• عنواننا في التلغرام : https://telegram.me/al_kawthar الإيميل : alkawthar.com@gmail.com
  • (اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه و على آبائه في هذه الساعة و في كل ساعة وليا و حافظا و قائدا و ناصرا و دليلا و عينا حتى تسكنه أرضك طوعا و تمتعه فيها طويلا)

فاتحة الكتاب (1 08 جمادى الأولى 1437 هـ - الموافق 17 فبراير 2016

لو دنوت أنملة لاحترقت

ينبغي التوجّه إلى فاتحة الكتاب من جهتين  الأولى تبدأ من قوله (بسم الله الرحمن الرحيم) إلى قوله (مالك يوم الدين) والثانية تبدأ من قوله (إياك نعبد) إلى آخر السورة المباركة.

في المقطع الأوّل: يستعرض سبحانه لنا ساحة الخلق ثمّ يطلب منّا اتّخاذ الموقف المتناسب مع تلك الساحة العظيمة. الإستعراض يتمّ من خلال مَلك من الملائكة و هو جبرئيل و نحن عباد الله نكرّر ما نطق به روح الأمين فهو عليه السلام يبدأ باسم الله ثمّ ينطلق إلى الرحمانية و الرحيمية و يستمّر  إلى أن يوصلنا إلى يوم الدين فهو إذن قد بدأ من الأزل إلى الأبد ، و بما انّه تعالى مالك يوم الدين (لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)(غافر/16). فهو مالك جميع النشئات المتقدّمة لأنّ القيامة حاكمة على جميع النشئات فمالكيته سبحانه شاملة ، وكيف لنا أن نسلك هذا الطريق ؟ و ما هي الوسيلة التي تنقلنا إلى يوم الدين ؟

إنّها نفس الوسيلة التي انتقل بها جبرئيل وهي (الحمد لله) فهو المركب الوحيد الذي ينبغي أن يستخدم للوصول إلى المقصد النهائي .

في المقطع الثاني : يطلب منّا نحن  أن نتّخذ الموقف (إيّاك نعبد الخ).

هذا المنطق الإلهي (أعني العلاقة بين المعرفة و العمل) منتشر في القرآن الكريم نذكر مورداً واحداً فيه شبه كبير لفاتحة الكتاب ، في سورة البقرة في البداية بيّن سبحانه خلق السماوات والأرض فقال (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)(البقرة/29). ثمّ (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ... الخ)

ثمّ أمر بالسجود له (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا ِلأَدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ)(البقرة/34).

والآن نعود إلى فاتحة الكتاب ، لماذا قلنا أن القسم الأوّل مرتبط بالمَلائكة ؟ لأن المََلك يعرف و يتابع كلّ ما هو متواجد في المقطع الأوّل أعني (البسلة و الحمد و معرفة الرحمانية و الرحيمية و معرفة مالكية يوم الدين).  أمّا القسم الثاني فلا علاقة له بالملائكة بل هو مختصّ بمجموعتين من المخلوقات و هما الإنس و الجنّ (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)(الذاريات/56). فالملائكة لا يواجهون معبوداً غير الله لينفوه و يحصروا العبادة به تعالى لأنّهم عباد مكرمون تكويناً فلا مجال لأن يقولوا (إيّاك نعبد ) .

وأيضاً لا يزاحمهم أحد في طلباتهم لينفوه و يتوجهوا إلى الله تعالى فلا يتأتّى منهم قول (إيّاك نستعين)

و كذلك إهدنا الصراط المستقيم إلى آخر السورة ، فالنصف الثاني للعبد لا غير به يعرج إلى الإرتفاع لأنّ الصراط ممتد إلى أعلى عليين !

