• عنواننا في التلغرام : https://telegram.me/al_kawthar الإيميل : alkawthar.com@gmail.com
  • اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا اَبا عَبْدِاللهِ وَعَلَى الاَْرْواحِ الَّتي حَلَّتْ بِفِنائِكَ عَلَيْكَ مِنّي سَلامُ اللهِ اَبَداً ما بَقيتُ وَبَقِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَلا جَعَلَهُ اللهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنّي لِزِيارَتِكُمْ ، اَلسَّلامُ عَلَى الْحُسَيْنِ وَعَلى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَعَلى اَوْلادِ الْحُسَيْنِ وَعَلى اَصْحابِ الْحُسَيْن ِ (اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه و على آبائه في هذه الساعة و في كل ساعة وليا و حافظا و قائدا و ناصرا و دليلا و عينا حتى تسكنه أرضك طوعا و تمتعه فيها طويلا)

التعرض للنفحات المهدوية (الحلقة الثانية) 26 ربيع الثاني 1440 هـ - الموافق 04 يناير 2019

أقول :

إنّ الله سبحانه هو الذي يجيب على هذا السؤال في قوله :(أقم الصلاة لذكري) فماذا يعني الذكر؟

للذكر درجات ، أقلها المعنى المعروف و لكن ليس لهذا المعنى ثمرة كبيرة ، الدرجة العالية للذكر هي أن  ينطلق الإنسان إلى (المحضر الربوبي) فذكرُ الله يعني أن يرى المؤمن نفسه بين يدي ربّه كأنّه يراه .

تقول لصديقك أنا عشر سنوات أذكرك و لا أنساك يقول لك :

 بدلاً من أن تذكرني ، لماذا لم تزرني و لو مرة واحدة، ليتحقق الذكر من خلال اللقاء الحضوري؟

والمصداق البارز للذكر وهو الحضور يتحقق في الصلاة  فهو أفضل آلية للقاء المعشوق و الحضور في محضره (أقم الصلاة لذكري) .

هذا و للحضور لدى المعشوق آثار كبيرة وثمرات عظيمة فمثلا كلما تزور عالماً ربّانياً تلاحظ أنّ علم العالم يجري إليك و صفاته تنتشر نحوك وأخلاقه وحالاته تترشح إلى روحك. فكيف بالحضور لدى ربّ العالمين ففيه بركات عظيمة لا يعلمها إلا الله تعالى .

ولو لاحظت آية النور لرأيت فيها آيتين إحداها قد ورد فيها (ذكر الله) وهي قوله :(رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ)(النور/37). والأخرى (ذكر اسم الله) و هي: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ)(النور/36).

وقد ورد في الحديث عن أبي عبد الله: نحن والله الأسماء الحسنى.

فذكر أهل البيت هو ذكر اسم الله تعالى (محضر أهل البيت عليهم السلام) فتعال معي لننطلق إلى الطريق الذي يوصلنا إلى محضر أهل البيت عليهم السلام ، فحينئذٍ ليس من الضروري أن تشاهد جسم الإمام عليه السلام أو تسمع صوته، بل ينبغي أن ترفع الموانع الروحية كي تحس بأنّك في محضر الإمام المهدي روحي فداه، وتنسجم مع روح الإمام ليتحقق لديك مفهوم (أرواحكم في الأرواح) ففي عالم الأرواح لا صوت و لا صورة ولا شكل و لا رسم بل المقام أجلّ و أعظم من ذلك،  كتواجدك في محضر الشمس من دون أن ترى الشمس، ففي فصل الشتاء حينما تحسّ بالبرد تذهب إلى خارج الغرفة فتجلس في محضر الشمس، فكل لحظة و أنت معرّض نفسك لضوء الشمس تحسّ بأنّ حرارتها قد أثّرت في وجودك بحيث تدرك ذلك وكأنّك تسبح في نورها، فالآثار الإيجابية لنور الشمس هي أدلّ دليل على أنّك متواجد في محضرها، فلا تبحث حينئذٍ عن الشمس و لا تفكّر في رؤيتها .

هذا : وحينما تكون في محضر الإمام المهدي عجّل الله فرجه فكأنّك متواجد في محضر ربّك سبحانه ، إحساسك حينئذٍ لا يوصف ، تشاهد بكلّ وجودك بأنّ التزكية و الطهارة تتنزّل عليك كالمطر فتزيل منك الأرجاس و الأنجاس و التعلقات المادية ، فتعيش في حالة روحانية تشعر بالتغييرات التي تحصل في وجودك و أنت في محضر الإمام فتتحوّل من حالة سوء إلى أحسن حال وتتحقق مصداقية الدعاء(غيّر سوء حالنا إلى حسن حال).

كما أنّك تشعر بالفيوضات الربانية التي تتوجّه إليك فتتحقق فيك بعد أن تزال الحجب الظلمانية عنك ، لا ترى الله ولكن تحس بألوهية الله  لا ترى المهدي و لكن تدرك هداية المهدي ، كلّ ذلك يتمّ في الصلاة ، ولذلك تشتاق إلى تطويل الصلاة ليطول تواجدك في محضر الله و محضر الإمام المهدي روحي فداه .

فذكر اسم الله هي النافذة التي من خلالها نقع في محضر الله كالنافذة التي تفتحها كي يصل إليك نور الشمس ، وكونك في محضر النافذة هو نفس كونك في محضر نور الشمس لا غير، فكلاهما يقعان في مسير واحد .

فالمسير للوصول إلى الله هم أهل البيت عليهم السلام بحيث أنّ الرسل ايضا لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه إلا من خلال أهل بيت العصمة و الطهارة عليهم السلام .

ندعوا الله أن يمنحنا هذه النعمة العظيمة التي لا نعمة أعظم منها بحق ولي النعمة إمامنا صاحب الأمر عجّل الله فرجه .


التعرض للنفحات المهدوية (الحلقة الأولى) 25 ربيع الثاني 1440 هـ - الموافق 03 يناير 2019

التعرض للنفحات المهدوية

كم من القصص التّي نقلت إلينا عمّن حظي بلقاء صاحب الأمر الإمام المهدي عجّل الله فرجه الشريف، وهو أمر عظيم وأمنية كلّ من يواليهم عليهم السلام، ندعوه سبحانه أن يوفّقنا لذلك و لو بنظرة واحدة.

وعند ملاحظة هذه الحكايات نشاهد أنّ الذين تشرفوا بلقائه عليه السلام هم على صنفين:

العوام من الناس والخواص منهم أعني العلماء.

فعند التركيز في طلبهم نشاهد أنّ العامّة لا يطلبون من إمامهم إلا أموراً تتعلق بأجسامهم كالشفاء من الأمراض و طلب الأولاد و أيضاً مثل التوفيق لحج بيت الله الحرام و ما شابه ذلك مع أنّ أضرحة الأئمة عليهم السلام بل أولادهم و أحفادهم وكذلك الأولياء الصالحون هي الكفيلة لمثل هذه المطالب فهي ملجأ لشيعتهم، والكرامات التي صدرت منهم لا تعدّ و لا تُحصى! فلماذا إذن الإصرار على لقاء الإمام عجّل الله فرجه.

 وأمّا العلماء والفقهاء فينبغي أن يطلبوا من إمامهم أموراً معنوية و حقائق علمية و حلّ المعضلات وغوامض الدين!

ولكن المفاجأة الكبرى هي أنّنا لا نلاحظ شيئاً من هذه الأمور في طلباتهم وأكثرها نفس الحاجات التي يسعى عامّة الناس في الحصول عليها من إمامهم الغائب،  اللهم إلا القليل منهم كأبي الرمّانة (الشيخ محمد بن عيسى رحمه الله) حيث التجأ إلى الإمام في أمر كان ذا أهميّة كبيرة يختص بكيان المذهب و الأمّة في البحرين .

وهناك البعض من هؤلاء العلماء قد ركزّ على أمور تتعلق بظواهر الشريعة حكماً أو مصداقاُ!

هل قرأت قصّة السيد مهدي بحر العلوم رحمه الله في مسجد السهلــة حيث استمع إلى مناجاة الإمام متلذذاً ثمّ لم يُنقل عنه أنّه طلب شيئاً ما من علومه اللدنية من إمامه عجل الله فرجه.

هذا:

ونحن لا نريد إنكار موضوع التشرّف بلقاء الإمام المهدي عجّل الله فرجه أبداً و لا نريد أن ننكر ما نقله القوم في كتبهم عمّن تشرّف بلقائه، علماً بأنّ الكثير منهم تشرف بلقاء و ليّ من أولياء الله ظنّا منه أنّه الإمام المهدي المنتظر عجّل الله فرجه.

أريد القول بصريح الكلمة أنّ هذه التشرُّفات لم تنتج لنا نتيجةً مفيدةً و لم تحرّك ساكناً، فلم ينقلوا عن إمامنا شيئاً من العلوم ولم يكن لهم دور في تغيير أوضاعنا السيء إلى أحسن حال بل وأكثر ما نقل لنا مطالب عامية لا تسمن ولا تغني من جوع .

توضيح:

فلو فرض أنّ خطاطاً دخل في قاعة أفراح جميلة، يا ترى ما هو الشيء الذي يركّز عليه في بادئ البدء ؟ إنّه يلاحظ الخطوط الجميلة المنقوشة فيها. و أمّا المعمار فلا يلاحظ إلا الجوانب الهندسية وهكذا، فكلّ حسب تخصصه و ذوقه و مهنته.

والفقيه الذي يمضي جلّ أوقاته في الدراسة و التدريس لماذا لم يركّز على الجانب العلمي وطرح التساؤلات و الشبهات على الإمام الحجّة أرواحنا فداه ليلتقى جواباً يفيد الأمّة؟

أين تلك العلوم والحقائق وهل هذه اللقاءات قد كانت لها الدور في رؤى ذلك الفقيه الذي تشرّف بلقاء الإمام؟

أين الأبحاث النورانية المنقولة من مجلس الإمام عجل الله فرجه حين اللقاء و هل يبخل الإمام في ذلك ؟ حاشاه.

ولا شك لو كان العالم الذي استقي من علم الإمام حتّى ولو كلمة واحدة لجعله محوراً لأبحاثه وكتاباته ودروسه بحيث كان يركّز عليه دائماً ولكن مع الأسف لا نشاهد ذلك عنهم.

فيا ترى ما الذي ينبغي لنا أن نستفيد من الإمام الحجّة في عصر الغيبة؟ وما هو الشيء المفيد و الصحيح في موضوع الارتباط به؟ و كيف تكون آلية ذلك ؟

هذا ما سنجيب عليه و الحلقة الثانية ... فانتظر .


السلوك التنزيهي 23 ربيع الثاني 1440 هـ - الموافق 01 يناير 2019

السلوك التنزيهي:

يرمي قطرات من الماء في البحر فيقول: أنا قد أضفت شيئا من الماء على مياه البحر ويفتخر بذلك و يتباهى وهو من الفرحين المسرورين!  كم يستحق أن ينسب إلى هذا الرجل من العقل؟ إنّه الأحمق بعينه!  ماذا فعلت يا هذا ؟

هكذا في سائر الحركات و التصرفات و ما نسميها بالإنجازات ، يا عزيزي لا تظننّ أنّ لك دوراً في تحريك ساكن في هذا الكون، فأترك الأنانية و تخلّى عنها وتوّجه إلى خالقك الذي خلق كلّ شيء و أتقنه.

وهذا هو أفضل طريق للسير و السلوك إلى الله تعالى،  بمعنى أنّ الإنسان لا يرى لنفسه محلا من الإعراب أبداً فحينئذٍ سوف يكون لسان حال نفسه ( إلهي لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً ) وهذا لا يعني أنّه يتخلّى عن الرؤية الإيجابية بالمرّة ، كلا ! بل رغم رؤيته الإيجابية و عدم يأسه من رَوح الله إلا أنّه لا يرى لنفسه أيّةَ استقلالية، ولا يعظم أفعاله مهما كبرت ويترك الأمر إلى ربّه فهو الذي يعظمها رغم صغرها و يثيب عليها رغم عدم استحقاقها للثواب.

