيَ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَمْ يُجِبْكَ بَدَنِي عِنْدَ اسْتِغَاثَتِكَ وَ لِسَانِي عِنْدَ اسْتِنْصَارِكَ فَقَدْ أَجَابَكَ قَلْبِي وَ سَمْعِي وَ بَصَرِي سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا ) هذا أدّل دليل على أنكّ كنت حاضرا في الواقعة و شاهداً عليها و أيضا في زيارة أخرى تقول (أَتَيْتُكَ مُجَدِّداً اَلْمِيثَاقَ فَاشْهَدْ لِي عِنْدَ رَبِّكَ أَنَّكَ أَنْتَ اَلشَّاهِدُ ) كلّ ذلك دال على أنّك قد عاهدت إمامك في عالم الميثاق بأنّك معه لا مع غيره وجأت لزيارته لتجديد الميثاق .

والأرواح الخبيثة خصوصاً بنو أميّة أيضاً كانوا حاضرين في عرصة كربلاء يشجعون الجيش الأموي ، وهذا هو من الأسباب التي جعلتنا نلعن السابقين و اللاحقين جيلا بعد جيل إلى يوم القيامة ( اللهم العن بني أميّة قاطبة).

البعد الثالث: هو الجانب البرزخي ، فجميع الأرواح من الأنبياء و الصالحين التّي ماتت قبل واقعة الطف و انتقلت إلى الجسم البرزخي قد تواجدوا في عرصات كربلاء ولم تفتهم تلك الفاجعة العظمى لأنّهم كانوا مشتاقين إلى الوصول إلى أرض كربلاء قبل الحادثة فكيف لا يأتون ولديهم الحريّة الكاملة في الإنتقال .

البعد الرابع : جنّة كربلاء : رسول الله و هو في الجنّة كان يشاهد ابنه الإمام الحسين و أولاده و أصحابه كيف يدافعون عن حريم الإسلام ، كما أنّ مهمّته في الجنّة كانت السقاء أعني إرواء عطش الإمام الحسين و ابنه علي الأكبر و ربّما سائر الشهداء ومن أجل ذلك أقول: أن أشبه الناس بالرسول علي الأكبر لم يسقط على الأرض ، بل سقط في حضن جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله ، ولذلك قال :(أبتاه هذا جدي رسول الله صلى الله عليه و آله قد سقاني بكأسه الأوفى شربة لا أظمأ بعدها أبدا و هو يقول العجل العجل فإن لك كأسا مذخورة حتى تشربها الساعة).

كما أنّه عندما أخذ الإمام الحسين الطفل إلى الميدان و هو عطشان خاطبهم

 (يا قَومِ ، إن لَم تَرحَموني فَارحَموا هذَا الطِّفلَ، فَرَماهُ رَجُلٌ مِنهُم بِسَهمٍ فَذَبَحَهُ، فَجَعَلَ الحُسَينُ عليه السلام يَبكي ويَقولُ: اللّهُمَّ احكُم بَينَنا وبَينَ قَومٍ دَعَونا لِيَنصُرونا فَقَتَلونا. فَنودِيَ مِنَ الهَوا: دَعهُ يا حُسَينُ؛ فَإِنَّ لَهُ مُرضِعاً فِي الجَنَّةِ.) تذكرة الخواص، سبط این جوزی، ص ٢٥٢

فالمرضع في الجنّة كأنّها كانت تنتظر الطفل لترضعه !

وأمّا الإمام الحسين عليه السلام فسقط في حضن أمّه السيدة الرضية المرضية ، وجاء الخطاب من الله سبحانه (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي )(الفجر27-30).

مشهد المقدسة

22 محرّم 1440

إبراهيم الأنصاري البحراني

 

 


باذلا مهجته : 22 محرم 1440 هـ - الموافق 03 أكتوبر 2018

كم هو جميل هذا الحديث الذي نقله العارف الفذّ  ملامحسن الفیض الکاشانی وهو من الأحاديث القدسية الإلهيّة :

(مَن طَلَبَنی وَجَدَنی، مَن وَجَدَنی عَرَفَنی وَ مَن عَرَفَنی اَحَبَّنی وَ مَن اَحَبَّنی عَشَقَنی وَ مَن عَشَقَنی عَشَقتَهُ وَ مَن عَشَقَتَهُ قَتَلتَهُ وَ مَن قَتَلتَهُ فَعَلی دِیَتَهُ وَ مَن عَلی دِیَتَهُ فَاِنّا دِیَتُهُ.)

*وقد تطرّق الحديث إلى المراحل السبعة التّي ينبغي أن يجتازها العارف بالله وهي :  1ـ الطلب 2ـ الوجدان 3ـ المعرفة 4ـ المحبة 5ـ العشق 6ـ الشهادة 7ـ الفناء.

فالهدف الأسمى هو لقاء الله الذي يتمّ من خلال الشهادة في سبيل الله تعالى ، ولذلك قال الإمام الحسين في خطبته (من كان فينا باذلا مهجته‏ موطنا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا فإني راحل مصبحا إن شاء الله) بحار الأنوار ج‏44 ؛ ص367

يقول جلال الدين الرومي في قصيدته العرفانية الجميلة (حیلت رها کن عاشقا دیوانه شو دیوانه شو) أترك عنك الحِِيّل أيّها العاشق و كن مجنونا( و اندر دل آتش درآ پروانه شو پروانه شو) ثمّ اخرج من النار و كن فراشة تطوف حول النار ( هم خویش را بیگانه کن هم خانه را ویرانه کن) إنس نفسك و خرّب بيتك ( آنگه بیا با عاشقان هم خانه شو هم خانه شو) ثمّ تعال اسكن مع العشاق .

هذا يعني بذل النفس في سبيل المعشوق ، وهكذا كان أنصار أبي عبد الله الحسين عليه السلام وصلوا إلى مستوى من الفناء بحيث أنّهم كانوا يشعرون بالسرور فكانوا يتسابقون إلى الشهادة (عن أبي جعفر عليه السلام قال: "قال الحسين عليه السلام لأصحابه قبل أن يقتل: إنّ رسول الله صلى الله عليه و آله قال لي: يا بنيّ, إنّك ستساق إلى العراق، وهي أرض قد التقى بها النبيّون وأوصياء النبيّين، وهي أرض تدعى عمورا، وإنّك تستشهد بها ويستشهد معك جماعة من أصحابك لا يجدون ألم مسّ الحديد، وتلا: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ يكون الحرب برداً وسلاماً عليك وعليهم) ، فلنكن من الموطِّنين أنفسنا للقاء الله لنحيى محياهم و نموت على ما ماتوا .