فنحن العبيد من البدء نتوافق مع الملائكة إلى يوم الدين ثمّ هم يبقون في مكانهم من دون حركة ، ونحن نتقدّم إلى الأمام إلى أعلى عليين ولا يمكنهم أن يلتحقوا بنا إبداً ، ففاتحة الكتاب هو المعراج بعينه كما ورد في ج 1 ص 178 أنّ جبرئيل الذي كان مع الرسول صلى الله عليه و آله و سلّم ولكن بمجرّد ما بلغ الى سدرة المنتهى انتهى الى الحجب، فقال جبريل: تقدّم يا رسول اللّه ليس لي أن أجوز هذا المكان و لو دنوت أنملة لاحترقت‏ فذهب وحبداً  حتى وصل إلى مرحلة عظيمة هي أعلى من قاب قوسين وقد بيّن ذلك سبحانه في سورة النجم (وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىفَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَىمَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى)(النجم 7-15) هنا ابتعد جبرئيل و ارتفع الحبيب (إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى)(النجم 16-18). ولا يمكن لأمثالنا أن نتخيّل هذا المقام فضلا عن معرفته فالأفضل أن نسكت و نتدبّر و نقول (ما أدريك ما محمّد ) بل (ما أدريك ما العبد )

فهنيئاً لك أيّها الإنسان هذا المقام العظيم حيث يغبط الملائكة مقامكم فاغتنموا هذه الحياة الدنيا قبل أن يأتي يوم الحسرة .

ثمّ إن فاتحة الكتاب هي تلخيص لسير البشر من جنّة الإسماء إلى أعلى عليين و لو لا الهبوط لما كانت للفاتحة مصداقاً .. توضيحه وعلاقة الفاتحة بالتوحيد في الحلقات الآتية إن شاء الله تعالى .

 

 


أطفال المدينة الغريبة - 5 19 ربيع الثاني 1437 هـ - الموافق 30 يناير 2016

الجدير بالذكر أنّه في ظل ثقافة (الأم الحنون) فاطمة الزهراء عليها السلام و بنظرة رحيمة منها نشأت فاطمة أخرى، فالصدّيقة الطاهرة عليها السلام نظرت  إلى إحدى بناتها الغريبة أعني فاطمة المعصومة عليها السلام لتحتضن اليتامى المطاردين المشردين الخائفين ولذلك ورد في الحديث (عن الإمام الصَّادِقِ عليه السلام  قَالَ: إِذَا أَصَابَتْكُمْ بَلِيَّةٌ وَ عَنَاءٌ فَعَلَيْكُمْ بِقُمَ‏ فَإِنَّهُ مَأْوَى الْفَاطِمِيِّينَ وَ مُسْتَرَاحُ‏ الْمُؤْمِنِينَ ...) بحار الأنوار ج‏57، ص: 215 (عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الأَوَّلِ عليه السلام قَالَ: قُمُ‏ عُشُ‏ آلِ مُحَمَّدٍ وَ مَأْوَى شِيعَتِهِمْ ) بحار الأنوار ج‏57 ؛ ص214 

أيّها الشيعي العزيز :تأمّل في كلمة (الفاطميين) في الحديث الأوّل ثمّ(شيعتهم) في الحديث الثاني و اسع لأن تكون منهم .

يبقى هنا سؤال مهمّ لا بدّ من الإجابة عليه و هو: كيف لنا أن نكون من هؤلاء الذين تعالوا ووصلوا إلى رشدهم تحت رعاية فاطمة الزهراء عليها السلام ؟

أقول :

أوّلاً: ينبغي السعي في إيجاد هذه الصفة في النفس، وإذا كانت، فينبغي لنا تقويتُها فإنّ درجات الكمال غير متناهيّة ، بحيث يكون كلّ توجّهنا على كلّ حال نحو الأم كما هو حال الأطفال و هم في ذلك البيت فهم في جميع حالاتهم يتوجّهون إلى الأمّ ، حتى حين الأكل و الشرب و اللعب نشاهد أن طرفهم يتوجّه نحوها.

ونحن حتّى عندما نريد أن نكبّر للصلاة نتذّكر الأمّ فاطمة عليها السلام وصلاتها فنسلّم عليها ثم نكبّر للصلاة ولا ننساها خاصة في آيات فاتحة الكتاب وكأنّها هي التي تصلّي وتخاطب الباري (مالك يوم الدين ) وهي التي تقول (إيّاك نعبد) فنطلب من الله عبودية و استعانة فاطمية ، هذه الحالة سوف تصبح ملكة في الروح لا تزاحم الصلاة بل تسوق الإنسان نحو صلاة فاطمية مهدوية وحينها نعرف معني ما ورد في دعاء الندبة (واجعل صلاتنا به مقبولة)