أهم آثار هذا النوع من السلوك هو أن ينشرح الصدر للإسلام بحيث يتقبل القيم الدينية و يتعبّد بها ولا يقلل من شأنها (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ ...)(الزمر/22).

إنّ أبرز صفة للسالك هنا هو الاتكاء على الجانب التنزيهي أعني النفي ( لا أتمكن ، لم أتمكن ، لم أفعل ، لا أفعل ، ليس هذا منّي ...) وهذا النمط من السلوك هو الذي أوصل الإمام الخميني رضوان الله عليه إلى تلك المنزلة وذلك القرب إلى الله، فهو رضوان الله عليه كان على نور من ربّه ، لاحظ ماذا يقول :

(من المؤسف جداً آلاف المرات أنّي قدمت إلى هذا العالم وأنا مستغرق في بحار هوى النفس، وملتصق بالأرض المادية، ومقيّد بالشهوات وأسير للبطن والفرج، وغافل عن عالم مُلك الوجود، وسكران بسكر الأنانية والذاتية. من المؤسف أني سأفارق هذا العالم، ولم أدرك شيئاً من محبّة الأولياء، ولم أفهم شيئاً أبداً من جذباتهم وجذواتهم ومنازلهم ومغازلاتهم، بل كان حضوري في هذا العالم حضوراً حيوانياً، وحركاتي حركات حيوانيةً وشيطانية. وعليه فسيكون موتي أيضاً حيوانياً وشيطانياً. اللهمّ إليك المشتكى وعليك المعوّل).

و رغم عمق رؤيته التفسيرية يقول : (إن تفسير القران ليس من المهام التي يستطيع أمثالنا أداء حقها)

لاحظ كيف يبعد عن نفسه كلّ المحسّنات والإنجازات، بخلاف البعض الذي ينسب كلّ خير إلى نفسه ويعتقد أنّ الخير قد تحقق بإرادته و عزمه وهو جاهل بالجهل المركّب .

فهذه الكلمات لم تصدر من الإمام ره  من باب المجاملة كما يتصوّر البعض،  بل هي حقيقة انبعثت من باطن روح هذا العارف الرباني .

كما أنّ هذا ليس من باب اليأس و النظر السلبي للأعمال ،  بل كانت نظرته إيجابية و نفسه مطمئنة إلا أنّه كان ينطلق إلى الله من خلال ترك الأنانية، وبذلك تمكن من فتح الطريق إلى الله لا لنفسه و أصحابه بل للمسلمين كافة،  واستطاع أن  يكتسب النور من الملكوت الأعلى و أن ينشره في أرواح المؤمنين ، هذا البصيص من النور الذي أصاب المؤمنين من خلال ذلك الروح الراقي للإمام  كان أثره الثورة الإسلامية المباركة بجميع أبعادها و زواياها وهي أول مرحلة من سطوع النور الإلهي على الأمّة ، ولن يتوقف النور في هذه المرحلة بل هو في حال الانتشار، وفي هذه المرحلة من دون واسطة الفقيه بل من خلال السعي نحو الإمام الحسين عليه السلام في زيارة الأربعين، وهو بعينه استمرار للسلوك التزيهي المتجلي تماماً في هتافات عشّاق أبي عبد الله عليه السلام (حياتنا حسين ، مماتنا حسين) فهم لا يرون في  أنفسهم أيّةَ أنانية أبداً سوى حبّ أبي عبد الله الحسين عليه السلام، وهذا هو القمّة في التنزيه الذي ورد في الزيارات ،  لاحظ هذا المقطع من الزيارة الجامعة الكبيرة (طَأطَاَ كُلُّ شَريفٍ لِشَرَفِكُمْ، وَبَخَعَ كُلُّ مُتَكَبِّرٍ لِطاعَتِكُمْ، وَخَضَعَ كُلُّ جَبّارٍ لِفَضْلِكُمْ، وَذَلَّ كُلُّ شَىْءٍ لَكُمْ، وَاَشْرَقَتِ الاْرْضُ بِنُورِكُمْ) ثمّ تمعن في قوله (بِأَبِي أَنْتُمْ وَ أُمِّي وَ نَفْسِي وَ أَهْلِي وَ مَالِي ).

رزقنا الله و أيّاكم ترك الأنانية بخلع نعلي الدنيا للوصول إلى الوادي المقدس طوى .

إبراهيم الأنصاري

البحرين، جبلة حبشي

24 ربيع الثاني 1440

1/1/2019

الساعة 11 مساءً

 

 


مختلف الملائكة 14 ربيع الثاني 1440 هـ - الموافق 23 ديسمبر 2018

لو سألتني عن مهمّة الملائكة و دورهم الرئيس في عالم التكوين و التشريع لأجبتك في كلمة واحدة وهي أنّهم جميعاً : (عمّال الباري جلّ وعلا) وهو ما ذكره سبحانه (فالمدبرات أمرا) وذلك في أربعة أصعدة  وهي:

مع الناس عامة و  مع المؤمنين خاصة و مع الكفرة والفساق و مع بقية المخلوقات من غير البشر.

فلهم دور في تكوين الإنسان، كما في حديث أبي ذر الغفاري أن الرسول صلى الله وآله  قال: (إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً، فصوّرها، وخلق سمعها وبصرها، وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: أي رب: أ ذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما يشاء ويكتب الملك) وأيضاً لديهم مهمّة حراسة ابن آدم ، وبعضهم سفراء الله لرسله  و هو جبريل ، كما أنّ من مهامهم نزع أرواح العباد وهو يختص بعزرائيل عليه السلام، والصلاة على المؤمنين و تسديدهم ،, والاستغفار لهم وشهود جنازتهم.  كما أنّ للجبال ملكا موكلا بها، وللقِطر والنبات ملك موكل بهما، و هو ميكائيل كما أنّ للسحاب ملكا موكلا بها ، وقد جمع الإمام السجّاد عليه السلام ذلك في  دُعَائِهِ في هذا الصدد فقال :( وَ خُزَّانِ الْمَطَرِ ، وَ مُشَيِّعِي الثَّلْجِ وَ الْبَرَدِ وَ الْهَابِطِينَ مَعَ قَطْرِ الْمَطَرِ إِذَا نَزَلَ، وَ الْقُوَّامِ عَلَى خَزَائِنِ الرِّيَاحِ وَ الْمُوَكَّلِينَ بِالْجِبَالِ فَلاَ تَزُولُ، وَ الَّذِينَ عَرَّفْتَهُمْ مَثَاقِيلَ الْمِيَاهِ وَ كَيْلَ مَا تَحْوِيهِ لَوَاعِجُ الْأَمْطَارِ وَ عَوَالِجُهَا، وَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ وَ الْحَفَظَةِ الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ وَ مَلَكِ الْمَوْتِ وَ أَعْوَانِهِ وَ مُنْكَرٍ وَ نَكِيرٍ ... الخ)

هنا ينشأ سؤال آخر وهو :

أنّ الملائكة سواء المقربين أو الموكلين ينبغي أن يتفرغوا لتأدية مهامّهم فماذا يعني قول أبي عبد اللّه الحسين عليه السّلام حين خروجه من المدينة:

(نحن أهل بيت النبوّة و معدن الرسالة و مختلف‏ الملائكة) وأيضا (عن الصَّادِقَ عليه السلام نَحْنُ شَجَرَةُ النُّبُوَّةِ- وَ مَعْدِنُ الرِّسَالَةِ وَ مُخْتَلَفُ‏ الْمَلَائِكَةِ) و (عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام  قَالَ :... نَحْنُ الَّذِينَ إِلَيْنَا مُخْتَلَفُ‏ الْمَلَائِكَةِ) وفي زياراتهم عليهم السلام ( مَوْضِعُ الرِّسَالَةِ وَ مُخْتَلَفُ‏ الْمَلَائِكَةِ)

وهل (مختلف الملائكة ) يعني أنّهم يترددون إليهم للسلام و التحيّة و عرض الأعمال فقط!

أقول :

ليس كذلك ، بل الملائكة تأتي لتكتسب الإذن و الحكم منهم في تدبير الأمور، فهي تتلقى الأوامر فتنفّذها، فلا يتحقق شيء في عالم التكوين و التشريع إلى بإذنهم ورضاهم عليهم السلام ، الذي رضا الله تعالى بعينه.

ففي ليلة القدر يتلقون الحكم و التقدير من صاحب الأمر للسنة بنحو كلّي و بعد ذلك يتمّ ذلك تفصيلا.

فهم عدل القرآن الكريم (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ)(هود/1).

و في هذا المجال وردت أحاديث كثيرة  كما أنّ الأدعية و الزيارات تؤكّد على ذلك ، ففي زيارة الجامعة الكبيرة (بِكُمْ فَتَحَ اللهُ وَبِكُمْ يَخْتِمُ، وَبِكُمْ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ، وَبِكُمْ يُمْسِكُ السَّماءَ اَنْ تَقَعَ عَلَى الاَرْضِ اِلاّ بِاِذْنِهِ، وَبِكُمْ يُنَفِّسُ الْهَمَّ وَيَكْشِفُ الضُّرَّ) وأيضاً (وَ بِکُمْ تُنْبِتُ الْأَرْضُ أَشْجَارَهَا وَ بِکُمْ تُخْرِجُ الْأَرْضُ [الْأَشْجَارُ] أَثْمَارَهَا وَ بِکُمْ تُنْزِلُ السَّمَاءُ قَطْرَهَا وَ رِزْقَهَا- وَ بِکُمْ یَکْشِفُ اللَّهُ الْکَرْب).

فيا عزيزي: تعرّف على إمامك جيّداً فهو الواسطة في تحقق كل الأمور بلا استثناء حتى اختيارك أنت! فتأمّل ... فلا يرزق كائن و لا تسقط ورقة ولا يموت الأحياء و لا يحيى الموتى ولا يتنعم أهل الجنّة بنعمها إلا بأمرهم وحكمهم سلام الله عليهم و على جدّهم وأمهم وجعلنا وإياكم من شيعتهم وحشرنا في زمرتهم .

خادم خدامهم

إبراهيم الأنصاري البحراني

الأحد 15 ربيع الثاني 1440

الثامنة صباحاً


فقدان الماء المعين : 27 ربيع الأول 1440 هـ - الموافق 06 ديسمبر 2018

فقدان الماء المعين:

إنّ النبي يعقوب عليه السلام كان يعلم بأنّ ابنه يوسف عليه السلام حيّ لم يمت كما يستفاد من عدد من الآيات المباركة كقوله:

(... فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) (يوسف/18). (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) (يوسف/84). (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)(يوسف/86). (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ ...) (يوسف/87). وقوله: (وَلَمَّا فَصَلَتْ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَنْ تُفَنِّدُونِ)(يوسف/94). (...قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) (يوسف/96).

فإذن ما هو سبب بكائه المستمر و الشديد على يوسف حتى ابيضت عيناه من الحزن وهو كظيم ، بحيث أنّه قدّ عدّ من البكّائين الخمسة  كما ورد في حديث الإمام الصادق عليه السلام (وَ أَمَّا يَعْقُوبُ فَبَكَى عَلَى يُوسُفَ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهُ ... )وسائل الشيعة  3 / 280

أقول:

السبب الرئيس في هذا هو الخوف على يوسف لا لأنّه ابنه بل لأنّه  نبيّ من الأنبياء ، فكان يخاف عليه من أن يصيبه أذًى يضرّ به ، و بالنتيجة لا يتحقق ذلك الإنجاز العظيم الذي كان يريده سبحانه من خلال التغيير الجذري في المجتمع الفرعوني المشرك وتطهيرهم من عبادة الأوثان و استبدال المجتمع إلى امّة واحدة تحكمها القوانين الإلهية و التعاليم الربانيّة.