الذنوب العظام : 21 محرم 1440 هـ - الموافق 02 أكتوبر 2018

هناك شبه واضح بين الجبل و بين الجمل من ناحية الشكل و من ناحية الإسم وكأنّ حقيقتهما تنبع من أمر واحد ، كلاهما يظهران الأنانية و التبختر و التكبّر و الغرور ، ولا تظنن أنّ الله قد خلق خلقاً سواء الجمادات و النباتات و الحيوانات من دون أن تكون لها مساس بالإنسان! كلا ، ومن معان قوله تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ...)(البقرة/٢٩). هو ذلك أعني أنّ كلَّها تحمل رسائل للإنسان فهي بلسان حالها تريد هدايتهم إلى الصراط المستقيم ، فالنفس إن تركت وشأنها فهي تغتر و تتبختر كالجبل، فلابد إذن من ترويضها ومن ثمّ دكّها و استبدالها إلى تراب متواضع، كما فعل مولى الموحدين أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال (إنَّمَا هِيَ نَفْسِي أَرُوضُهَا بِالتَّقْوَى) ولذلك صارت كنيته أبا تراب ! أطلق عليه رسول الله صلى الله عليه و آله ، حيث ارتقى بعبوديته حتى وصل إلى مقام النظر إلى الوجه كما في الحديث عن (أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ قَالَ: بَيْنَا أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ يَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرِ اَلْكُوفَةِ إِذْ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ ذِعْلِبٌ ذُو لِسَانٍ بَلِيغٍ فِي اَلْخُطَبِ شُجَاعُ اَلْقَلْبِ فَقَالَ يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ قَالَ وَيْلَكَ يَا ذِعْلِبُ مَا كُنْتُ أَعْبُدُ رَبّاً لَمْ أَرَهُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ رَأَيْتَهُ قَالَ وَيْلَكَ يَا ذِعْلِبُ لَمْ تَرَهُ اَلْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ اَلْأَبْصَارِ وَ لَكِنْ رَأَتْهُ اَلْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ اَلْإِيمَانِ ... الخ) ولعلّ موسى على نبينا و آله و عليه السلام كان بصدد الوصول إلى هذا المقام العظيم كما في قوله تعالى : (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ)(الأعراف/١٤٣).
قال السيد الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه (كلّما اندك جبل الأنانية (الأنا) وفنا حينئذٍ تتحقق العبودية ، وو يحتمل أن يكون هذا الجبل الذي يمنع الإنسان من تجلي الحق هو أنانية نفس موسى وإن كان بسيطاً جداً ، ومن خلال ذلك التجلي قد اندك الجبل و تفتت الأنانية ووصل موسى إلى مقام الموت) أقول هو إشارة إلى قول العرفاء (موتوا قبل أن تموتوا)
قال العلامة الطباطبائي رحمه الله في الميزان :
(وبصيرورة الجبل دكا أي دكوكا متحولا إلى ذرات ترابية صغار بطلت هويته وذهبت جبليته وقضى أجله).
هذا : وما هو شأن جمل النفس ؟
هذا يرتبط بالمستكبرين الذين قال عنهم سبحانه (وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً)(الإسراء/٣٧). أنظر إلى مشية الجمل المتبخترة ! فهو لا يبالي لمن يقع في يمينه وشماله وكأنّ الطريق قد خصّص له لا غير ! وهذا هو قمّة الأنانية ، وقد شوهدت قمة هذه الأنانية في طلحة و الزبير حينما انطلقا إلى البصرة لمحاربة أمير المؤمنين عليه السلام ، والجدير أنّه (نَادَى عَلِيٌّ: اعْقِرُوا الْجَمَلَ، فَإِنَّهُ إِنْ عُقِرَ تَفَرَّقُوا، فَضَرَبَهُ رَجُلٌ فَسَقَطَ، فَمَا سَمِعْتُ صَوْتًا قَطُّ أَشَدَّ مِنْ عَجِيجِ الْجَمَلِ.) وبذلك انتهت الفتنة وخاب المبطلون و تحطمت الأنانية كرهاً لا طوعاً ! وهل للمستكبرين أن يزيلوا عن أنفسهم هذه الصفة (الجملية) طوعاً ؟ كي يتخلصون من نار جهنّم و تفتّح له أبواب الجنان ؟ قال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ)(الأعراف/٤٠).
من خلال التوضيخ الذي ذكرناه تعرف السرّ فيما ورد في تفسير علي بن ابراهيم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (نزلت هذه الآية في طلحة والزبير) و أيضا ما في تفسير العياشي عن أبي عبدالله (عليه السلام) في قول الله: " ان الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا ...الخ ( نزلت في طلحة وزبير والجمل جملهم). وهذا من باب الجري و التطبيق السائد في القرآن الكريم فتأمّل و لا تغفل .
فيا أيّها العزيز :فلنسع في تحطيم جبل نفسونا أو على الأقل من تصغيره و تقليله وذلك من خلال التواضع و إحترام الآخرين و عدم رؤية أنفسنا وكأننا أعلمهم و أفضلهم و أتقاهم ، وكذلك فلنحاول أن نرقق جَمل قلوبنا، لعلها تصل إلى درجة من الرقّة بحيث تصير وكأنّها خيط رقيق قد ولج في سمّ الخياط أي (ثقب الأبرة) ، وبالنسبة إلينا نحن المبتلين بأنواع الحجب ، هيهات أن يتحقق ذلك ، اللهم إلا من خلال أمر واحد لا ثاني له وهو :
البكاء على مصاب السيد المظلوم قتيل العبرة أبي عبد الله الحسين عليه السلام ، وعلى ضوء ذلك تعرف السر في كثرة الأحاديث في فضل البكاء عليه ونذكر هناك حديثين عن مولانا ، و من نحن في خدمته ومن زواره الإمام الرضا عليه السلام حيث قال:
" يا بن شبيب إن كنت باكياً لشيء فابك للحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام ، فإنه ذُبح كما يُذبح الكبش " ( أمالي الصدوق) وقال عليه السلام ( إن يوم الحسين أقرح جفوننا وأسبل دموعنا وأذل عزيزنا بأرض كرب وبلاء وأورثنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء ، فعلى مثل الحسين (ع) فليبك الباكون فإن البكاء عليه يحط الذنوب العظام " ( أمالي الصدوق ).
يا عزيزي : لاحظ و تأمّل في قوله (يحط الذنوب العظام) لتعرف صحة ما بيّناه ، وفقنا الله و أياكم لذلك .
العبد العاشق الواله الخادم لهم
إبراهيم الأنصاري البحراني
مشهد المقدّسة
٢١محرم ١٤٤٠
الساعة ٢:٣٠ صباحا
▪الوصلة في موقع الكوثر:


كفلان من الرحمة 21 محرم 1440 هـ - الموافق 02 أكتوبر 2018

لو تابعنا الصنفين من المأكولات المذكورة في الآية المباركة (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ...)(المائدة/66). أعني التّي تنزل من الأعلى و الذي تنطلق من الأسفل لوصلنا إلى مصدرهما الرئيس وهما: الرحمانية و الرحيمية في قوله تعالى : (بسم الله الرحمن الرحيم)،  فالرحمة الواسعة الإلهيّة قد تجلّت في مظهرين (الرحمانية) وهي الجارية من الأعلى أعني العرش مروراً بالسماوات و نزولا إلى الأرض الذي جاء تفصيله في سورة طه حيث قال: (تَنزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلاَ ، الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى)(طه/4-6). وهذا هو تفسير قوله (لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ) بعينه ، وهي الأرزاق الربانية المادية و المعنوية النازلة من السماء (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ)(الذاريات/22). والجدير أنّ الوسيلة لنزول الرحمة الواسعة الرحمانية هي القنوت في الصلاة وهو يتمّ برفع اليدين إلى السماء .