ثانياً: أن لا تكون لقراراتنا الشخصية أي اعتبار؛ بل دائما ننتظر أوامرها و نتسارع  في تلبيتها ، هكذا ينبغي لنا أن نكون ونحن مشغولون بأعمالنا الأخرى ننتظر أوامر الزهراء و توصياتها ولا نخرجها من أذهاننا طرفة عين أبداً ، أنظر إلى ابنها الإمام الحسين عليه السلام ماذا يقول في خطبته الغرّاء ( ألَا وإنّ الدَعِيَّ ابنَ الدَعِيِّ قدْ رَكَزَ بينَ اثنَتَينِ: بينَ السِّلَّةِ والذِّلَّةِ، وهيهاتَ منّا الذِّلَّةُ، يأبَى اللهُ لَنَا ذلكَ ورَسُولُهُ والمؤمِنونَ) ثمّ يركّز على أمّه الصديقة الطاهرة فيقول ( وحُجورٌ طابَتْ وطَهُرتْ)

ثالثاً: بما أنّ الإمام الحجّة مهدي الأمّة روحي فداه  قد جعل الأم أسوة لنفسه فلابدّ لنا أن نكون مصداقاً لما ورد في دعاء العهد (الْمُسارِعينَ اِلَيْهِ في قَضاءِ حَوائِجِهِ ، وَ الْمُمْتَثِلينَ لاَِوامِرِهِ وَ الُْمحامينَ عَنْهُ ، وَ السّابِقينَ اِلى اِرادَتِهِ )

رابعاً : لا بدّ وأن تسيطر احاسيس أولئك الاطفال  على  كياننا وذرات وجودنا؛ فأمنية هؤلاء الأطفال أن تتقبّلهم الأم الحنون فتكون لهم كأمّ و يكونوا لها أولاداً ، و هل لديهم ملجأ و مأوى غير ذلك البيت ؟ كلّهم يعرف أنّ الخروج من بيتها يعني الضياع و التيه ، فكلّ أملهم أن تقبلهم و أن يبقوا هناك لأنّهم بذلك سوف يحظون بطمأنينة و سكينة، و نحن لا بدّ أن نحسّ بهذا الإحساس دائماً هذا هو حالنا ! وهو أحسن حال .

والجدير بالذكر أنّها سلام الله عليها ستلتقط محبيها في المحشر كما تلتقط الدجاجة حبّات القمح وذلك لأنّ الشيعة كلّهم في حريمها . هل يمكن أن ندخل في حريمها بحيث يكون كلّ توجهنا إليها لا غير؛ فنكون في هذه الدنيا في بيت الأم الحنون و في الآخرة في حريمها ! فالأطفال اعتادوا على أن لا يطلبوا من أحدٍ شيئا فإن أعطتهم الأم أخذوا وإلا لم يأخذوا من يد غيرها أبدا .

 نأمل أن نكون منهم بحيث لا نفارقها أبداً و لا ننساها ودائما نعيش في نورها الزاهر ونتابع نورها أينما ذهب. ندعو الله سبحانه أن يأخذ بيدنا إلى الصراط العلوي بعناية فاطمية مهدويّة .

انهيت كتابة البحث يوم الأربعاء 16 ربيع الثاني 1437 في مدينة مشهد المقدسة و الساعة الآن الخامسة صباحاً إبراهيم الأنصاري


أطفال المدينة الغريبة - 4 19 ربيع الثاني 1437 هـ - الموافق 30 يناير 2016

أصحاب الإمام المهدي ابنِ الزهراء روحي فداها وإن كانت منزلتهم عظيمة و شأنهم رفيع وقد أكّدت الأحاديث أنّهم يجتمعون في ساعة واحدة فعن  أبي جعفر عليه السلام : .. في  قول الله: «فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا- يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً» أصحاب القائم الثلاثمائة و بضعة عشر رجلا، قال: هم و الله الأمة المعدودة التي قال الله في كتابه: «وَ لَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى‏ أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ» قال: يجمعون في ساعة واحدة قزعا كقزع‏ الخريف...) تفسير العياشي ؛ ج‏2 ؛ ص57

ولكن لو نظرنا إليهم من منظار عالم الملكوت نراهم و كأنّهم أطفال المدينة الغريبة لأنّ عالم الملكوت بمنزلة بيت فاطمة الزهراء عليها السلام ، وهي التّي تملك الملكوت على سعته وأولاها الأئمة المعصومون عليهم السلام هم أنوار ذلك البيت المبارك .