هذا:

وكما قال تعالى (لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ)(يوسف/7). القصّة بحذافيرها آية لما وقع و ما سيقع وأهم ما سيحدث هو غيبة الإمام المهدي عجّل الله فرجه و معاناته الشديد الذي لو قويس معانات يوسف بما يتجرّعه الإمام الحجّة أرواحنا فداه كان كالقطرة في المحيط .

ولذلك طالما كان أئمّتنا عليهم السلام يذكرون الإمام الثاني عشر ويتحسّرون عليه كما تدلّ على ذلك عشرات الأحاديث و الأدعية نذكر حديثا واحداً فقط ، فقد روى الشيخ الصدوق في كتاب عيون أخبار الرضا وكمال الدين بأسانيده عن مولانا الإمام أبي الحسن علي الرضا عليه السلام أنه قال: (.. بأبي سمي جدي وشبيهي وشبيه موسى بن عمران _عليه السلام_ عليه جيوب النور تتوقد بشعاع ضياء القدس، كم من حرى مؤمنة وكم من مؤمن متأسف حيران حزين عند فقدان الماء المعين..) وهذا  إشارة إلى  قوله تعالى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ)(الملك/30). ( وفي الحديث عن على بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) في قول الله عزوجل: قل أرأيتم ان اصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين قال: ... إن اصبح امامكم غائبا فمن يأتيكم بإمام مثله.)

ونحن الشيعة أتباع أهل البيت عليهم السلام ينبغي لنا الاقتداء بأئمتنا عليهم السلام في هذا الأمر، وقد أكّدوا عليهم السلام على البكاء و الصراخ   كما ورد في دعاء الندبة ( فَعَلَى الاْطائِبِ مِنْ اَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ وَعَلِيٍّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِما وَآلِهِما فَلْيَبْكِ الْباكُونَ ) . وفي نفس الدعاء قد بيّنوا سرّ هذا البكاء تفصيلا نشير إلى أهمّها ضمن عناوين عامّة وهي :

* البكاء من أجل فقدان من يتصف بالصفات المميزة الربّانية التّي ورثها من آباءه الطاهرين (صالِحٌ بَعْدَ صالِـحٍ، وَصادِقٌ بَعْدَ صادِقٍ)   إلى قوله (اَيْنَ بَقِيَّةُ اللهِ الَّتي لا تَخْلُو مِنَ الْعِتْرَةِ الْهادِيـَةِ)

* لأنّهم عليهم السلام ظُلموا ولم يُنتقم من الظالمين فلم يبرد غليل قلوبهم و قلوب شيعتهم ( اَيـْنَ الـْمُعَدُّ لِـقَطْعِ دابِرِ الظَّلَمَةِ ... الخ) وأيضاً (اَيْنَ قاصِمُ شَوْكَةِ الْمُعْتَدينَ الخ ..)

* الحزن والبكاء على دين الله المتمثل في الإسلام المحمّدي الأصيل ذلك الإسلام الذي أريقت الدماء الطاهرة من أجله ، و ضحّى في سبيله الأنبياء و الأوصياء و الأئمة الأطهار ولم ير الشمس بعدُ (اَيْنَ الْمُدَّخَرُ لِتَجْديدِ الْفَرآئِضِ و َالسُّنَنِ ... إلى قوله (اَيْنَ مُؤَلِّفُ شَمْلِ الصَّلاحِ وَالرِّضا).

* أخذ ثار الإمام الشهيد المظلوم مرضوض الجسد مرفوع الرأس مقطع الأعضاء بوحده يكفي لتبرير البكاء و الصراخ و العويل للإمام المنصور ( اَيْنَ الطّالِبُ بِذُحُولِ الاْنْبِياءِ وَاَبْناءِ الاْنبِياءِ، اَيْنَ الطّالِبُ (المُطالِبُ) بِدَمِ الْمَقْتُولِ بِكَرْبَلاءَ، اَيْنَ الْمَنْصُورُ عَلى مَنِ اعْتَدى عَلَيْهِ وَافْتَرى) و زيارة عاشوراء تنصف في هذا الأمر.

* البكاء على حالة الخوف و الاضطرار الذي يتعايشه الإمام الغائب روحي فداه ( اَيْنَ الْمُضْطَرُّ الَّذي يُجابُ اِذا دَعا ... الخ ) فحري أن نخاطبه بهذا الخطاب : (بِاَبي اَنْتَ وَاُمّي وَنَفْسي لَكَ الْوِقاءُ وَالْحِمى) كيف لا و هو (بْنَ السّادَةِ الْمُقَرَّبينَ ... الخ)

* وهنا يظهر لنا بيت القصد وينجلى سرّ البكاء و العويل (ليْتَ شِعْري اَيْنَ اسْتَقَرَّتْ بِكَ النَّوى، بَلْ اَيُّ اَرْض تُقِلُّكَ اَوْ ثَرى، اَبِرَضْوى اَوْ غَيْرِها اَمْ ذي طُوى عَزيزٌ عَلَيَّ اَنْ اَرَى الْخَلْقَ وَلا تُرى ... الخ ) ويتجلّى العشق بالإمام المهدي روحي فداه ( اِلى مَتى اَحارُ فيكَ يا مَوْلايَ وَاِلى مَتي، وَاَىَّ خِطابٍ اَصِفُ فيكَ وَاَيَّ نَجْوى) وتنقلب حالة المؤمن وكأنّ يشاهد إمامه كيف يكابد الشدائد في أمواج الفتن والظلم على الأمّة (عَزيزٌ عَلَيَّ اَنْ اَبْكِيَكَ وَيَخْذُلَكَ الْوَرى، عَزيزٌ عَلَيَّ اَنْ يَجْرِيَ عَلَيْكَ دُونَهُمْ ما جَرى، هَلْ مِنْ مُعينٍ فَاُطيلَ مَعَهُ الْعَويلَ وَالْبُكاءَ...) فلا حيلة حينئذ إلا الإلتجاء إلى الله و التوّجه إليه تعالى (اَللّـهُمَّ اَنْتَ كَشّافُ ْالكُرَبِ وَالْبَلْوى، وَاِلَيْكَ اَسْتَعْدى فَعِنْدَكَ الْعَدْوى، وَاَنْتَ رَبُّ الاْخِرَةِ وَالدُّنْيا، فَاَغِثْ يا غِياثَ الْمُسْتَغيثينَ عُبَيْدَكَ الْمُبْتَلى، وَاَرِهِ سَيِّدَهُ يا شَديدَ الْقُوى ...)

فيا حبيبي لا تغفل عن إمامك طرفة عين أبداً واسع لتعزيز العلاقة به كيما تتجاوز الحدود و تصل إلى  الفناء في المهدي عجّل الله فرجه ، و لا تشكّ حينئذٍ بأنّه سوف يحتضنك ويوصلك إلى (مقعد صدق عند مليك مقتدر) .

 

عاشق خدّامهم

إبراهيم الأنصاري البحراني

البحرين – جبلة حبشي

5/12/2018

الساعة السابعة صباحاً


حقّ الرسول محمّد 10 ربيع الأول 1440 هـ - الموافق 19 نوفمبر 2018

حق الرسول محمد (ص):

لك أن تسأل:

علماً بأنّ الأحاديث تؤكّد على أنّه لابد من المعرفة قبل الزيارة فكيف يمكنني أن أتعرّف حق الرسل والأنبياء وحق الأئمة والأوصياء عليهم السلام؟

أقول: هناك حقّ مشترك عام وحقّ يختص بكلّ على حدة ، فبخصوص الحق الخاص أقول:

إنّ أهم الأبعاد التي لو وصلنا إليها فقد تعرفنا على حقّهم هو:

(دور كلّ واحد منهم في التمهيد لظهور المصلح الذي به يُظهر الله الدين على الدين كلّه أعني الحجّة بن الحسن المهدي عجّل الله فرجه)

فلنبدأ بالرسل:

نوح عليه السلام: هيّأ للأمّة وسيلة الانطلاق نحو الدولة المباركة من خلال صنع السفينة.

إبراهيم عليه السلام: حقّق الأسس والقواعد الميدانية للانطلاق نحو المهدوية.

موسى عليه السلام: جسّد لنا نموذجاً عينياً للدولة المباركة وتبعه على ذلك كل من النبي داوود وسليمان عليهما السلام.

وعيسى عليه السلام: فاهم ادواره، التبليغ والارشاد و التبشير بتلك الدولة العظيمة، كما أن هناك مسؤليات خطيرة على عاتقه، منها: احياء الموتى واخراج الناس من قبورهم في الرجعة، وايضا سوق جميع اتباعه المسيحيين الى صاحب الامر حين ظهوره.

ومحمّد صلى الله عليه وآله: قد رسم لنا الشريعة من الفرائض و السنن، ذلك الدين الذي سوف يظهره الله على الدين كلّه و لو كره المشركون، رغم الاعوجاج الذي حصل فيه بسبب استيلاء الظالمين، فالإمام المهدي عجّل الله فرجه سيجدد معالم الدين كما ورد ذلك في الأحاديث و الأدعية، وفي دعاء الندبة (اَيْنَ مُحْيي مَعالِمِ الدّينِ وَاَهْلِهِ،)(أيْنَ الْمُدَّخَرُ لِتَجْديدِ الفرائض و َالسُّنَنِ، اَيْنَ الْمُتَخَيَّرُ لإعادة الْمِلَّةِ وَالشَّريعَةِ، اَيْنَ الْمُؤَمَّلُ لإحياء الْكِتابِ وَحُدُودِهِ)

وأمّا أمير المؤمنين عليه السلام: فله أدوار عديدة في تلك الدولة الكريمة نذكر عناوين بعض تلك الأدوار:

١-كونه أمير المؤمنين وولي حزب الله في قبال إبليس الذي هو أمير الفاسقين وولي جزب الشيطان، فهو عليه السلام يتولّى القبض على إبليس و القضاء عليه في آخر حرب بين جنود الحقّ و الباطل.

٢-أسد الله الغالب علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام هو تلك القسورة التّي ستقضي على كلّ الطغاة الذين يرجّحون الفرار على البقاء فيشردون كأنّهم حمر مستنفرة.

٣-وهو الأهمّ، إنّه الفاروق الأعظم، وصاحب الميسم، والدابة التي تخرج حين يميّز بين الحق والباطل بجميع أبعادهما ليقضي على كلّ ناكث وقاسط ومارق. وبذلك أعني إبادة العتاة والمردة سوف يتحقق الإنجاز العظيم وهو استئصال جميع أهل العناد والتضليل والإلحاد.

وأمّا فاطمة عليها السلام: فهي الأسوة الحسنة لمهدي الأمّة يقتدي بها في حركته و ثورته ضدّ المنافقين المتظاهرين بالدين و النسك، من دون تقيّة أبداً .

وأمّا الإمام الحسن عليه السلام: فدوره مهمّ للغاية حيث أنّه قد خلق روح الصبر في قلوب الأولياء ليتواصوا به الناس (وتواصوا بالصبر) وهو الانتظار بعينه الذي يعدّ أفضل عبادة. والذي لولاه لكان من المستحيل تحقّق الرؤية الصادقة أعني الدولة الحقّة التي بها يملأ الله الأرض قسطاً وعدلا بعد ما ملئت ظلماً وجورا.