و أمّا الرحمة (الرحيمية) فهي التي تأخذ الإنسان من الأرض (وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) فتجرّده و تنطلق به إلى الأعلى ليصل إلى الرشد و يتقرّب إلى ربّه فيشمله السلام من الله سبحانه (سَلاَمٌ قَوْلاً  مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ)(يس/58). والوسيلة للإرتقاء إلى ذلك هو السجود في الصلاة الذي هو مقام السالكين الذين قد خرقوا الحجب السبع ،  وقد ورد في (التَّهذيب) بسندٍ صحيح عن «معاوية بن عمّار»عن الصادق عليه السلام (إنّ السّجودَ على تربة أبي عبد الله عليه السلام يخرقُ الحُجُبَ السّبع) ، فمن نطق ببسم الله الرحمن الرحيم حقيقةً فلاشك أنّه سوف يحظى بالنعمتين معاً وهذا قد بيّنه سبحانه في قوله : (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(الحديد/28).فالكفلان من الرحمة هما ما شرحناهما .

ولكن لابد وأن نلاحظ هنا أمرين :أحدهما ما في الآية الأولى حيث اشترط سبحانه على كلّ من يريد أن يتنعم بالنعمتين أن يقيم (ما أنزل إليه) و هي الولاية التي أمر رسول الله أنّ يبلّغها للناس (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربّك) وهي أعني الولاية ترقي بالمؤمن إلى الدرجات السامية .

ثانيهما : ما في قوله تعالى (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) وهذا النور هو الذي ينطلق بالإنسان نحو الأَمام ، في اصول الكافى باسناده عن سماعة بن مهران عن أبى عبدالله (عليه السلام) في قول الله عزوجل: ..(ويجعل لكم) نورا قال: امام تأتمون به. فبنور الإمام ينطلق المؤمنون نحو الغاية التي هي التقرّب إلى مليك مقتدر ، وقد تحقّق هذا الأمر ميدانياً في مسيرة الأربعين الميليونية إلى كربلاء المقدّسة المشتملة على الكفلين من الرحمة السماوية و الأرضية .

هذا: و كأنّ قمر الشمس الحسيني أبا الفضل العبّاس عليه السلام هو النور بالنيابة و الخلافة ، الذي يقود العشاق نحو إمامهم أبي عبد الله الحسين عليه السلام  ( ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ )(المائدة/54).

رزقنا الله و أياكم السير على الأقدام نحو حرم المولى الشهيد أبي عبد الله الحسين عليه السلام .

إبراهيم الأنصاري

مشهد المقدسة

17 محرم الحرام 1440

 


ملكوت عاشوراء (3) (لبيك من الله للعبد ) 27 ذو الحجة 1439 هـ - الموافق 08 سبتمبر 2018

لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ، وفيها طلب من الله في غاية الأهميّة وهو ( اهدنا الصراط المستقيم)

كأنّ الله سبحانه قد لبّى طلب العبد  مسبقاً بالنسبة إلى الجزء الثاني من الطلب حيث جسّد لنا الصراط المستقيم من خلال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه أفضل الصلاة و السلام .

أمير المؤمنين عليه السلام هو الذي رسم الصراط المستقيم ، بل هو الصراط بعينه الذي يمثّل الجادة الوسطى التي توصل الإنسان المؤمن إلى الجنّة عبوراً بجهنّم ، وكما ورد في الحديث عن أبي بصير عن الإمام الصادق  عليه السلام قال: ( والصّراط أدقّ من الشّعر ومن حدّ السيف ...) بحار الأنوار، ج 8، ص 64ــ65، ح1 والصراط هو في داخل جهنّم كالجسر الغارق في البحر ، و بما أنّ جميع الخلق يمرّ على الصرط فكلهم يردون في النار (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا)(مريم/71). غاية ما هناك أنّ المؤمن إذا ورد يرتفع صراخ جهنّم أنّ أسرع في مشيك واخرج وابتعد عني فكاد نورك يخمد لهبي !!

وأمّا الأنبياء و الأولياء فيختلف أمرهم تماماً ففي الحديث (جُزْناها وَ هِیَ خامِدَةٌ) علم الیقین، فیض کاشانی، ج ۲، ص ۹۷۱.

هذا وينبغي أن تكون قلوبنا مملوّة بالولاية نفسها لكي يتنسى لنا العبور على الصراط المستقيم

والنتيجة أنّ الصراط المستقيم علويّة .

التلبية الإلهية الثانية هي بخصوص (إهدنا) لأننا نسأل عن كيفية العثور على الصراط و المرور عليه عملاً .

الإمام الحسين قد استعرض لنا كيف نهتدي من الناحية العملية إلى الصراط المستقيم و كيف نمرُّ عليه هو قد أوجد لنا ورشة عمل عجيبة لا مثيل لها .

ارتفع دوي خطابه للناس عامّة فقال : (فليرحل معنا) فجعل سيد الشهداء الهداية إلى الصراط نصب أعيننا وعلّمنا كيف نهتدي ثم نخطوا على الصراط المستقيم فبالحسين قد تمّ الدين من خلال إستعراض (المنهاج) وهو أسلوب الحركة على الصراط ميدانياً ، كما أنّه قد كمل الدين بعلي من خلال استعراض (الشريعة) .

و لولا هداية الإمام الحسين التي هي (أتمّ القصص) لكنّا إمّا من زمرة المغضوب عليهم أو من مجموعة الضالين ، وعلى ضوء ما بيّنا فكل من يريد الهداية إلى الصراط فهو بحاجّة ملمّة إلى الدخول في مدرسة الطفّ العظيمة ، وهذا الحاجة لا تختص بعامّة الناس بل هي شاملة حتى للأنبياء أو الأولياء ، ولذلك كانوا يزورون كربلاء ويبكون والإمام الحسين عليه السلام لم يولد بعدُ !

كما أن مدرسة كربلاء شاملة للنساء و الرجال والشيوخ والأطفال حتّى الطفل الرضيع ، كلّ من دخلها اهتدى إلى الصراط حتّى النصراني و الغلام التركي و كل من لم يدخلها ابتعد عن الصراط حتى الصحابي و التابعي .

مدرسة رغم شدائدها و آلامها و أحزانها و مصائبها فهي جميلة جدّا قد جمّلت الدين بعد اكتماله فيا لها من صنيعة إلهية عظمى ذات جمال لا نظير له (صنع الله الذي اتقن كل شيء )  أما ترى كيف تجيب زينب عليها السلام الطاغية عبيد الله حينما خاطبها (كَيْفَ رَأَيْتِ صُنْعَ اللَّهِ بِأَخِيكِ وَ أَهْلِ بَيْتِكِ ؟ فَقَالَتْ : مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلًا )

فالجدير ان نسلم على كل من الإمام الحسين عليه السلام الهادي إلى الصراط و أمير المؤمنين عليه السلام ، الصراط نفسه فنقول (السلام عليك يا ثار الله وابن ثاره)  هذا هو انعكاس قوله تعالى :  اهدنا الصراط المستقيم .

إبراهيم الأنصاري

27 ذو الحجة 1439


ملكوت عاشوراء (2) تمام النعمة بالحسين عليه السلام 25 ذو الحجة 1439 هـ - الموافق 06 سبتمبر 2018

إن أنبياء الله و أولياؤه لم يعاصروا واقعة الطفّ المؤلمة ولكن كانوا مطلعين عليها تفصيلا ، و لذلك كانوا يقصدون كربلاء  وبالتحديد الموضع الذي يقتل فيه سيدُ الشهداء عليه السلام ، وبذلك كانوا ينتفعون كثيراً .