ولو نسألهم حينئذٍ من أنتم ؟ لن يذكروا أسمائهم أبداً بل سيقولون : كنّا أيتاماً مشردين فآوتنا الأم فاطمة الزهراء عليها السلام فلا نعترف بعد ذلك إلا بهذه الأم الحنون لا غير ، لأنّها هي التي ربتنا و أوصلتنا إلى هذا المستوى ، و سيقولون : وإن رأيتم ما رأيتم من شأننا و منزلتنا في الأرض فكلّها من يُمن و بركات أمّنا الزهراء عليها السلام .. ولذلك هم يَعرفون حقيقةَ المُلك الفاطمي المتجلّى في إبنها الإمام المهدي عجّل الله فرجه .

هذه الصفة العجيبة قد تكون موجودة في الكثيرين و لكنّ الله عز وجل يأتي على سيرة أحدهم و يمرّ عليه مرور الكرام ..

هؤلاء كالأطفال لا يعرفهم سوى  أمّهم الحنون و أمّا سائر الناس فلا يطيقونهم أبداً و لا يرغبون في أن يتعاملوا معهم.. و هؤلاء الغرباء هم أيضاً لا يرغبون في أن يعرفهم أحد إلا الأمّ الحنون و لا ينسجمون إلا مع تلك الطينة المطّهرة لا غير و لأجل ذلك لا يحبّون أن يشتهروا بين الناس أبداً .

الإمام الخميني قدّس سرّه من هؤلاء الغرباء الذي كان شريداً مطروداً لا مفرّ له و لا ملجأ، ينفى من بلد إلى بلد  فعانى ما عانى من شاه إيران المقبور من الشتم والإهانة و التحقير و السجن لا في بلده فحسب بل حتّى في منفاه تركيا ، والأصعب ما تجرعه من  البلوى في حوزة النجف الأشرف ممن يتزي بزيّه والحديث ذو شجون، فلم يكن له ناصر إلا  عدد قليل يعدّون بالأصابع وكلّ أنصاره كانوا مطاردين مضطهدين قد هاجروا معه إلى العراق و أمّا الباقي إمّا أنّهم لا يعرفونه أصلاً أو يعرفونه ويعادونه .

الملفت ما قاله أحد علماء العراق في حقّ الإمام رضوان الله عليه ( إن الخميني كان كنزاً أخفاه الله عن أعين الناس هنا وإلاّ لكانوا يقتلونه) فهو الغريب الذي ستره الله عن الأعداء إذ قد تعلّق بأمّه فاطمة الزهراء عليها السلام فكان يسعى و يجاهد من غير أن يظهر لأحد ذلك؛ و حتّى صدّام المعدوم لم يكن يعرف الإمام إلاّ بعدما هاجر من العراق !

 ثمّ إنّ الدخول في ساحة الغرباء هي ثقافة لها آثار عظيمة للغاية من أهمّها أنّها تُخلّص الإنسان من كثير من المخاطر و السلبيات نذكر أهمّها:

أولا : أنّها تحافظ على الإنسان من أن يبتلي بالكبر و الغرور و الأنانية وتمنعه من التوجّه نحو الشهرة و حبّ الذات.

ثانياً : أنّها تصون الإنسان من عدم التقوى و تجعله متواضعاً للأم الحنون وبذلك يكون ذلولا في قبال المؤمنين رغم عزّته في قبال الكافرين فيكون مصداقاً لهذه الآية المباركة (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ)

ثالثاً : تجعل همّ الإنسان الدائم منصبّاً على نيل رضا الزهراء عليها السلام لا غير لأنّ الله يرضى لرضاها ، وتصيّره خائفا من أن تغضب عليه فإن الله يغضب لغضبها .

مثل هذا الشيعي سوف يكتسب حساً لا نظير له  وحالا  لا شبيه له  و آثاراً جميلة لا يمكننا توصيفها فسيعيش حينئذٍ سعادة الدارين..