وأما الإمام الحسين عليه السلام: فقد احتمل أصعب وأعظم موقف من خلال تضحيته وفداه نفسه وأهل بيته وأصحابه ليخلق في الأمّة روح الشجاعة والإباء والحماس فهي بحاجة ماسة لها وبذلك تحمّست الأمّة وتشدد عزمها لأخذ الثأر بالارتباط بصاحب الثأر الإمام المنتقم المنصور.

وهكذا لكلّ إمام دوره في هذا الأمر المهمّ الذي لابد لنا أن نتعرّف عليه خصوصاً عند زيارتهم عليهم السلام.

أيّها العزيز: فاسع إلى معرفة حقّهم وأنت في مدرسة الدنيا لتتخرّج منها وأنت مهيّأ لنصرتهم عليهم السلام.

(وَنُصْرَتِي لَكُمْ مُعَدَّةٌ، حَتَّى يَحْكُمَ اَللَّهُ بِأَمْرِهِ وهُوَ خَيْرُ اَلْحَاكِمِينَ) (ونصرتي لَكُمْ مُعَدَّةٌ حَتّى يُحْيِىَ اللهُ تَعالى دينَهُ بِكُمْ، وَيَرُدَّكُمْ في اَيّامِهِ، وَيُظْهِرَكُمْ لِعَدْلِهِ، وَيُمَكِّنَكُمْ في اَرْضِهِ، فَمَعَكُمْ مَعَكُمْ لا مَعَ غَيْرِكُمْ)

إبراهيم الأنصاري

البحرين-المنامة

١١ ربيع الأول ١٤٤٠

الساعة ٦:٣٠ صباحاً


تأدية حق الإمام : 10 صفر 1440 هـ - الموافق 21 أكتوبر 2018

من هو السائل ؟ هو الذي يحسّ بالفقر و الفاقة ولا يرى نفسه قادراً على سدّها فيتوجّه إلى الغني ، ليمنحه من غناه .

 الصحراء القاحلة بلسان حالها تطلب المطر لتخضر ، والإنسان الجائع  يطلب الطعام بنظره قبل قوله ، فلا يشترط أن يتكلّم السائل فيظهر ما في قلبه ، و الجدير أنّ الإنسان ربّما لا يمكنه الوصول إلى أمنيته بمجرد الدعاء و الطلب القولي فينبغي حينئذِ أن يترجم دعائه بعمله كما فعلت هاجر في الوادي غير ذي زرع حيث تركهما إبراهيم بأمر من الله في ذلك الوادي القفر و حين نفد ما معهما من زاد وماء، جهدت وأتعبها البحث ساعية بين الصفا والمروة  حتى كان مشيها بينهما سبع مرات، فاستجاب الله دعائها حيث رجعت إلى ابنها فسمعت صوتًا؛ فضرب جبريل الأرض؛ فظهر الماء فشربت ودرت على ابنها .

على ضوئه أقول : كم دعونا بهذا الدعاء الوارد في آخر الندبة:

(وَ أَعِنَّا عَلَى تَأْدِيَةِ حُقُوقِهِ إِلَيْهِ، وَ الِاجْتِهَادِ فِي طَاعَتِهِ، وَ اجْتِنَابِ مَعْصِيَتِهِ، وَ امْنُنْ‏ عَلَيْنَا بِرِضَاهُ‏، وَ هَبْ لَنَا رَأْفَتَهُ وَ رَحْمَتَهُ، وَ دُعَاءَهُ وَ خَيْرَهُ، مَا نَنَالُ بِهِ سَعَةً مِنْ رَحْمَتِكَ، وَ فَوْزاً عِنْدَكَ)

يا ترى هل كان يجدي هذا الدعاء بمجردّ القول ، ولو كانت نيّة الداعي متعالية و إخلاصه رفيع ! لا أظّن أنّ أحداً يتجرأ أن يدّعي أنّه قد أدّى حقوق الإمام الحجّة عجل الله فرجه وفاز بذلك فوزاً عظيما .

ولكن مسيرة الأربعين بما فيها من تجليات ربّانية و انجذاب روحاني و نور ملكوتي قد ترجت تلك الأمنية العظيمة فرأت النور بعد ما كانت خافية في غياهب الظلام ، فيا لها من نعمة عظيمة قد تحقّق فيها تلك الطلبات الثمانية وبالنتيجة الفوز العظيم .

والأهم من ذلك هو الطلب الأوّل الذي قد تحقق قطعا من خلال زيارة الإمام الحسين عليه السلام كما يؤكدّ عليه الحديث التالي:

)‏ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ حَقَّ رَسُولِ اللَّهِ ص- وَ حَقَّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ حَقَ‏ فَاطِمَةَ ع- فَلْيَزُرِ الْحُسَيْنَ عليه السلام يَوْمَ عَاشُورَاءَ(  وسائل الشيعة ؛ ج‏14 ؛ ص477

 

 

 


الدعوة إلى الخير : 08 صفر 1440 هـ - الموافق 19 أكتوبر 2018

(الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ)(الحج/41).

هي أربعة خصال رئيسة في دولة الإمام المهدي عجّل الله فرجه بعد أن تستقرّ الأمور كما هو مستفاد من ظاهر الآية المباركة، يعززها رواية زيد بن علي عليه السلام (إذا قام القائم من آل محمد صلى الله عليه وآله يقول:  يا أيها الناس نحن الذين وعدكم الله في كتابه (الذين إن مكناهم في الارض أقاموا الصلوة وآتوا الزكوة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الامور)

وكلّ واحدة من هذه الأعمال لها دور رئيس في تعالي المجتمع المهدوي إلى القرب الإلهي و الكمال المطلوب .

فالصلاة من أجل الشكر لتتزايد النعم الفردية و الاجتماعية و حتّى للحصول على الرزق الإلهي من الأكل و الشرب ولذلك قال جلّ و علا (... كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ)(آل عمران/37).

والزكاة هي البركة والطّهارة والنّماء والصلّاح‏ ‏(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) [التوبة:103 ففي الدولة المباركة يتبادل المؤمنون الصفات الحسنة فيرتقوا إلى أن يصلوا إلى الجنّة (فروح و ريحان وجنّة نعيم).

والأمر بالمعروف  ليس هو بالقول بل بالفعل بحيث أن ّ المؤمن بفعله الحسن و شوقه إلى الخيرات و المستحبّات يدعوا إلى الخير ومن ثمّ يتحقق الأمر بالمعروف و كذلك النهي عن المنكر و هو عدم الميول إلى الذنوب بل و حتّى المكروهات وبذلك تتحقق مصداقية قوله تعالى (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)(آل عمران/104).

هذه الصفات نشاهدها في طريق كربلاء رأي العين ، نشاهد تبادل الخير و الصفات بين المؤمنين و الدعوة إلى الله بالعمل لا اللسان و تشجيع الناس إلى المعروف و ابعادهم عن المنكر ، وبذلك يرتقي كلّ من هو في هذا الطريق شاء أم أبى ، و يتعالى إلى السماء وينتشر (الودّ) بين المؤمنين (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَانُ وُدًّا)(مريم/96). ، الودّ الذي ينبع من قربى الرسول صلى الله عليه و آله (ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ)(الشورى/23). يا ترى لولا الأربعين هل كان هناك مصداق للآيتين ..

أيّها العزيز : فلا تترك المشيء إلى حرم سيد الشهداء فإنّ تركه خسارة لا يمكن أن تجبر .

إبراهيم الأنصاري

9 صفر 1440

الساعة العاشرة و النصف صباحا

البحرين – جبلة حبشي


المنصور على من اعتدى عليه: 08 صفر 1440 هـ - الموافق 19 أكتوبر 2018

لا شك أنّ الحادثة ا العظيمة المليونية في أرض العراق قبل العشرين من صفر ليست مجرد أمرٍ أراده الناس فتحقّق! بل ورائها يدٌ غيبيّة تقول للشيء كن فيكون.

ولكن يا ترى لماذا حدثت في هذا الزمن بالتحديد؟ وأي إنسان إلهيٍّ يُسيّرها ويديرها بهذه الدقّة و الحكمة و الحذاقة و الجمال.

لا شكّ بأنّها تنطلق من أحد المعصومين عليهم السلام، فمن هو ذاك؟ هل الإمام الحسين عليه السلام أم الإمام الحجّة عجلّ الله فرجه أم غيرهما.

أقول : بما أنّ للأربعين نوراً قد شرع في الانتشار و التوّسع وهو مستمرّ في ذلك ، فهو إذن ليس بنور أئمّة أهل البيت عليهم السلام المُشرق دائماً و أبداً (وأشرقت الأرض بنوركم) بل هو نور ملكوتي ما وراء الستار يشعّ على المؤمنين  في أيام و ليال محدّدة من أهمّها ليلة القدر، ولكن هذه المرّة قد أسفر هذا النور الأبلج في أيام معدودة تتزايد في كلّ عام، أصلها تتوقّد في يوم الأربعين وفرعها تنتشر قبل وبعد الأربعين، وأيضاً في أراضي محددّة تتوسّع كلّ عام مركزها كربلاء المقدّسة وفروعها بعض بلاد الإسلام كالشرق الأوسط ، و هي بسرعة النور! في حال التوسعة و الشمولية و الانتشار لتصل إلى أقصى بلاد الكفر كأمريكا و الصين وروسيا ! وستشاهد قريباً جميع العالم قد انقلب إلى كربلاء (كلّ أرض كربلاء).

إنّه نور الصديقة الطاهرة الحوراء الإنسية المنصورة في السماء و في الأرض فاطمة الزهراء سلام الله عليها فهي الكوكب الدريّ!

ولكن لو أردنا أن ندقّق النظر إلى هذا النور اللطيف الذي هو رَوح و ريحان وجنّة نعيم! وأن نتعرّف على معدنه لوصلنا إلى أنّه ينبع من اسم (المنصورة) و ذلك من أجل ظهور ابنها (المنصور) مهدي آل محمّد عجّل الله فرجه ، فهو وليّ دم جدّه سيد الشهداء عليه السلام ، قال تعالى: ( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا)(الإسراء/33).

ففي تفسير البرهان نقلا عن كامل الزيارات وعيون أخبار الرضا وتفسير القمي أحاديث مفصلة عن الباقر والصادق و الرضا عليهم السلام تؤكّد ذلك، نشير إلى بعض المقاطع منها فعن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله عز و جل: وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً.. الخ، قال: (نزلت في قتل الحسين (عليه السلام).

وعن الصادق عليه السلام قال: (ذلك قائم آل محمد (عليه وعليهم السلام)، يخرج فيقتل بدم الحسين (عليه السلام)، فلو قتل أهل الأرض لم يكن مسرفا الخ.)

و قال الإمام الرضا عليه السلام :( وإنما يقتلهم القائم (عليه السلام) إذا خرج، لرضاهم بفعل آبائهم..).

إبراهيم الأنصاري

9 صفر 1440

الساعة السادسة و الربع صباحاً

البحرين – جبلة حبشي

 

 

 


الرجل كل الرجل ! 03 صفر 1440 هـ - الموافق 14 أكتوبر 2018

كم فرق بين المرضعة الحاضنة  و بين الأم الحنون ، فهي ترضع الطفل من أجل الحصول على شيء من المال ، و لكن الأم رضاعتها تختلف تماماً هي تعشق ولدها فترضعه حبّا له ومن المستحيل أن يصدر منها شيء يتنافى مع مصلحة الطفل ، فالأم تصرفاتها تنبع من القلب الذي هو مليء بالعشق ، وهذا النمط من الأفعال هي ذات أصول و جذورو كما هو مصطلح في زماننا (ماركة) تكون جميلة حقيقةلا تُقيّم بالقيم الدنيوية أبداً ، بخلاف تلك فهي تجارية بما للكلمة من معنى (غير مسجلة) لا  أصالة لها و لا هويّة .

كيف يمكن تمييز الأصيل من غير الأصيل في الأفعال الملكوتية المعنوية ؟

الأصيل هو الذي ينادي بأعلى صوته (أنا أصيل) من خلال الآثار الناتجة و النتائج الحاصلة.