و بما أنّ قصّة كربلاء هي (أتمّ القصص) فكانوا يحظون بالنعمة التامة من خلال تلك الزيارة ميدانياً ﴿لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ هذا، ولا يظن بأنّه يمكن للأمم السابقة أن يرتقوا كمال الإرتقاء من خلال الإرتباط بتعاليم الأنبياء بما هم أنبياء ، كلا ! بل كانوا يوجّهون الناس إلى حيث هم متوجهون إليه أعني إلأى بيوت أهل البيت عليهم السلام عامّة وإلى بيت الإمام الحسين عليه السلام خاصّة، فه يَدخلون ﴿في‏ بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ‏ترفَعَ﴾ و من ورائهم يدخل المؤمنون من أقوامهم ، فيغوصون في بحر النعمة و ينغمرون في عالم النور فيتنورون ثمّ ينوّرون أممهم.

 و هذا عام بالنسبة إلى جميع أهل البيت عليهم السلام ، ولكن لا يحدث ذلك إلا من خلال مقدّمات و تهيئة أرضية للدخول في تلك البيوت ،  ولذلك لا يسع كلّ إنسان أن يتنور بهم عليهم السلام إلا أن يكون قد تطهّر مسبقاً بنسبة على الأقل ثلاثين بالمائة.

 ولكن سيد الشهداء أبي عبد الله الإمام الحسين عليه السلام فهو مستثنى من هذه القاعدة،  فكلّ من أراد أن يحلق روحه نحو الملأ الأعلى فلا عليه إلا أن يدخل في حريم أبي عبد الله عليه السلام وذلك من خلال البكاء، و اللطم على الصدر ،  و الزيارة بل و حتّى التباكي ، وأما (السجود على تربة أبي عبد الله عليه السلام  تخرق الحجب السبع ) الوسائل 3/608 .

وأدلّ دليل على ذلك ما يشاهده العالم أجمع ميدانياً في الأربعين مشياً على الأقدام ،  فكم من الناس يعترفون بذنوبهم الكثيرة ومع ذلك لا يرون أنفسهم قد منعوا من زيارة الأربعين بل يدركون بوجدانهم أنّهم من خلال الزيارة ستنمحى ذنوبهم بل سيرتقون إلى الملأ الأعلى . فيا لها من معجزة عظيمة حيّرت ملائكة السماء ولاشك أنّها أعظم من عصا موسى ، وخاتم سليمان ، بل هي أعظم من إحياء الموتى .هي المصداق البارز لقوله تعالى (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ...)(الأنعام/122).

من هذا المنطلق تعرف أهميّة الإمام الحسين وأهميّة إحياء المجالس الحسينية و التأكيد على إحيائها و الثواب العظيم في ذلك ممّا يحيّر العقول.

فيا حبيبي فليكن همّك في العشرة منصبّا في مجالس العزاء و لا يخدعك إبليس فيشغلك بأمور الدنيا الدنيّة فهذه هي الخسارة الكبرى ، كما أنّ التفرّغ للمجالس الحسينية هو الفوز العظيم .

إبراهيم الأنصاري البحراني

25 ذو الحجة 1439


ملكوت عاشوراء (1) أتم القصص . 25 ذو الحجة 1439 هـ - الموافق 06 سبتمبر 2018

قد عبّر القرآن الكريم عن قصّة يوسف بأنّها (أحسن القصص) لأنّها شاملة لمجمل مسير البشرية مما جعلته حسنة، فلا نمرّ على موقف إلا ونشاهد فيه حُسناً لا مثيل له ، وأمّا قصّة رسول الله صلى الله عليه وآله فهي (أفضل القصص) من حيث أهميّة تلك المواقف وإن كانت مشتملة على حوادث مؤلمة جداً ، ويمكن التعبير عن قصّة أميرالمؤمنين عليه السلام بأنّها (أكمل القصص) وذلك بعد تنصيبه ولياً لرسول الله صلى الله عليه وآله حيث اكتمل الدين و إن لم يتمّ الدين باعتبار وجود الكفار و المنافقين الذين كانوا السبب في الحيلولة دون تجلي حكمه الإلهي ، وأمّا واقعة الإمام الحسين عليه السلام فهي (أتمّ القصص) لأنّها هي الواقعة التامّة حيث نشاهد جميع أبعاد الخير و الشرّ ظهرت في کربلاء، من معتقدات فكرية ، و قيم أخلاقية، و مواقف ميدانية.

 تبقى واقعة الإمام المهدي عجّل الله فرجه فهي في الحقيقة  (ظهورُ القصص) جميعاً ولذلك أطلق على الإمام (جامع الكلم)  ورد في الزيارة (اَلسَّلامُ عَلى مَهْدِيِّ الاُمَمِ وَجامِعِ الْكَلِمِ، اَلسَّلامُ عَلى خَلَفِ السَّلَفِ وَصاحِبِ الشَّرَفِ) وفي الحديث (وَ سَيِّدُنَا الْقَائِمُ عجل الله فرجه مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ وَ يَقُولُ يَا مَعْشَرَ الْخَلَائِقِ أَلَا وَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى آدَمَ وَ شَيْثٍ فَهَا أَنَا ذَا آدَمُ وَ شَيْثٌ ..... أَلَا وَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مُحَمَّدٍ وَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا فَهَا أَنَا ذَا مُحَمَّدٌ وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَلَا وَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ عليهما السلام فَهَا أَنَا ذَا الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ أَلَا وَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الْأَئِمَّةِ مِنْ وُلْدِ الْحُسَيْنِ فَهَا أَنَا ذَا الْأَئِمَّةُ عليهم السلام) بحارالأنوار ج 53 ص 7 ، 8 باب 28  

إبراهيم الأنصاري البحراني

25 ذي الحجة 1439

 


العجب العجاب ( ما يتعلق بالخطابة الحسينية): 24 ذو الحجة 1439 هـ - الموافق 05 سبتمبر 2018

*الحلقة (3) :

استمعت إلى أحد كبار الخطباء الحوزويين وهو ذو علم غزير واطلاع وسيع و صوت شجيّ ولكن في أهم مناسبة أعني العشرة الأولى من محرّم رغم كثرة مستمعيه كان يتطرّق إلى موضوع بسيط أخلاقي قد طُرح من قبل مئات المرّات ولا يحتاج إلى دراسة عميقة ، لا يسمن ولا يغني من جوع ، و كنت أتمنّى أن يتطرق إلى جوانبه من المقدمات و الصميم ثم النتيجة مستشهداً بالآيات الكريمة و بعض الأحاديث المباركة ليخرج المستمع وقد حمل معه كمّا من المعلومات المفيدة لآخرته و دنياه ولكن قد خاب ظنّى و أحزنني كثيراً وقلت في نفسي أسفاً على هذا المذهب الحق الذي قد أهريقت من أجله دماء أهل البيت عليهم السلام و مئات الملايين من الشهداء قد وقع في يدنا نحن القاصرين المقصّرين ! وبعد مراجعة الخطيب نفسه تبين لي أنّ هناك عائقين يحولان دون طرح البحث بالكامل . الأوّل: رئيس الحسينية حيث يطلب منه أن يقرأ أبيات شعرية و نعي في البداية حوالي ١٠ دقائق و في النهاية على الأقل ٢٠ دقيقة فلم يبق له وقت لإلقاء الكلمة . الثاني: لدى هذا الخطيب في اليوم الواحد خمسة مجالس، ثلاثة ليلا و اثنان نهاراً ! فما عسى أن أقول إلا: (على المذهب السلام إذا قد بليت الأمّة بهؤلاء القوم ). أقترح أن يخصص النهار للملالي غير الدارسين في الحوزة لقرائة المصائب فقط تفصيلا وفي الليل للخطباء العلماء الحوزويين لطرح بحث متكامل مع قرائة مصيبة مختصرة .