 إنّها  ثقافة الرسل جميعاً  بل هي ثقافة الإمام المهدي روحي فداه.  فلم نحن الشيعة لا نكتسب هذه الثقافة ؟ فنحن تبعاً لإمامنا عجل الله فرجه ينبغي أن نولّي وجوهنا شطر الأم الحنون لا غير و رغم سعينا  المستمر و الحثيث في أوساط المجتمع ينبغي أن تكون ثقافتنا ثقافة الغرباء كما كان الخضر عليه السلام؛ فهو في عين غربته كان يسعى في حوائج الناس يعمل  لأجل ذلك ؛ إذ هو مجرى الرحمة (آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا) فهو ليس من عبّاد بني إسرائيل و ليس من رهبان المسيح .

 فأطفال المدينة الغريبة لابد أن يتأسوا بالأم الحنون و ينخرطوا في المجتمع و يفكروا في يتامى آل محمّد ليساعدوهم و يوصلوا الرزق المعنوي و المادي إليهم.

في الحلقة الأخيرة سوف نتطرّق هذه الثقافة و آثارها ونشير إلى شخصيّة عظيمة تبنّت الثقافة الفاطمة فعَلت و اعتلت ووصلت إلى القمّة كيف سنجيب على السؤال القائل بأنّه كيف يمكننا أن نكون من هؤلاء الذين تعالوا ووصلوا إلى رشدهم تحت رعاية فاطمة الزهراء عليها السلام .


أطفال المدينة الغريبة - 3 19 ربيع الثاني 1437 هـ - الموافق 30 يناير 2016

مِن هؤلاء الغرباء هو الخضر عليه السلام ، فرغم الإنجازات العظيمة التّي حققها والتي منها هداية ذي القرنين و الأخذ بيده إلى وادي الظلمات ، مع ذلك فهو الغريب الذي لم يبيّن سبحانه هويته أبداً أين كان يعيش؟  كم كان عمره ؟ نحن نخاطبه بالخضر ، و لو يمرّ إلى جنبنا لا نعرفه ، و الجدير أنّه سبحانه يشير إليه من دون التصريح يقول:

الذي يقول عنه الله سبحانه (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا)(الكهف/65)

فهل لنا نحن أن نكون خضريين ؟  انظروا إلى رسول الله محمّد صلى الله عليه و آله كيف كان في أوائل البعثة يعيش مع قومه ؟

كان  يعيش أجواء الخوف و الهلع ، ففي مكّة المكرّمة عندما كان يدعو الناس إلى التوحيد اشتد الضغط عليه و على أصحابه، فأخذ مشركوا قريش يسومون المسلمين أبشع أنواع الاضطهاد والظلم ، حتى عزم  على الهجرة إلى مدينة الطائف وأخذ يدعو أهلها إلى الإسلام ولكن أهل الطائف لم يكن ردهم على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بأفضلَ من رد أهل مكة؛ فدفعوا صبيانهم وسفهاءهم لأن يتعرضوا للرسول (صلّى الله عليه وآله) ويرموه بالحجارة ، فاتهموه بأنواع التهم وأخذوا يستهزئون به، فجعل يمشي فكلما وضع قدماً وضعوا له صخرة، فما فرغ من أرضهم إلا وقدماه تشخب دماً، فعمد لحائط وجلس مكروباً، فقال: «اللهم، إني أشكو إليك غربتي وكربتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، أنت رب المكروبين)

كذلك أمير المؤمنين عليه السلام هو الغريب الذي لم يعرفه القوم و لم يقدّروا شأنه فكان في تعامله الحنون والعطوف مع الأيتام رحمه وعطاء وحبا لا مثيل لها .كان عليه السلام يمشي في الكوفة ليلا يتفقد الفقراء والايتام وبحمل جرابا فيه الطحين والسمن والتمر  من دون أن يتوقع منهم أي مقابل كيف لا يكون كذلك وهو الذي قد ورد في شأنه (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ)(البقرة/207). فابتغاء مرضاة الله من خلال الرأفة و الرحمة للعباد هو الحافز الوحيد لأمير المؤمنين عليه السلام لا غير ولذلك نزلت في شأنه وشأن الصديقة و الحسنين عليهم السلام قوله تعالى : (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ،إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا)(الإنسان8،9). ولولا إفصاح الله تعالى بذلك لم يكن أحد يعرف ماذا فعل هؤلاء عليهم السلام .