هذا الأمر جار في تقييم الأعمال العبادية ، فكمال الأخلاص يعني أن ينبع العمل من منطلق الحبّ لا غير وهذا ما يسمّى بعبادة الأحرار ، فقلب الحرّ غير متعلق بشيء سوى الله تعالى وهو في أتمّ الإستعداد لتضحية نفسه وماله في سبيل المعشوق . جاء في زيارة الإمام الحسين عليه السلام (و بذل مهجته فيك ليستنقذ عبادك‏ من الجهالة و حيرة الضلالة).  وصفة عاشق الإمام الحسين عليه السلام هو ما ذكره سيد الشهداء (من كان فينا باذلا مهجته‏، موطنا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا) هنا لا قيمة لأعزّ الأشياء في قبال المعشوق (بأبي‏ أنت‏ و أمي‏ و أهلي‏ و ولدي يا ابن رسول الله‏) و أثر ذلك هو أنّ العاشق ينطلق إلى زيارة المعشوق راجلاً إنطلاقا جنونياً وكأنّ الإختيار قد سُلب منه وهو في قمّة الوعي ، يتألّم ولا يحسّ بالألم لا في بداية الطريق ولا في نهايته، بل ذلك يزيد في عزمه و حماسه فيعيش في السنة المقبلة من أجل الأربعين ! فحقيق لأن يطلق على هذا الإنسان (الرجل كل الرجل ) في قبال المكبّ على وجهه ! قال تعالى : (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)(الملك/22). فتأمّل و لا تغفل .

إبراهيم الأنصاري البحراني

مشهد المقدّسة

3 صفر المظفر 1440

 

 

 


قانون الإعتزال 02 صفر 1440 هـ - الموافق 13 أكتوبر 2018

هو قانون إلهي قد أكد عليه القرآن الكريم في مواطن عديدة وبيّن آثارها و نتائجها الإيجابية قال تعالى (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاَّ جَعَلْنَا نَبِيًّا)(مريم/49). وأيضاً بالنسبة إلى أصحاب الكهف (وَإِذْ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا)(الكهف/16).

وأمّا ما يتعلق بمريم عليها السلام فبينها بكلمة أخرى و هي (النبذ) فقال (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذْ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا)(مريم/16).

وهذا القانون القطعي الإلهي قد تجسّد في عدد من العبادات التي تبني شخصية الإنسان المؤمن ، مثل حجّ بيت الله الحرم ، خصوصاً موقف عرفة و المشعر وأيضاً الإعتكاف ثلاثاًً هو من مصاديق الإعتزال .

وفي هذا المجال هناك توصيات من العرفاء الربانيين بأن يبتعد الإنسان عن مظاهر الدنيا مدة أربعين يوماً ليتنعم بالنعم الإلهية،  وفي كتاب مصباح الشريعة خصص باب وهو الباب الخامس و الأربعون للعزلة ومن الأحاديث التي ذكرت هناك هو ما ورد عن الإمام  الصادق عليه السلام (ما من نبي و لا وصي إلا و اختار العزلة في زمانه إما في ابتدائه و إما في انتهائه‏) مصباح الشريعة، ص: 100

وأيضاً قد ورد عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (ما أخلص‏ عبد الإيمان بالله أربعين‏ يوما - إلا زهده‏ الله عز و جل في الدنيا، و بصره داءها و دواءها، و أثبت‏ الحكمة في قلبه، و أنطق بها لسانه) .

هذا وأيّ عزلة أعظم من الهجرة إلى الوادي المقدس في أرض كربلاء مشياً على الأقدام بقصد لقاء المولى ، فكلّ لحظة منها تُعادل أربعين يوماً من حيث بناء الشخصية الروحانية و الرقي إلى عالم المعنى ، ولا تشكّ أيها المحبّ أنّ هذا هو سرّ الأربعين فشدّ حزامك و انطلق مع العشاق نحو العروج سيراً على الأقدام فهي فرصة إضاعتُها سوف يورث الندم في الدارين .

مشهد المقدسّة

إبراهيم الأنصاري البحراني

2 صفر المظفر 1440

 


أروع حماس بالإطلاق : 22 محرم 1440 هـ - الموافق 03 أكتوبر 2018

بما أنّ الأنبياء بأجسادهم قبل الواقعة و أيضا بأرواحهم حين الواقعة وبعدها قد حضروا لزيارة كربلاء المقدّسة ، فهناك مهام مشتركة بينهم و أيضاً كلّ نبي له مهمّة تختص به حسب التكليف الإلهي فآدم عليه السلام بالتأكيد تختلف نظرته في كربلاء عن النبي نوح عليه السلام ، لأنّ آدم قد تخلّص من معظلة عظيمة ببركة اسم الإمام الحسين عليه الإسلام حينما نطق به و قال (يا قديم الإحسان بحقّ الحسين) وهكذا كلّ من الأنبياء و الرسل حسب ارتباطهم به عليه السلام .

ومن ناحية أخرى جميع الملائكة تريد أن تتعرف على فلسفة خلق الإنسان وكانت تنتظر الجواب الميداني من الله سبحانه حيث قال (إنّي أعلم ما لا تعلمون) وكانت تترصد الحوادث و تتخلل صفوف الأنبياء كي تعثر على الجواب المناسب للغز الخلق  به تتخلص من الإنتظار الصعب ! و لكن لم تعثر على جواب يشفي الغليل حيث شاهدت الأمم الظالمة التي كانت تحارب الرسل وتقتلهم وبالنتيجة يأتيهم العذاب الإلهي فيهلكهم كما فعل بقوم نوح و عاد و ثمود.

لم تخرج تلك الحوادث جملة و تفصيلا ، رغم تراكمها ، من ذاكرة الملائكة،  ولكن رغم ذلك بقيت حادثة واحدة من بين الحوادث تحتل الصدر و هي ما تختص بالنبي داوود ، (..َقالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ ...)(البقرة/249). فهنا لم يخرج جنوده من هذا الإبتلاء سالمين بل منكسي الرؤوس :  لأنّهم شربوا أكثر من غرفة . ربّما كانت بالفعل مهمّةٌ قد كلّف بها طالوت وهو قائد جيش داوود المَلك عليه السلام، لها علاقة بالمستقبل حيث يتحقق هذا الإبتلاء في صورته الأصعب بنهر الفرات .

هذا : فلنذهب إلى كربلاء في ليلة عاشوراء و نركّز على ما حدث هناك ، لا شك أنّه لم يطلق على العباس (أبو الفضل)  إلا لأنّه يمتلك أعلى الفضائل الربانية ، التي من أهمّها ما وصفه بها الإمام السجاد حيث قال :( كان عمّي العباس بن علي عليه السلام نافذ البصيرة صلب الإيمان) ولذلك كان هو بواب الإمام الحسين عليه السلام يستقبل ببصره الأشخاص القادمين لنصرة الإمام كحبيب بن مظاهر و الحرّ وغيرهم ويرحّب بارواح  الصالحين ببصيرته النافذة .

وبما أن الرسل هم أصحاب الفضائل (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) كانوا يشاهدون أبا الفضل بعين برزخية وهم معجبون به ، وهو عليه السلام يستقبل الضيوف نيابة عن المَلك أعني الإمام الحسين عليه السلام ، فلنتصور أبا فضل وهو يستقبل مائة و أربعة عشر ألف نبيٍّ بما فيهم الرسل مضافاً إلى نفس العدد من أوصياء الأنبياء، و المحسنين و الصالحين و الشهداء وكذلك من هم كانوا في عالم الأرواح و لم يولدوا بعد ، فيا له من جمع غفير اجتمع في عرصة كربلاء!

كلّهم توجّهوا نحو الفرات ليشاهدوا الصورة الجميلة للإنسان الكامل الذي يباهي به الله سبحانه ، فالعباس بما هو تربية المدرسة الحسينيّة قد وصل إلى ذروة الكمال و أدرك منتهى الرفعة فهو أعظم بطل بعد الإمام الحسين عليه السلام وكأنّي به يرتجز ويقول (إنّي أنا العباس أغدوا بالسقا) ليُسمع هذا الجمع فيعرفوه أنّه ساقي العطاشا و صاحب الراية و حامي الحرم النبوي . فكل بيت من تلك الأبيات تشير إلى صفاته و كمالاته و مواقفه العظيمة .

شفتا العباس جافتان كالخشبة وقد اقتحم الفرات بفرسه المطهم  فهل سيشرب الماء أم لا ؟ هذا هو النقاش الدائر بين هذا الجمع من الملائكة و الأرواح !

فإذا به قد اختفي عن ناظرهم ، فهو بعد قتال عنيف قد سيطر على الفرات! لا يتواجد أحد حواليه أبداً وبقي هو و فرسُه وقِربتُه، يا لها من عظمة ويا له من مواساة لا يُصدّق ! إنّه لم يشرب ، إنّه ذكر عطش الحسين عليه السلام (السلام عليك أيّها العطشان) .

 وكأنّي به يُنادى من أعلى السماء بصوت حزين في غاية العطوفة و الحنان ، أشكرك يا بُنيَّ ، أنت ساقي أطفال فلذة كبدي ونور عيني الحسين ، وكأنّي به رفع رأسه جهة ذلك الصوت فإذا بسيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام تشكره ، لم لا ؟ وقد حقّق إنجازاً عظيماً لا مثيل له ، هنا انحل اللغز و تفككت العقدة وظهر السرّ في خلق الإنسان و عرف الملائكة معنى قوله تعالى (إنّي أعلم ما لا تعلمون ) وعلى ضوئه  تعرف السر فيما ورد في بداية زيارته الخاصة التي نقلها أبو حمزة الثمالي  عن الصادق عليه السلام ( سلام‏ الله‏ و سلام‏ ملائكته‏ المقربين و أنبيائه المرسلين و عباده الصالحين و جميع الشهداء و الصديقين و الزاكيات الطيبات فيما تغتدي و تروح عليك يا ابن أمير المؤمنين ) كامل الزيارات، النص، ص: 257

كما أنّك  تعرف مدى أهميّة كلام الإمام زين العابدين عليه السلام (وَ إِنَّ لِلْعَبَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى مَنْزِلَةً يَغْبِطُهُ بِهَا جَمِيعُ الشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . الأمالي( للصدوق)، ص: 463

إبراهيم الأنصاري البحراني

مشهد المقدسة

23 محرم 1440


ضجّت الملائكة: 22 محرم 1440 هـ - الموافق 03 أكتوبر 2018

الأحاديث من الفريقين تؤكد أنّ عددا من الأنبياء منهم أولوا العزم من الرسل قد زاروا أرض كربلاء بأجسادهم قبل حدوث الواقعة بآلاف السنين ؟ فلا شكّ أنّ أرواحهم أيضاً كانت حين الواقعة متواجدة هناك ، كما أنّهم بأرواحهم يزوروا الإمام الحسين عليه السلام غداةً و رواحاً،  فقبره عليه السلام هو مختلف الأرواح الطيّبة .

وكذلك الملائكة سواء المقربون أو الموكلون تواجدوا حين ذاك و يختلفون عند قبره عليه السلام كما أنّ مؤمني الجنّ لم تَفتهم هذه النعمة العظيمة ، فبالنتيجة كربلاء كانت و لا زالت مليئة بأرواح الطيبين من النبيين والصديقين والشهداء و الصالحين والملائكة والجنّ .

هذا ولكن الجدير بالذكر أنّ طائفين من المخلوقات رغم تواجدهم حين الواقعة لم يكن لهم دور في القتال معه عليه السلام رغم قوتهم ، اللهم إلا التأييد و النصر بالتشجيع ، وهما : (الملائكة ، والجنّ) والسبب يرجع إلى موقف هذين المخلوقين .