*الحلقة (2):

والاعجب من ذلك هو :

أنه عندما يتم النقاش في المعتقدات الدينية و القضايا الولائية ترى أنّ البعض  يستند على صحّة قوله الباطل بكلام ذلك الجاهل المركب الذي ارتقى منبر أبي عبد الله الحسین عليه السلام من دون استحقاق و كفائة !

فيقال : هو قال على المنبر  كذا و كذا وكأنّه مجتهد حوزوي ومرجع ديني يؤخذ برأيه ، وهذا هو ترجيح المرجوح على الراجح بعينه الذي فعله القوم وقد وقع موقع النقد منا نحن الشيعة الامامية .

نقول لمثل هؤلاء (ثبِّت العرش ثمّ انقش) !

 ورد في كتاب المحاسن ؛ المجلد‏ ١ ؛ ص ٢٢٠ في تفسير قوله تعالى)فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ‏ إِلى‏ طَعامه) (عَنْ زَيْدٍ الشَّحَّامِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام  قَالَ قُلْتُ مَا طَعَامُهُ ؟ قَالَ عِلْمُهُ الَّذِي يَأْخُذُهُ مِمَّنْ يَأْخُذُهُ‏)

فيا عزيزي:

لا تسمح لروحك وعقلك و قلبك أن تستقبل كلّ ما سمعته من الخطيب بل كن من أولي الألباب أصحاب الدقة و التأمّل و تمييز الحق من الباطل.

هذا و لا شك أنّني لا أوجّه حديثي إلى من يذكر مصائب أهل البيت عليهم السلام فقط و يُبكي الناس فهذا شأنه عظيم لا يعلمه إلا الله سبحانه.

*الحلقة (!): 

هل سمعت أذناك أن في جامعة من الجامعات حتى لو كانت في دولة فقيرة يكون الأستاذ   لدیه  المؤهلات العلمية  اللازمة للتدریس کأن یکون حاصلاً علی  شهادة الدكتوراه أو الماجستير،

 وفي السنة التالية يستبدل بشخص آخر لا يمتلك حتى الشهادة الابتدائية! وليس لديه أدنى فكرة عن تلك المادة!

 کل ما هنالک أنه  يمتلك قدرة بيانية عالية ! .

مالذي سينتظر  عميد الجامعة یا تری  جرّاء فعلته تلک ؟

بالطبع سيحاكم، و يجازى بأشدّ الجزاء وربّما يسجن ، لأنّه أضاع حقوق الطلبة .

▪ولكن:

فلنعلم بأنّ هذا  ما یجري علی أرض الواقع في الجامعات الإسلامية المنسوبة إلى سيد الشهداء عليه السلام ، حیث   يكون الخطيب  من أمثال عميد المنبر الدكتور الوائلي رحمه الله، و في السنة المقبلة يرتقی ذات  المنبر من لا يتجاوز عمره 25 سنة، و ربما لم تظهر عليه بعد  آثار البلوغ السنّي، بل لمّا يتحصل  على  أساسیات  المعارف الإسلامية، حتی أنّ  بعضهم لم يكمل الدراسة الثانوية الأكاديمية .

و هذا هو العجب العجاب الذي قد حيّر ملائكة السماء .

 فلیحذر بعض القائمین علی  الحسينيات من عذاب يوم عظيم ، و ليترقبوا المحكمة الإلهية حيث لم يستغلّوا فرصة تواجد ذلک  الجمع الغفير في أيام العشرة من محرّم بما ینفعهم ، وربما قد سمموا اذهان الكثير منهم .


علاقة الغريب بالأنيس 11 ذو القعدة 1439 هـ - الموافق 24 يوليو 2018

ورد في كتاب زاد المعاد في كيفية التوسل بالإمام الرضا عليه السلام:

(اللهم صل و سلم و زد و بارك على السيد المعصوم و الإمام المظلوم و الشهيد المسموم و القتيل المحروم عالم علم المكتوم بدر النجوم شمس الشموس أنيس‏ النفوس‏ المدفون بأرض طوس .. الخ).  زاد المعاد - مفتاح الجنان .

ينبغي لنا أن نتأمّل في كلّ واحدة من هذه الصفات بنحو مستقل فإنّها أبواب من خلالها نتعرّف على شأن الإمام الرضا عليه السلام.

فلنركِّز على صفة (أنيس النفوس) وهي بالطبع تجلٍ للحق تعالى ، فقد وردت في الأدعية المباركة (يا أنيس‏ القلوب ) والقلب إذا أنس بالله تعالى فلن يستوحش من أحدٍ أبداً ، و ينبغي أن يطلب الإنسان منه تعالى ذلك (يا منى المحبين يا أنيس‏ المريدين) فمن اسوحش من غيره وأراده سبحانه أنيساً فهو يكون له أنيساً ، ولن يوفق لهذا إلا من ترك الأغيار (يا أنيس‏ من لا أنيس له) و صفّى نفسه من كلّ ما سوى الله  (يا أنيس‏ الأصفياء)‏.

ولكن لعلك تسأل كيف يمكن للبشر غير العارف أن يأنس بالواحد الأحد الذي لا شبيه له و لا نظير ولا كم و لا كيف !

 أقول نعم لا يمكن أن تعطى هذه الموهبة العظيمة إلا لذي حظ عظيم وهم أهل البيت عليهم السلام ولذلك تلاحظ ذكر التسبيح دون الحمد في الدعاء (سبحانك يا أنيس‏ تعاليت يا مونس) فالله منزّه عن أن يكون أنيس بالمعنى المتعارف لدينا بل الأنس به له شأن عظيم و شروط صعبة و عرفان خالص .

هنا المؤمن بطبيعته ينادي (أين أنسك يا أنيس ) ؟ بعبارة أوضح أين نتفقد أنسك يا ربّاه ، وأين نحصل عليه لنتمسك به ومن خلاله يتمّ الأنس بك يا سيداه !

تأتي الإجابة : أبحثوا أنسي في (أنيس النفوس) وهو بالتحديد ثامن الحجج الإمام الرؤوف علي بن موسى الرضا عليه السلام .

ثمّ لسائل أن يسأل لماذا تخصّصت هذه الصفة بالإمام الرضا عليه السلام ؟

في الإجابة أقول : الصلاة المذكور في بداية الكلمة يتكفّل بالإجابة على هذا السؤال خصوصا هذا المقطع منه(بدر النجوم شمس الشموس أنيس‏ النفوس‏ المدفون بأرض طوس) .