هذا و قد ورد في كتاب سليم بن قيس الهلالي (لما مَاتَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عليه السلام لَمْ يَزَلِ الْفِتْنَةُ وَ الْبَلَاءُ يَعْظُمَانِ وَ يَشْتَدَّانِ فَلَمْ يَبْقَ وَلِيٌّ لِلَّهِ إِلَّا خَائِفاً عَلَى دَمِهِ أَوْ مَقْتُولٌ أَوْ طَرِيدٌ أَوْ شَرِيدٌ وَ لَمْ يَبْقَ عَدُوٌّ لِلَّهِ إِلَّا مُظْهِراً حُجَّتَهُ غَيْرَ مُسْتَتِرٍ بِبِدْعَتِهِ وَ ضَلَالَتِهِ‏) كتاب سليم ج‏2 ؛ ص788

وأمّا الإمام الحجّة روحي و أرواح العالمين فداه فهو الذي ورد في توصيفه عن رسول الله  صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ( الطريد الشريد الموتور بأبيه و جدّه، و صاحب الغيبة) مسائل علي بن جعفر و مستدركاتها، ص: 23

فغيبته الطويلة بدأت بالثقافة و الأسلوب الفاطميّ ،  فهو متواجد في كلّ مكان ، يسمع كلام الناس و يتوجه إليهم و إلى أدعيتهم و طلباتهم ولكن غير مستعد أن يتعرّف على شخصه بعينه أحد ، فربّما نكون في مشهد الإمام الرضا عليه السلام و نحن ندعوا لفرج الإمام في حين أنّه من الممكن أن يكون الواقف إلى جنينا هو الإمام الحجّة نفسه و ربمّا ذلك الرجل الذي تتساقط الدموع من عينيه و هو يدعوا لظهور الإمام هو الحجّة نفسه نحن لا نعرفه ، هذا هو التصرف الفاطمي والإمام الحجة عجّل الله تعالى فرجه يحبّ أن يكون في تصرّفاته في زمن الغيبة  فاطمياً و قد  ورد في كلامه (في ابنة رسول الله لي أسوة حسنة) فلِم يريد أن يتأسّى بالزهراء عليها السلام رغم أنّه إمام الزمان ؟ ولماذا نشاهد إمامنا خلال 1200 سنة قد سلك مسلكاً فاطميّاً بطريقة (أطفال المدينة الغريبة) .


أطفال المدينة الغريبة - 2 15 ربيع الثاني 1437 هـ - الموافق 26 يناير 2016

هؤلاء الأطفال اعتادوا على الغربة و اعتادوا على أن لا يعرفهم أحد و اعتادوا على أن يكونوا مشرّدين و مطرودين و متخفّين ، لم يتوّقعوا  من تلك السيدة أن تلجأهم في بيتها وهم لا يعرفونها فلم تفصح باسمها وهم لم يسألوها عن اسمها استحياءً لأنّهم يعلمون أنّها ليست وراء الإسم و الرسم و الشهرة و البروز أبداً  فهم قد تعلمّوا منها هذه الصفات الحسنة ، فكان كلّ تركيزهم على حبّها و حنانها و شفقتها وكانوا يخاطبونها (السيّدة الحنون) بل ( الأمّ الحنون) فهم (أطفال المدينة الغريبة ) لأنّهم غرباء ، و قصتهم غريبة ، و خطّهم غريب ، و طريقتهم غريبة ، مدينتهم أيضاً غريبة لا ينسجمون معها ولا مع أهلها فهم في وادٍ والناس في وادٍ آخر .

وهذا هو  مثال لوضع التشيّع الأصيل في هذا العالم المادّي في العصر الراهن حيث يواجه الشيعي سيلا من التهجّمات فهذا  يشتمه ، وذاك يهينه و يحقّره وينبذه  بعبارات جارحة .. مشرك .. رافضي .. مجوس .. صفوي .. نجس !!