أمّا الملائكة : فالسبب يكمن في موقفهم غير المدروس في قبال قوله تعالى لهم (...إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً...) حيث قالوا (... أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) وهذا الكلام يضمن  نوعا من التعجّب الذي لم يتوقع منهم وهم (..عِبَادٌ مُكْرَمُونَ، لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ)(الأنبياء/26،27). فشرعوا بالإنتظار عندما أجابهم سبحانه فقال (... إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)(البقرة/30).

فرغم وجود الإفساد في الأرض وسفك الدماء هناك أسرار وراء خلق الإنسان لا يعلمها إلا الله تعالى ، هذا ما جعل الملائكة في حيرة من أمرهم ولذلك ورد في الحديث (عن أبي عبد الله عليه السلام (... لما قال للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ضجت‏ الملائكة من ذلك و قالوا يا رب إن كنت لا بد جاعلا في الأرض خليفة فاجعله منا ممن يعمل في خلقك بطاعتك فردّ عليهم‏ إني أعلم ما لا تعلمون‏ ..الخ). والجدير بالذكر أنّ الملائكة أيضا ضجّت حينما قتل الحسين عليه السلام (قال أبو عبد الله ع‏ لما كان من أمر الحسين عليه السلام ما كان ضجّت‏ الملائكة إلى الله بالبكاء و قالت يفعل هذا بالحسين صفيك و ابن نبيك قال فأقام الله لهم ظل القائم عجل الله فرجه و قال بهذا أنتقم لهذا) الكافي ؛ ج‏1 ؛ ص465

ولكن هل كانت لديهم حيلة للحيلولة دون حدوث الواقعة ؟ كلا ! بل عندما جاؤوا لنصرة الحسين رأوه مقتولا صريعاً  كما في حديث الرَّيَّانِ بْنِ شَبِيبٍ  الطويل ( عن الرِّضَا عليه السلام ...وَ لَقَدْ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ لِنَصْرِهِ فَوَجَدُوهُ قَدْ قُتِلَ فَهُمْ عِنْدَ قَبْرِهِ شُعْثٌ غُبْرٌ إِلَى أَنْ يَقُومَ الْقَائِمُ فَيَكُونُونَ مِنْ أَنْصَارِهِ وَ شِعَارُهُمْ يَا لَثَارَاتِ الْحُسَيْنِ)

ولكن لا يخفى عليك أنّهم لا ينصرون الإمام الحجّة عجل الله فرجه بالقتال،  بل بالتأييد و إيجاد الرعب في قلوب الأعداء . كلّ ذلك لأنّهم قالوا (أتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء)

وأمّا مؤمنوا الجنّ : فأمرهم أصعب حيث يترأسهم إبليس اللعين كُرهاً كما يشير لذلك سبحانه باشارة لطيفة  في قوله (وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا)(الجن/4). فهم لا يعترفون في قيادته رغم اعترافهم أنّه منهم (سفِيهنا)! وكأنّه سبحانه يريد منهم أن يقضوا عليه ليتخلص البشر من شرّه و لم يفعلوا! ولذلك هم جاؤوا لنصرة الحسين عليه السلام كما في الحديث  ( أن الحسين لما كان في موقف كربلاء، أتته أفواج من الجن‏ الطيارة، و قالوا له: (يا حسين) نحن أنصارك فمُرنا بما تشاء، فلو أمرتنا بقتل (كل) عدو لكم لفعلنا. فجزاهم خيرا) (وعن أبي عبد الله جعفر الصادق (عليه السلام) قال: لما سار أبو عبد الله الحسين (صلوات الله عليه و آله) من المدينة تكنفه أفواج الملائكة المسومين و المردفين في أيديهم الحراب على نجب من نجب الجنة فسلموا عليه و قالوا: يا حجة الله على خلقه بعد جده و أبيه و أخيه إن الله قد أمدّك بنا فقال لهم: الموعد حضرتي و بقعتي التي أستشهد بها في كربلاء فإذا وردتها فأتوني فقالوا يا حجة الله إن الله أمرنا أن نسمع لك و نطيع فهل تخشى من عدو يلقاك فنكون معك فقال لا سبيل لهم علي و لا يلقوني بكريهة حتى أصل إلى بقعتي و أتاه أفراخ من مؤمني الجن‏ فقالوا له: يا مولانا نحن شيعتك و أنصارك مرنا بأمرك فإن أمرتنا نقتل كل عدو لك و أنت مكانك لكفيناك ذلك فجزاهم خيرا و قال لهم: أ ما قرأتم كتاب الله المنزل على نبيه المرسل قوله تعالى: قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم‏ فإذا أقمت مكاني فبما ذا يمتحن‏ الله هذا الخلق المنكوس و إنما يحشرون إلى النار و أما من يكون حضرتي بكربلاء التي اختارها الله لي دون الأرض و جعلها معقلا لشيعتنا و محبيهم و يقبل فيها أعمالهم و يشكر الله سعيهم و تكون لهم أمانا في الدنيا و الآخرة هلك عن بينة و يحيى من حي عن بينة.) الهداية الكبرى ؛ ص206 -207

كأنّه عليه السلام أراد إبعادهم من دون أن يذكر لهم السبب الحقيقي المتعلق بهم ، فاستند إلى موضوع القضاء و القدر ! هذا ما نلاحظه في كثير من كلمات شهيد الطف سواء بين الطريق أو في كربلاء .

هذا و الإمام السجاد يقول في خطبتة الإمام زين العابدين عليه السلام  (أنا ابن من بكت عليه ملائكة السماء أنا ابن من ناحت عليه الجن‏ في الأرض و الطير في الهواء ) مناقب آل أبي طالب (لابن شهرآشوب)، ج‏4، ص: 169

مشهد المقدّسة

العبد

إبراهيم الأنصاري البحراني

23 محرّم 1440

الساعة 11 صباحاً .


أبعاد الواقعة : 22 محرم 1440 هـ - الموافق 03 أكتوبر 2018

إنّ لواقعة عاشوراء أبعاد أربعة:

البعد الأوّل هو البعد الظاهري الدنيوي فكان هناك صراع ظاهري بين جيشين ، هاشمي و أموي و حدث ما حدث من الظلم و الطغيان و القتل و السلب ما أبكت جميع الكائنات .

البعد الثاني هو في عالم الذر ، فجميع المؤمنين من الناس كانوا وهم في ذلك العالم يرغبون أن يتواجدوا في كربلاء كي يدافعوا عن إمامهم فلا شك بأنّ عالم الذر له إشراف كامل على الدنيا كما ثبت في محلّه ، ولذلك نقول (يا ليتنا كنت معكم فنفوز فوزاً عظيماً) هذا لسان قلب المؤمن حقاً بلا مبالغة أو كذب و حاشا للإمام أن لا يجيبك ، فمتى سيجيبك ؟ في  الرجعة إن شاء الله فتكون من جملة أنصاره المنتصرين له المستشهدين بين يديه. كما أنّك عندما كنت في ذلك العالم قد شاهدت قلوب طرفي الصراع وصفاتهما ونواياهما وحالاتهما، لأنّ الأرواح لا ترى الإ الصفات الباطنية الروحية من دون الأجساد ، وأنت عندما كنت روحاً متواجداً في ذلك العالم أعني عالم الذر رأيت الصفات السبعية في جيش عمر بن سعد هي نفسها التي صرّح بها سيد الشهداء حيث قال : (كَأَنِّي بِأَوْصَالِي يَتَقَطَّعُهَا عُسْلانُ الْفَلَوَاتِ بين النواويس و كربلاء).

والجدير بالذكر أنكّ تقول في الزيارة الرجبية و الشعبانية مخاطباً سيد الشهداء عليه السلام (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ عَدَدَ مَا فِي عِلْمِ اللَّهِ لَبَّيْكَ دَاعِيَ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَمْ يُجِبْكَ بَدَنِي عِنْدَ اسْتِغَاثَتِكَ وَ لِسَانِي عِنْدَ اسْتِنْصَارِكَ فَقَدْ أَجَابَكَ قَلْبِي وَ سَمْعِي وَ بَصَرِي سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا ) هذا أدّل دليل على أنكّ كنت حاضرا في الواقعة و شاهداً عليها و أيضا في زيارة أخرى تقول (أَتَيْتُكَ مُجَدِّداً اَلْمِيثَاقَ فَاشْهَدْ لِي عِنْدَ رَبِّكَ أَنَّكَ أَنْتَ اَلشَّاهِدُ ) كلّ ذلك دال على أنّك قد عاهدت إمامك في عالم الميثاق بأنّك معه لا مع غيره وجأت لزيارته لتجديد الميثاق .

والأرواح الخبيثة خصوصاً بنو أميّة أيضاً كانوا حاضرين في عرصة كربلاء يشجعون الجيش الأموي ، وهذا هو من الأسباب التي جعلتنا نلعن السابقين و اللاحقين جيلا بعد جيل إلى يوم القيامة ( اللهم العن بني أميّة قاطبة).

البعد الثالث: هو الجانب البرزخي ، فجميع الأرواح من الأنبياء و الصالحين التّي ماتت قبل واقعة الطف و انتقلت إلى الجسم البرزخي قد تواجدوا في عرصات كربلاء ولم تفتهم تلك الفاجعة العظمى لأنّهم كانوا مشتاقين إلى الوصول إلى أرض كربلاء قبل الحادثة فكيف لا يأتون ولديهم الحريّة الكاملة في الإنتقال .

البعد الرابع : جنّة كربلاء : رسول الله و هو في الجنّة كان يشاهد ابنه الإمام الحسين و أولاده و أصحابه كيف يدافعون عن حريم الإسلام ، كما أنّ مهمّته في الجنّة كانت السقاء أعني إرواء عطش الإمام الحسين و ابنه علي الأكبر و ربّما سائر الشهداء ومن أجل ذلك أقول: أن أشبه الناس بالرسول علي الأكبر لم يسقط على الأرض ، بل سقط في حضن جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله ، ولذلك قال :(أبتاه هذا جدي رسول الله صلى الله عليه و آله قد سقاني بكأسه الأوفى شربة لا أظمأ بعدها أبدا و هو يقول العجل العجل فإن لك كأسا مذخورة حتى تشربها الساعة).

كما أنّه عندما أخذ الإمام الحسين الطفل إلى الميدان و هو عطشان خاطبهم

 (يا قَومِ ، إن لَم تَرحَموني فَارحَموا هذَا الطِّفلَ، فَرَماهُ رَجُلٌ مِنهُم بِسَهمٍ فَذَبَحَهُ، فَجَعَلَ الحُسَينُ عليه السلام يَبكي ويَقولُ: اللّهُمَّ احكُم بَينَنا وبَينَ قَومٍ دَعَونا لِيَنصُرونا فَقَتَلونا. فَنودِيَ مِنَ الهَوا: دَعهُ يا حُسَينُ؛ فَإِنَّ لَهُ مُرضِعاً فِي الجَنَّةِ.) تذكرة الخواص، سبط این جوزی، ص ٢٥٢

فالمرضع في الجنّة كأنّها كانت تنتظر الطفل لترضعه !

وأمّا الإمام الحسين عليه السلام فسقط في حضن أمّه السيدة الرضية المرضية ، وجاء الخطاب من الله سبحانه (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي )(الفجر27-30).

مشهد المقدسة

22 محرّم 1440

إبراهيم الأنصاري البحراني

 

 


باذلا مهجته : 22 محرم 1440 هـ - الموافق 03 أكتوبر 2018

كم هو جميل هذا الحديث الذي نقله العارف الفذّ  ملامحسن الفیض الکاشانی وهو من الأحاديث القدسية الإلهيّة :

(مَن طَلَبَنی وَجَدَنی، مَن وَجَدَنی عَرَفَنی وَ مَن عَرَفَنی اَحَبَّنی وَ مَن اَحَبَّنی عَشَقَنی وَ مَن عَشَقَنی عَشَقتَهُ وَ مَن عَشَقَتَهُ قَتَلتَهُ وَ مَن قَتَلتَهُ فَعَلی دِیَتَهُ وَ مَن عَلی دِیَتَهُ فَاِنّا دِیَتُهُ.)