 فكونه شمس الشموس:  له دور رئيس في ذلك، وأيضاً كونه مدفون في هذه الأرض المقدّسة التي هي قطعة من جنّة الدنيا كما ورد عن الإمام الجواد عليه السلام (انّ بین جبلی طوس، قبضهً قبضت من الجنه من دخلها کان آمنا یوم القیامه من النار)(من لایحضره الفقیه، ج2، ص583).

 فلو أردنا تصوير هذه الحقيقة العرفانية في صورة حسيّة فلنلاحظ أرض المدينة و بالتحديد المسجد النبوي الشريف والروضة المباركة فمنها قد انبعث شعاع نوراني من السيدة الجليلة فاطمة الزهراء عليها السلام واشتدّ تدريجاً إلى أن وصل إلى أرض خراسان فتوقف هناك ، ثمّ انقلب إلى جهة الشرق الأوسط كأنّه وردة عبّاد الشمس وهو في حال الإنتشار إلى أرجاء بلاد الإسلام.

 كما أنّ تصويرها من حيث القوّة و الهيبة فهو (القسورة) الذي تحرّك نحو الشرق و أرهب الأعداء الذي هم (كالحُمر المستنفرة) فتقدّم، وقد وضع يده اليمنى على بلاد الشام و اليسرى على اليمن وهو يزأر بشدة ليدوّي صوت الزئير فيصل إلى بلاد الغرب ! فهو إذن أنيس لنفوس المؤمنين .

وكونه مدفون بأرض طوس أيضاً قد عزّز ذلك كما أن في زيارة الإمام الحسين عليه السلام ورد (طبتم و طابت الأرض التي فيها دفنتم).

أمّا السرّ الأعظم الكامن في ثامن الحجج الذي جذب هذه الصفة الربانية إليه هو كونه (غريب الغرباء) ! لاحظ ما في مناجاة أمير المؤمنين عليه السلام ( يا أنيس‏ كل غريب! آنس في القبر غربتى)‏ و أيضاً (يا مونسي‏ عند وحشتي‏ يا صاحبي عند غربتي ) فالغربة الرضوية منحته هذه الصفة الربانية (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) هكذا هي المعادلات الإلهية ! و لعلّ قوله (المدفون بأرض طوس) إشارة إلى أنّه غريب بعيد المدى  .

هذا : ولا تظنّ بأن هذا الأنس الرضوي للأحياء فحسب بل النفوس جميعاً تأنس به عليه السلام سواء في الدنيا أم في القبر أو القيامة فهو عليه السلام صاحبنا عن غربتنا .

عزيزي:

 لاحظ الحديث الشريف الذي نقله الشيخ الصدوق عن الرضا عليه السلام : " من زارني على بُعد داري، أتيته يوم القيامة في ثلاث مواطن، حتّى أخلّصه من أهوالها: إذا تطايرت الكتب يميناً وشمالاً، وعند الصراط، وعند الميزان) عيون أخبار الرضا عليه السلام ج2 ص 285

هذا هو تجلّ من تجليات (أنيس النفوس) عليه آلاف التحيّة و الثناء فلا تغفل !

والأنيس يقال لمن يستمع كلامك بقلب رحب من دون ملل و لا كلل بحيث تتحقق ألفة بينك و بينه تجعلك منه و هو منك .

هذا : و ينبغي تجسيد هذه الصفة الربانية الرضويه في المجتمع بدءاً من العائلة الكريمة ، الزوجين و الأبوين مع الأولاد  بحيث لا يستوحش أحدٌ من أحد ، هذه رسالة الإمام الرضا في هذا اليوم العظيم .

وأمّا الحديث عن الحصن الحصين الرضوي الذي هو كغار ثور حيث نزلت السكينة على رسول الله صلى الله عليه و آله وعلاقة ذلك بالسجود في الصلاة وأيضاً علاقة سجن الأب الكاظم عليه السلام بغربة الإبن الرضا عليه السلام و دور ذلك في غربة الأمم و الشعوب المستضعفة كمقدّمة لإنتصارهم على الأعداء ليسود العدل في العالم بظهور الإمام المهدي أرواحنا فداه ، فيتطلّب وقتاً آخر لعلني أوفق لذلك ... و صلى الله على محمّد و آله الطاهرين .

مشهد المقدّسة

ليلة مولد الإمام الرضا عليه السلام 1439

الساعة السابعة و النصف

خادم الرضا إبراهيم الأنصاري البحراني


فراق الإمام فراق الله 28 رمضان 1439 هـ - الموافق 12 يونيو 2018

لقاء الله هو أعلى مرتبة يمكن أن يصل إليها الإنسان بالمجاهدة المستمرّة و بالسير والسلوك ، و لاشك أنّ ذلك أمر غير مستحيل ، كيف وقد صرّح سبحانه بذلك في القرآن الكريم ، فينبغي أن يكون ذلك أمنية كلّ مؤمن، و عليه أن يصل إلى هذه الدرجة قبل الانتقال إلى عالم البرزخ ، وهذا ما يدلّ عليه قوله تعالى (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)(الكهف/110). فالبشر عندما يوحّد الله ينبغي أن يرجوا لقاء ربّه وذلك من خلال العمل الصالح من نمط ما فعله أصحاب الكهف و النبي موسى و ذوالقرنين فهي بعيدة كلّ البعد عن الشرك ، الجلي منه و الخفي .

السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف يتحقق هذا اللقاء ؟ وفي المقابل ماذا يعني الفراق ؟

أجاب على هذا السؤال أمير المؤمنين عليه السلام في دعاء كميل (فَلَئِنْ صَيَّرْتَنى لِلْعُقُوباتِ مَعَ اَعْدائِكَ وَجَمَعْتَ بَيْني وَبَيْنَ اَهْلِ بَلائِكَ وَفَرَّقْتَ بَيْني وَبَيْنَ اَحِبّائِكَ وَاَوْليائِكَ، فَهَبْني يا اِلـهى وَسَيِّدِي وَمَوْلايَ وَرَبّي صَبَرْتُ عَلى عَذابِكَ فَكَيْفَ اَصْبِرُ عَلى فِراقِكَ) وهذا يعني أنّ فراق الله يعني فراق أحبائه و أولياؤه وهم أهل البيت عليهم السلام بالأصالة والأنبياء ثمّ الأولياء بالتبع ، فقد ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله ( من رآني فقد رأى الحق ) البحار 61 : 235 (من أحبكم فقد أحبّ الله) فلا بدّ من الفناء فيمن فنى في الله تعالى فبالنتيجة يكون العبد قد وصل إلى لقاء الله ، ومن هذا البيان يمكنك أن تتعرّف على السرّ الكامن في قوله تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ...)(الفرقان/21). حيث جاء بضمير المتكلم مع الغير (لقائنا) فالوصول إلى الأولياء هو الوصول إلى الربّ، و تدبّر في قوله تعالى (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ )(الغاشية/25). ثم ارجع إلى قول الإمام الهادي عليه في الزيارة الجامعة الكبيرة مخاطباً الأئمّة عليهم السلام (وإياب الخلق إليكم) وفي نهاية المطاف تنكشف لك أسرار شهداء الطف حيث ارتقوا إلى أعلى عليين فهم وصلوا إلى لقاء الله بلقاء الإمام الحسين عليه السلام (مَنْ كانَ باذِلاً فينا مُهْجَتَهُ ، وَمُوَطِّناً عَلى لِقاءِ اللهِ نَفْسَهُ فَلْيَرْحَلْ مَعَنا فَإِنّي راحِلٌ مُصْبِحاً إِنْ شاءَ اللّهُ)

ولذلك كان رأس الحسين عليه السلام يتلوا سورة الكهف فقد روى ابن شهر آشوب في المناقب "أنّه لمّا صلب رأس الحسين بالصيارف في الكوفة فتنحنح الرأس وقرأ سورة الكهف إلى قوله تعالى: ( إنّهم فتية آمنوا بربّهم وزدناهم هدى ) المناقب ج4، ص68.