*وقد تطرّق الحديث إلى المراحل السبعة التّي ينبغي أن يجتازها العارف بالله وهي :  1ـ الطلب 2ـ الوجدان 3ـ المعرفة 4ـ المحبة 5ـ العشق 6ـ الشهادة 7ـ الفناء.

فالهدف الأسمى هو لقاء الله الذي يتمّ من خلال الشهادة في سبيل الله تعالى ، ولذلك قال الإمام الحسين في خطبته (من كان فينا باذلا مهجته‏ موطنا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا فإني راحل مصبحا إن شاء الله) بحار الأنوار ج‏44 ؛ ص367

يقول جلال الدين الرومي في قصيدته العرفانية الجميلة (حیلت رها کن عاشقا دیوانه شو دیوانه شو) أترك عنك الحِِيّل أيّها العاشق و كن مجنونا( و اندر دل آتش درآ پروانه شو پروانه شو) ثمّ اخرج من النار و كن فراشة تطوف حول النار ( هم خویش را بیگانه کن هم خانه را ویرانه کن) إنس نفسك و خرّب بيتك ( آنگه بیا با عاشقان هم خانه شو هم خانه شو) ثمّ تعال اسكن مع العشاق .

هذا يعني بذل النفس في سبيل المعشوق ، وهكذا كان أنصار أبي عبد الله الحسين عليه السلام وصلوا إلى مستوى من الفناء بحيث أنّهم كانوا يشعرون بالسرور فكانوا يتسابقون إلى الشهادة (عن أبي جعفر عليه السلام قال: "قال الحسين عليه السلام لأصحابه قبل أن يقتل: إنّ رسول الله صلى الله عليه و آله قال لي: يا بنيّ, إنّك ستساق إلى العراق، وهي أرض قد التقى بها النبيّون وأوصياء النبيّين، وهي أرض تدعى عمورا، وإنّك تستشهد بها ويستشهد معك جماعة من أصحابك لا يجدون ألم مسّ الحديد، وتلا: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ يكون الحرب برداً وسلاماً عليك وعليهم) ، فلنكن من الموطِّنين أنفسنا للقاء الله لنحيى محياهم و نموت على ما ماتوا .


الذنوب العظام : 21 محرم 1440 هـ - الموافق 02 أكتوبر 2018

هناك شبه واضح بين الجبل و بين الجمل من ناحية الشكل و من ناحية الإسم وكأنّ حقيقتهما تنبع من أمر واحد ، كلاهما يظهران الأنانية و التبختر و التكبّر و الغرور ، ولا تظنن أنّ الله قد خلق خلقاً سواء الجمادات و النباتات و الحيوانات من دون أن تكون لها مساس بالإنسان! كلا ، ومن معان قوله تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ...)(البقرة/٢٩). هو ذلك أعني أنّ كلَّها تحمل رسائل للإنسان فهي بلسان حالها تريد هدايتهم إلى الصراط المستقيم ، فالنفس إن تركت وشأنها فهي تغتر و تتبختر كالجبل، فلابد إذن من ترويضها ومن ثمّ دكّها و استبدالها إلى تراب متواضع، كما فعل مولى الموحدين أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال (إنَّمَا هِيَ نَفْسِي أَرُوضُهَا بِالتَّقْوَى) ولذلك صارت كنيته أبا تراب ! أطلق عليه رسول الله صلى الله عليه و آله ، حيث ارتقى بعبوديته حتى وصل إلى مقام النظر إلى الوجه كما في الحديث عن (أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ قَالَ: بَيْنَا أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ يَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرِ اَلْكُوفَةِ إِذْ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ ذِعْلِبٌ ذُو لِسَانٍ بَلِيغٍ فِي اَلْخُطَبِ شُجَاعُ اَلْقَلْبِ فَقَالَ يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ قَالَ وَيْلَكَ يَا ذِعْلِبُ مَا كُنْتُ أَعْبُدُ رَبّاً لَمْ أَرَهُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ رَأَيْتَهُ قَالَ وَيْلَكَ يَا ذِعْلِبُ لَمْ تَرَهُ اَلْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ اَلْأَبْصَارِ وَ لَكِنْ رَأَتْهُ اَلْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ اَلْإِيمَانِ ... الخ) ولعلّ موسى على نبينا و آله و عليه السلام كان بصدد الوصول إلى هذا المقام العظيم كما في قوله تعالى : (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ)(الأعراف/١٤٣).
قال السيد الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه (كلّما اندك جبل الأنانية (الأنا) وفنا حينئذٍ تتحقق العبودية ، وو يحتمل أن يكون هذا الجبل الذي يمنع الإنسان من تجلي الحق هو أنانية نفس موسى وإن كان بسيطاً جداً ، ومن خلال ذلك التجلي قد اندك الجبل و تفتت الأنانية ووصل موسى إلى مقام الموت) أقول هو إشارة إلى قول العرفاء (موتوا قبل أن تموتوا)
قال العلامة الطباطبائي رحمه الله في الميزان :
(وبصيرورة الجبل دكا أي دكوكا متحولا إلى ذرات ترابية صغار بطلت هويته وذهبت جبليته وقضى أجله).
هذا : وما هو شأن جمل النفس ؟
هذا يرتبط بالمستكبرين الذين قال عنهم سبحانه (وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً)(الإسراء/٣٧). أنظر إلى مشية الجمل المتبخترة ! فهو لا يبالي لمن يقع في يمينه وشماله وكأنّ الطريق قد خصّص له لا غير ! وهذا هو قمّة الأنانية ، وقد شوهدت قمة هذه الأنانية في طلحة و الزبير حينما انطلقا إلى البصرة لمحاربة أمير المؤمنين عليه السلام ، والجدير أنّه (نَادَى عَلِيٌّ: اعْقِرُوا الْجَمَلَ، فَإِنَّهُ إِنْ عُقِرَ تَفَرَّقُوا، فَضَرَبَهُ رَجُلٌ فَسَقَطَ، فَمَا سَمِعْتُ صَوْتًا قَطُّ أَشَدَّ مِنْ عَجِيجِ الْجَمَلِ.) وبذلك انتهت الفتنة وخاب المبطلون و تحطمت الأنانية كرهاً لا طوعاً ! وهل للمستكبرين أن يزيلوا عن أنفسهم هذه الصفة (الجملية) طوعاً ؟ كي يتخلصون من نار جهنّم و تفتّح له أبواب الجنان ؟ قال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ)(الأعراف/٤٠).
من خلال التوضيخ الذي ذكرناه تعرف السرّ فيما ورد في تفسير علي بن ابراهيم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (نزلت هذه الآية في طلحة والزبير) و أيضا ما في تفسير العياشي عن أبي عبدالله (عليه السلام) في قول الله: " ان الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا ...الخ ( نزلت في طلحة وزبير والجمل جملهم). وهذا من باب الجري و التطبيق السائد في القرآن الكريم فتأمّل و لا تغفل .
فيا أيّها العزيز :فلنسع في تحطيم جبل نفسونا أو على الأقل من تصغيره و تقليله وذلك من خلال التواضع و إحترام الآخرين و عدم رؤية أنفسنا وكأننا أعلمهم و أفضلهم و أتقاهم ، وكذلك فلنحاول أن نرقق جَمل قلوبنا، لعلها تصل إلى درجة من الرقّة بحيث تصير وكأنّها خيط رقيق قد ولج في سمّ الخياط أي (ثقب الأبرة) ، وبالنسبة إلينا نحن المبتلين بأنواع الحجب ، هيهات أن يتحقق ذلك ، اللهم إلا من خلال أمر واحد لا ثاني له وهو :
البكاء على مصاب السيد المظلوم قتيل العبرة أبي عبد الله الحسين عليه السلام ، وعلى ضوء ذلك تعرف السر في كثرة الأحاديث في فضل البكاء عليه ونذكر هناك حديثين عن مولانا ، و من نحن في خدمته ومن زواره الإمام الرضا عليه السلام حيث قال:
" يا بن شبيب إن كنت باكياً لشيء فابك للحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام ، فإنه ذُبح كما يُذبح الكبش " ( أمالي الصدوق) وقال عليه السلام ( إن يوم الحسين أقرح جفوننا وأسبل دموعنا وأذل عزيزنا بأرض كرب وبلاء وأورثنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء ، فعلى مثل الحسين (ع) فليبك الباكون فإن البكاء عليه يحط الذنوب العظام " ( أمالي الصدوق ).
يا عزيزي : لاحظ و تأمّل في قوله (يحط الذنوب العظام) لتعرف صحة ما بيّناه ، وفقنا الله و أياكم لذلك .
العبد العاشق الواله الخادم لهم
إبراهيم الأنصاري البحراني
مشهد المقدّسة
٢١محرم ١٤٤٠
الساعة ٢:٣٠ صباحا
▪الوصلة في موقع الكوثر:


كفلان من الرحمة 21 محرم 1440 هـ - الموافق 02 أكتوبر 2018

لو تابعنا الصنفين من المأكولات المذكورة في الآية المباركة (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ...)(المائدة/66). أعني التّي تنزل من الأعلى و الذي تنطلق من الأسفل لوصلنا إلى مصدرهما الرئيس وهما: الرحمانية و الرحيمية في قوله تعالى : (بسم الله الرحمن الرحيم)،  فالرحمة الواسعة الإلهيّة قد تجلّت في مظهرين (الرحمانية) وهي الجارية من الأعلى أعني العرش مروراً بالسماوات و نزولا إلى الأرض الذي جاء تفصيله في سورة طه حيث قال: (تَنزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلاَ ، الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى)(طه/4-6). وهذا هو تفسير قوله (لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ) بعينه ، وهي الأرزاق الربانية المادية و المعنوية النازلة من السماء (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ)(الذاريات/22). والجدير أنّ الوسيلة لنزول الرحمة الواسعة الرحمانية هي القنوت في الصلاة وهو يتمّ برفع اليدين إلى السماء .

و أمّا الرحمة (الرحيمية) فهي التي تأخذ الإنسان من الأرض (وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) فتجرّده و تنطلق به إلى الأعلى ليصل إلى الرشد و يتقرّب إلى ربّه فيشمله السلام من الله سبحانه (سَلاَمٌ قَوْلاً  مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ)(يس/58). والوسيلة للإرتقاء إلى ذلك هو السجود في الصلاة الذي هو مقام السالكين الذين قد خرقوا الحجب السبع ،  وقد ورد في (التَّهذيب) بسندٍ صحيح عن «معاوية بن عمّار»عن الصادق عليه السلام (إنّ السّجودَ على تربة أبي عبد الله عليه السلام يخرقُ الحُجُبَ السّبع) ، فمن نطق ببسم الله الرحمن الرحيم حقيقةً فلاشك أنّه سوف يحظى بالنعمتين معاً وهذا قد بيّنه سبحانه في قوله : (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(الحديد/28).فالكفلان من الرحمة هما ما شرحناهما .

ولكن لابد وأن نلاحظ هنا أمرين :أحدهما ما في الآية الأولى حيث اشترط سبحانه على كلّ من يريد أن يتنعم بالنعمتين أن يقيم (ما أنزل إليه) و هي الولاية التي أمر رسول الله أنّ يبلّغها للناس (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربّك) وهي أعني الولاية ترقي بالمؤمن إلى الدرجات السامية .