وروى الشيخ المفيد في الإرشاد عن زيد بن أرقم أنّه قال مرّ به على رمح وأنا في غرفة لي فلمّا حاذني سمعته يقرأ (أم حسبتَ أنّ أصحاب الكهف والرقيم كانوا مِن آياتنا عجبًا) الإرشاد، ص245 .

فتنبه أيّها الحبيب من نوم الغفلة واسع في معرفة أهل البيت عليهم السلام حق المعرفة .

ليلة 27 شهر رمضان 1439

الساعة 1:20 بعد منتصف الليل

العبد المذنب الراجي رحمة ربّه

إبراهيم الأنصاري

 

 

 

 


ثیبات و آبکارا 11 رمضان 1439 هـ - الموافق 26 مايو 2018

أثار انتباهي قوله تعالى (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا)(التحريم/5). وذلك لأنّه سبحانه بصدد مدح النسوة هنا من خلال بيان صفاتهن الستّة وبطبيعة الحال ينبغي له أن  لا يذكر الثيبات بالمرّة ، و لو أراد ذكرهن فلا يقدمهن على الأبكار بل الأولى تقديم الأبكار عليهن لأنّهن الأفضل على الظاهر كيف لا و هو سبحانه عندما يتطرق إلى الحور في الجنّة يقول (إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً)(الواقعة/35). (فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا)(الواقعة/36). (عُرُبًا أَتْرَابًا)(الواقعة/37).

ولعلّه سبحانه أراد من ذلك تعظيم خديجة بنت خويلد سلام الله عليه (لو قلنا بأنّها كانت ثيب حين تزوّجها الرسول ص) وبذلك أراد أن يقدّمها على غيرها ، خاصة مع ملاحظة الحديث العامي عن ابن عباس قال: قلت لعمر بن الخطاب: من المرأتان اللتان تظاهرتا على رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ فقال: عائشة وحفصة أورده البخارى في الصحيح.

ولا تفوتك الآية التي قبلها حيث يقول سبحانه (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ)(التحريم/4). ولاشك أنّ صالح المؤمنين هو علي بن أبي طالب عليه السلام كما في أحاديث العامّة ،  فعن أبى بصير قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول:  ان تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما إلى قوله: صالح المؤمنين قال: صالح المؤمنين هو على بن أبى طالب (عليه السلام)... فتأمّل.

 

 


العزلة قانون إلهي 21 جمادى الثانية 1439 هـ - الموافق 09 مارس 2018

ينبغي أن نعلم بأن القوانين الإلهية لا علاقة لها بالقوانين البشرية المادية ، فالإنسان من خلال عقله الناقص ومن خلال فهمه للطبيعة المادية و لوازمها  يقنّن و يبرمج ، ولا يلاحظ في تقنينه الأبعاد الباطنية الملكوتية، فكيف بالجوانب العرشية ! لأنّه لا يعرف عنها شيء فكيف يلاحظها بل ربّما يتنزل به جهلُه المركّب إلى مستوى من الانحطاط بحيث ينكر تلك الجوانب المعنوية و يرى أن الطبيعة العمياء الصلبة هي كل شيء و كل شيء هو الطبيعة !

وأمّا الله سبحانه فتخلف قوانينه تماماً سواء للكون أو للإنسان ، خصوصاً ما تتعلّق برقي الإنسان و عروجه ، و لا غرابة في ذلك فهو الله خالق كل شيء و هو أعلم بمخلوقاته (أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)(الملك/14).

فحينما يقنن سبحانه لا ينظر إلى أبعاد الإنسان الظاهرية المتناهية بل يلاحظ كافة أبعاده و نشأته الأولى و الأخرى ، و لا يسع لنا إلا أن نتعبّد بقوانين الله و نلتزم بأحكامه من دون النقاش و محاولة العثور على الأسرار من خلال التوجه إلى الأمور الدنيوية ! و في ذلك تكون سعادتنا في الدارين ، ولكي يتضحّ ما نقول نذكر مثالين لذلك ثم ندخل في صميم البحث :

الأول: الصدقة مهما كان مقدارها لها دور مهمّ في حفظ الإنسان و المجتمع كما في الحديث ( عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام  قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله‏ الصَّدَقَةُ تَدْفَعُ‏ مِيتَةَ السَّوْءِ.) الكافي ج‏4 ؛ ص2 .. فياترى هل نتمكن نحن القاصرون تحليل مثل هذه العبادة بالمعايير المادية ؟ كلا . فهنا ينبغي أن نقول (لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ)(الأنبياء/23).

الثاني: الإنفاق خصوصاً في حال الشدّة و دوره في نمو الرزق قال تعالى : (... وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا)(الطلاق/7). وهل لأهل الدنيا معرفة سرّ مثل هذه الأحكام !

(عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع الرَّجُلُ يَكُونُ قَدْ غَنِيَ دَهْرَهُ وَ لَهُ مَالٌ وَ هَيْئَةٌ فِي لِبَاسِهِ وَ نَخْوَةٌ ثُمَّ يَذْهَبُ مَالُهُ وَ يَتَغَيَّرُ حَالُهُ فَيَكْرَهُ أَنْ يَشْمَتَ بِهِ عَدُوُّهُ فَيَتَكَلَّفُ مَا يَتَهَيَّأُ بِهِ قَالَ‏(لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ‏ رِزْقُهُ‏ فَلْيُنْفِقْ‏ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ)‏  عَلَى قَدْرِ حَالِهِ) ( ج‏76 ؛ ص313)

الثالث : الإعتزال : وهو من أعظم القوانين الإلهية التي جرت على الأنبياء و الأولياء وغيّرت مصير الأمم حيث أن هذا القانون ينص على أن الرحمة الخاصة و المواهب السنّية إنما تصيب كلّ من اعتزل وخرج من بيته مهاجراً (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ..)(النساء/100). ورد في مفهوم (مراغماً) أي مواضع كثيرة كلما منعه مانع في بعضها من إقامة دين الله استراح إلى بعض آخر بالهجرة إليه لإرغام المانع و إسخاطه أو لمنازعته المانع و مساخطته، و يجد سعة في الأرض.