ثانيهما : ما في قوله تعالى (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) وهذا النور هو الذي ينطلق بالإنسان نحو الأَمام ، في اصول الكافى باسناده عن سماعة بن مهران عن أبى عبدالله (عليه السلام) في قول الله عزوجل: ..(ويجعل لكم) نورا قال: امام تأتمون به. فبنور الإمام ينطلق المؤمنون نحو الغاية التي هي التقرّب إلى مليك مقتدر ، وقد تحقّق هذا الأمر ميدانياً في مسيرة الأربعين الميليونية إلى كربلاء المقدّسة المشتملة على الكفلين من الرحمة السماوية و الأرضية .

هذا: و كأنّ قمر الشمس الحسيني أبا الفضل العبّاس عليه السلام هو النور بالنيابة و الخلافة ، الذي يقود العشاق نحو إمامهم أبي عبد الله الحسين عليه السلام  ( ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ )(المائدة/54).

رزقنا الله و أياكم السير على الأقدام نحو حرم المولى الشهيد أبي عبد الله الحسين عليه السلام .

إبراهيم الأنصاري

مشهد المقدسة

17 محرم الحرام 1440

 


ملكوت عاشوراء (3) (لبيك من الله للعبد ) 27 ذو الحجة 1439 هـ - الموافق 08 سبتمبر 2018

لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ، وفيها طلب من الله في غاية الأهميّة وهو ( اهدنا الصراط المستقيم)

كأنّ الله سبحانه قد لبّى طلب العبد  مسبقاً بالنسبة إلى الجزء الثاني من الطلب حيث جسّد لنا الصراط المستقيم من خلال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه أفضل الصلاة و السلام .

أمير المؤمنين عليه السلام هو الذي رسم الصراط المستقيم ، بل هو الصراط بعينه الذي يمثّل الجادة الوسطى التي توصل الإنسان المؤمن إلى الجنّة عبوراً بجهنّم ، وكما ورد في الحديث عن أبي بصير عن الإمام الصادق  عليه السلام قال: ( والصّراط أدقّ من الشّعر ومن حدّ السيف ...) بحار الأنوار، ج 8، ص 64ــ65، ح1 والصراط هو في داخل جهنّم كالجسر الغارق في البحر ، و بما أنّ جميع الخلق يمرّ على الصرط فكلهم يردون في النار (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا)(مريم/71). غاية ما هناك أنّ المؤمن إذا ورد يرتفع صراخ جهنّم أنّ أسرع في مشيك واخرج وابتعد عني فكاد نورك يخمد لهبي !!

وأمّا الأنبياء و الأولياء فيختلف أمرهم تماماً ففي الحديث (جُزْناها وَ هِیَ خامِدَةٌ) علم الیقین، فیض کاشانی، ج ۲، ص ۹۷۱.

هذا وينبغي أن تكون قلوبنا مملوّة بالولاية نفسها لكي يتنسى لنا العبور على الصراط المستقيم

والنتيجة أنّ الصراط المستقيم علويّة .

التلبية الإلهية الثانية هي بخصوص (إهدنا) لأننا نسأل عن كيفية العثور على الصراط و المرور عليه عملاً .

الإمام الحسين قد استعرض لنا كيف نهتدي من الناحية العملية إلى الصراط المستقيم و كيف نمرُّ عليه هو قد أوجد لنا ورشة عمل عجيبة لا مثيل لها .

ارتفع دوي خطابه للناس عامّة فقال : (فليرحل معنا) فجعل سيد الشهداء الهداية إلى الصراط نصب أعيننا وعلّمنا كيف نهتدي ثم نخطوا على الصراط المستقيم فبالحسين قد تمّ الدين من خلال إستعراض (المنهاج) وهو أسلوب الحركة على الصراط ميدانياً ، كما أنّه قد كمل الدين بعلي من خلال استعراض (الشريعة) .

و لولا هداية الإمام الحسين التي هي (أتمّ القصص) لكنّا إمّا من زمرة المغضوب عليهم أو من مجموعة الضالين ، وعلى ضوء ما بيّنا فكل من يريد الهداية إلى الصراط فهو بحاجّة ملمّة إلى الدخول في مدرسة الطفّ العظيمة ، وهذا الحاجة لا تختص بعامّة الناس بل هي شاملة حتى للأنبياء أو الأولياء ، ولذلك كانوا يزورون كربلاء ويبكون والإمام الحسين عليه السلام لم يولد بعدُ !

كما أن مدرسة كربلاء شاملة للنساء و الرجال والشيوخ والأطفال حتّى الطفل الرضيع ، كلّ من دخلها اهتدى إلى الصراط حتّى النصراني و الغلام التركي و كل من لم يدخلها ابتعد عن الصراط حتى الصحابي و التابعي .

مدرسة رغم شدائدها و آلامها و أحزانها و مصائبها فهي جميلة جدّا قد جمّلت الدين بعد اكتماله فيا لها من صنيعة إلهية عظمى ذات جمال لا نظير له (صنع الله الذي اتقن كل شيء )  أما ترى كيف تجيب زينب عليها السلام الطاغية عبيد الله حينما خاطبها (كَيْفَ رَأَيْتِ صُنْعَ اللَّهِ بِأَخِيكِ وَ أَهْلِ بَيْتِكِ ؟ فَقَالَتْ : مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلًا )

فالجدير ان نسلم على كل من الإمام الحسين عليه السلام الهادي إلى الصراط و أمير المؤمنين عليه السلام ، الصراط نفسه فنقول (السلام عليك يا ثار الله وابن ثاره)  هذا هو انعكاس قوله تعالى :  اهدنا الصراط المستقيم .

إبراهيم الأنصاري

27 ذو الحجة 1439


ملكوت عاشوراء (2) تمام النعمة بالحسين عليه السلام 25 ذو الحجة 1439 هـ - الموافق 06 سبتمبر 2018

إن أنبياء الله و أولياؤه لم يعاصروا واقعة الطفّ المؤلمة ولكن كانوا مطلعين عليها تفصيلا ، و لذلك كانوا يقصدون كربلاء  وبالتحديد الموضع الذي يقتل فيه سيدُ الشهداء عليه السلام ، وبذلك كانوا ينتفعون كثيراً .

و بما أنّ قصّة كربلاء هي (أتمّ القصص) فكانوا يحظون بالنعمة التامة من خلال تلك الزيارة ميدانياً ﴿لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ هذا، ولا يظن بأنّه يمكن للأمم السابقة أن يرتقوا كمال الإرتقاء من خلال الإرتباط بتعاليم الأنبياء بما هم أنبياء ، كلا ! بل كانوا يوجّهون الناس إلى حيث هم متوجهون إليه أعني إلأى بيوت أهل البيت عليهم السلام عامّة وإلى بيت الإمام الحسين عليه السلام خاصّة، فه يَدخلون ﴿في‏ بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ‏ترفَعَ﴾ و من ورائهم يدخل المؤمنون من أقوامهم ، فيغوصون في بحر النعمة و ينغمرون في عالم النور فيتنورون ثمّ ينوّرون أممهم.

 و هذا عام بالنسبة إلى جميع أهل البيت عليهم السلام ، ولكن لا يحدث ذلك إلا من خلال مقدّمات و تهيئة أرضية للدخول في تلك البيوت ،  ولذلك لا يسع كلّ إنسان أن يتنور بهم عليهم السلام إلا أن يكون قد تطهّر مسبقاً بنسبة على الأقل ثلاثين بالمائة.

 ولكن سيد الشهداء أبي عبد الله الإمام الحسين عليه السلام فهو مستثنى من هذه القاعدة،  فكلّ من أراد أن يحلق روحه نحو الملأ الأعلى فلا عليه إلا أن يدخل في حريم أبي عبد الله عليه السلام وذلك من خلال البكاء، و اللطم على الصدر ،  و الزيارة بل و حتّى التباكي ، وأما (السجود على تربة أبي عبد الله عليه السلام  تخرق الحجب السبع ) الوسائل 3/608 .

وأدلّ دليل على ذلك ما يشاهده العالم أجمع ميدانياً في الأربعين مشياً على الأقدام ،  فكم من الناس يعترفون بذنوبهم الكثيرة ومع ذلك لا يرون أنفسهم قد منعوا من زيارة الأربعين بل يدركون بوجدانهم أنّهم من خلال الزيارة ستنمحى ذنوبهم بل سيرتقون إلى الملأ الأعلى . فيا لها من معجزة عظيمة حيّرت ملائكة السماء ولاشك أنّها أعظم من عصا موسى ، وخاتم سليمان ، بل هي أعظم من إحياء الموتى .هي المصداق البارز لقوله تعالى (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ...)(الأنعام/122).

من هذا المنطلق تعرف أهميّة الإمام الحسين وأهميّة إحياء المجالس الحسينية و التأكيد على إحيائها و الثواب العظيم في ذلك ممّا يحيّر العقول.

فيا حبيبي فليكن همّك في العشرة منصبّا في مجالس العزاء و لا يخدعك إبليس فيشغلك بأمور الدنيا الدنيّة فهذه هي الخسارة الكبرى ، كما أنّ التفرّغ للمجالس الحسينية هو الفوز العظيم .

إبراهيم الأنصاري البحراني

25 ذو الحجة 1439


ملكوت عاشوراء (1) أتم القصص . 25 ذو الحجة 1439 هـ - الموافق 06 سبتمبر 2018

قد عبّر القرآن الكريم عن قصّة يوسف بأنّها (أحسن القصص) لأنّها شاملة لمجمل مسير البشرية مما جعلته حسنة، فلا نمرّ على موقف إلا ونشاهد فيه حُسناً لا مثيل له ، وأمّا قصّة رسول الله صلى الله عليه وآله فهي (أفضل القصص) من حيث أهميّة تلك المواقف وإن كانت مشتملة على حوادث مؤلمة جداً ، ويمكن التعبير عن قصّة أميرالمؤمنين عليه السلام بأنّها (أكمل القصص) وذلك بعد تنصيبه ولياً لرسول الله صلى الله عليه وآله حيث اكتمل الدين و إن لم يتمّ الدين باعتبار وجود الكفار و المنافقين الذين كانوا السبب في الحيلولة دون تجلي حكمه الإلهي ، وأمّا واقعة الإمام الحسين عليه السلام فهي (أتمّ القصص) لأنّها هي الواقعة التامّة حيث نشاهد جميع أبعاد الخير و الشرّ ظهرت في کربلاء، من معتقدات فكرية ، و قيم أخلاقية، و مواقف ميدانية.

 تبقى واقعة الإمام المهدي عجّل الله فرجه فهي في الحقيقة  (ظهورُ القصص) جميعاً ولذلك أطلق على الإمام (جامع الكلم)  ورد في الزيارة (اَلسَّلامُ عَلى مَهْدِيِّ الاُمَمِ وَجامِعِ الْكَلِمِ، اَلسَّلامُ عَلى خَلَفِ السَّلَفِ وَصاحِبِ الشَّرَفِ) وفي الحديث (وَ سَيِّدُنَا الْقَائِمُ عجل الله فرجه مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ وَ يَقُولُ يَا مَعْشَرَ الْخَلَائِقِ أَلَا وَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى آدَمَ وَ شَيْثٍ فَهَا أَنَا ذَا آدَمُ وَ شَيْثٌ ..... أَلَا وَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مُحَمَّدٍ وَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا فَهَا أَنَا ذَا مُحَمَّدٌ وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَلَا وَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ عليهما السلام فَهَا أَنَا ذَا الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ أَلَا وَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الْأَئِمَّةِ مِنْ وُلْدِ الْحُسَيْنِ فَهَا أَنَا ذَا الْأَئِمَّةُ عليهم السلام) بحارالأنوار ج 53 ص 7 ، 8 باب 28  

إبراهيم الأنصاري البحراني

25 ذي الحجة 1439