ولذلك نشاهد كثيراً من الأنبياء والأولياء من خلال العزلة شملتهم الرحمة الخاصة الإلهية ووصلوا إلى ما وصلوا من الدرجات الرفيعة و نالوا ما نالو من المنازل العالية، ونشير هنا إلى بعضهم :

  • أصحاب الكهف : قال سبحانه عن لسان أحدهم (وَإِذْ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا)(الكهف/16). فبالهجرة من البلاد و اللجوء إلى الكهف لم تسهل أمورهم فحسب بل وصلوا إلى رشدهم (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا)(الكهف/10). و ارتبطت قضيتهم بأهم ما سيتحقق في المستقبل وهي الثورة المهدوية المباركة ففي الحديث  )وَ أَخَذُوا مَضَاجِعَهُمْ فَصَارُوا إِلَى رَقْدَتِهِمْ إِلَى آخِرِ الزَّمَانِ عِنْدَ خُرُوجِ الْمَهْدِيِ‏ ع فَقَالَ إِنَّ الْمَهْدِيَ‏ ع يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ فَيُحْيِيهِمُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى رَقْدَتِهِمْ وَ لَا يَقُومُونَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ( عمدة عيون صحاح الأخبار في مناقب إمام الأبرار ؛  ص431  والكهف الحصين و غياث المضطر المستكين و ملجأ الهاربين الذي تجسّد بالإمام الحسين عليه السلام قد أوصل أصحابه من قبلُ و يوصل محبيه طوال الدهر إلى مقامات من الرشد و الرقي بحث يثير عجب أهل السماء من الملائكة المقربين و أرواح الأنبياء و المرسلين ومن هنا تلا رأس الإمام آية الكهف أو السورة بأكملها.

هذا : و نلاحظ في كثير من الآيات بأن الرحمة النازلة من خلال الإعتزل هي الذرية الصالحة وكأن القانون الحتمي يربط بين الإعتزال و الذرية الصالحة ولإثبات ذلك نتطرق إلى عدد من الآيات الواردة في شأن الأنبياء عليهم السلام .

الأولي : مريم بنت عمران عليها سلام الله قال تعالى : (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذْ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا، فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا)(مريم 16 و 17). فابتعدت من أهلها إلى المكان الشرقي ثم المكان القصى فوهبها الله عيسى عليه السلام .

الثانية : إبراهيم عليه السلام (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاَّ جَعَلْنَا نَبِيًّا)(مريم/49). فالنبيان أعني إسحاق و يعقوب هما نتيجة للاعتزال الإبراهيمي كما أن النبوة هي رحمة خاصة شملتهما جراء اعتزال أبيهما عليه السلام .

الثالثة: زكريا :   (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ)(آل عمران40 و 41)

هذا وأهمّ من ذلك كلّه العزلة النبوية إلى مقام (قاب قوسين) ثم الاعتزال عن خديجة عليها السلام أربعين صباحاً ، فيا ترى ماذا كان الهدف من ذلك ؟ إنّه من أجل موهبة عظيمة ألا و هي الحوراء الإنسية عليها سلام الله ، وقد ورد في التأريخ: لما عُرج به الى السماء وتناول التفاحة التي تحولت الى نطفة فاطمة الزهراء في صلبه وهبط الى الأرض لم يواقع خديجة عليها السلام ألا بعد أربعين يوماً حيث جاء النداء : يامحمد العلي يقرؤ عليك السلام وهو يأمرك أن تعتزل عن خديجة أربعين صباحاً ، فشق ذلك على النبي لأنه كان محباً لها قال لهاياخديجة لاتظني أن أنقطاعي عنك (هجرةٌ ) ولاقلى (البغض) ، ولكن ربي عزوجل أمرني بتنفيذ أمره ، فلا تظني ياخديجة إلا خيراً ، فإن الله عزوجل ليباهي بك كرام ملائكته كل يوم ، فإذا أجنك الليل ردي الباب وخذي مضجعك من فراشك فإني في منزل فاطمة بنت أسدثمّ أقبل جبرائيل وقاليامحمد ربك يقرؤك السلام ويأمرك أن تجعل الليلة أفطارك من هذا الطعام فكشف النبي عن الطبق فإذا عذق من رطب وعنقود من عنب ، فوثب رسول الله الى منزل خديجة  فقرع الباب قالت : من هذا الذي يقرع حلقة لايقرعها ألا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم ) فنادى الرسول بعذوبة كلامة وحلاوة منطقه فإني محمد  وهكذا ولدت الزهراء عليها السلام .

فسلام عليها يوم ولدت و يوم استشهدت و يوم تبعث حيّاً .

إبراهيم الأنصاري

يوم مولد الزهراء عليها السلام

يوم الجمعة 21 جمادي الثاني 1439

الساعة 8:15 صباحاً


جزيل الحباء: 18 ربيع الأول 1439 هـ - الموافق 07 ديسمبر 2017

ورد في زيارة أمير المؤمنين عليه السلام المخصوصة بهذا اليوم (مولد أخيه و نفسه رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم) (السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مِصْبَاحَ‏ الضِّيَاءِ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مَنْ خَصَّهُ النَّبِيُّ بِجَزِيلِ الْحَبَاء) وأيّةُ صفة هي أعظم من هذه الصفة أعني (مصباح الضياء)!

قال تعالى (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا ...)(يونس/5). فالقمر هو مصباح الضياء الذي ينتشر منه نور الشمس ولولا القمر لم نكن نتمكن من رؤية نور الشمس في الليل الأليل وهو ليل الدنيا (صَلِّ اللّـهُمَّ عَلَى الدَّليلِ اِلَيْكَ فِي اللَّيْلِ الأَلْيَلِ) فرغم أنّه صلى الله عليه و آله الدليل على الله في الليل ولكن لا تظهر دلالته إلا بمصباح الضياء و هو أمير المؤمنين عليه السلام بالإصالة و أولاده المعصومين عليهم السلام بالتبع.

قال سبحانه في توصيف الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله (وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا)(الأحزاب/46). فهو السراج الذي انتشر ضياءه فخرق حاجز الزمان و المكان حتى وصل إلى السماوات العلى و الأرضين السفلى وهذا يعني (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)(الأنبياء/107). فرحمته شاملة لكافة العوالم و جميع النشآت وهناك أيضاً للقمر أعني أمير المؤمنين عليه السلام دور رئيس في نشر الرحمة ، أما قرأت قوله تعالى (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا)(نوح/15). (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا)(نوح/16).فلم يجعل سبحانه نور القمر في سماء الدنيا فحسب بل انتشر نوره إلى السماوات السبع ذلك النور المشرق من السراج المنير و شمس عالم التكوين.

وبعد هذا البيان هل لك أن تتردد في الحديث التالي الذي أورد الكليني رحمه الله في الكافي : (عن ابى محمد عن ابى عبدالله (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله عز و جل: " والشمس وضحاها " قال: الشمس رسول الله (صلى الله عليه و آله) به أوضح الله عز وجل للناس دينهم، قال: قلت: والقمر اذا تلاها قال ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) تلا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونفثه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالعلم نفثا...) ".

أيّها العزيز : على ضوء ما ذكرنا تعرف عظمة الحبوة التي وردت في الزيارة (السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مَنْ خَصَّهُ النَّبِيُّ بِجَزِيلِ الْحَبَاء) فتأمّل.

وفقنا الله و إيّاكم معرفة محمد و علي كي ندعوهما بجدّ ( يا محمد يا علي يا علي يا محمد إكفياني فإنّكما كافيان و انصراني فانّكما ناصران) ومن ثمّ نتوجه إلى من يحقق تلك الإنجازات و نقول من صميم قلوبنا (يا مولانا يا صاحب الزمان الغوث الغوث ....)

خادم أهل البيت عليهم السلام

إبراهيم الأنصاري البحراني

17 ربيع الأول 1439(مولد الرسول الأكرم ص و الإمام الصادق ع)

 

الساعة 11 صباحاً