فهم مصداق لقوله تعالى (وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ) ينصبّ عليهم أصناف الظلم والإضطهاد من أرجاء العالم،  الأمريكان يظلمونهم بنحو و الأوروبيون بنحو بشع و المسلمون بنحو أبشع فيتقرّب بعضهم إلى الله بقتلهم واجتثاثهم و إبادتهم و نهب أموالهم ، وما دام أنّ سيدتهم غريبة فينبغي أن يكونوا كسيدتهم و أمّهم بأن يتّصفوا بصفاتها يسعون و يفرحون و يسعدون وهم غير معروفين أبداً  فلا محالة سينصبّ عليهم النصر الإلهي من التي سمّاها الله في السماء منصورة و سيتنعمون بالطيبّات من الرزق ! لا حظ هذه الآية المباركة  وكأنّها نزلت في حقّهم (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(الأنفال/26).  فهي توصيف لهؤلاء الغرباء بين الناس و ليسوا بغرباء بين سيدتهم فاطمة الزهراء عليها السلام  في الحديث (قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام :  قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ‏ أَ تَدْرِي مَنْ هُمْ قُلْتُ أَنْتَ أَعْلَمُ قَالَ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الْمُسَلِّمُونَ إِنَّ الْمُسَلِّمِينَ هُمُ النُّجَبَاءُ وَ الْمُؤْمِنُ غَرِيبٌ وَ الْمُؤْمِنُ غَرِيبٌ ثُمَّ قَالَ طُوبَى‏ لِلْغُرَبَاءِ) المحاسن ؛ ج‏1 ؛ ص272

علماً بأنّ طوبى هي ملكوت الأم الحنون فاطمة الزهراء روحي فداها  ( قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام:  كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله و سلّم يُكْثِرُ تَقْبِيلَ فَاطِمَةَ عليها السلام فَغَضِبَتْ مِنْ ذَلِكَ عَائِشَةُ وَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ (ص) إِنَّكَ تُكْثِرُ تَقْبِيلَ فَاطِمَةَ عليها السلام  فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله و سلّم يَا عَائِشَةُ إِنَّهُ لَمَّا أُسْرِيَ بِي إِلَى السَّمَاءِ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَأَدْنَانِي جَبْرَائِيلُ عليه السلام  مِنْ شَجَرَةِ طُوبَى‏ وَ نَاوَلَنِي مِنْ ثِمَارِهَا فَأَكَلْتُهُ- فَلَمَّا هَبَطْتُ إِلَى الْأَرْضِ حَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ مَاءً فِي ظَهْرِي- فَوَاقَعْتُ خَدِيجَةَ فَحَمَلَتْ بِفَاطِمَةَ فَمَا قَبَّلْتُهَا إِلَّا وَجَدْتُ رَائِحَةَ شَجَرَةِ طُوبَى‏ مِنْهَا) تفسير القمي ؛ ج‏1 ؛ ص22

نشاهد أنّ أسلوب الكلام في القرآن الكريم يتّجه و يميل إلى هؤلاء الغرباء كما نلاحظ في سورة يس حيث يقول (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِين، اتَّبِعُوا مَنْ لاَ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ)(يس/20 - 21). فرغم أهميّة كلامه و موقفه لا يتطرّق سبحانه إلى اسمه و رسمه و بلده ، وانظر إلى مستوى اخلاصه ! فبعد أن قتله القوم  يتمنّى أن يتعرف قومه الذين ظلموه على غفران الله و إكرامه  لعلّهم يهتدوا (قِيلَ ادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ)(يس/26).

(بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُكْرَمِينَ)(يس/27). أحبّائي : إنّها كلمة عظيمة ينبغي أن نجعلها نصب أعيننا  ، فهي العنوان الرئيس للغرباء .

و من حقّكم أن تطلبوا منّى أن أبيّن أسلوب الدخول في ساحة الغرباء أسلوباً سهلاً لكى نحظى جميعاً بألطاف الأم الغريبة المضطهدة  المجهولة القدر و القبر ... فانتظروا .. إبراهيم الأنصاري ... مشهد المقدّسة


أطفال المدينة الغريبة - 1 15 ربيع الثاني 1437 هـ - الموافق 26 يناير 2016

إنّ الدنيا للمؤمنين ليست محلا للرفاهية و الأمن فمثل الدنيا كمثل حارة فيها ثُلة من الصبية الصغار الذين قد تيتم بعضهم ، يلعبون في أزقتها يملؤُهم مرحُ الطفولة و ضحكات البراءة إلا إنهم وبمجرّد أن تعلو أصواتهم حتى يخرج أحدهم رأسه من نافذة منزله صارخاً في وجههم بقوله : ابتعدوا من هنا، لماذا تلعبون و تسبّبون ازعاجي؟!  أو ليس لديكم آباءٌ و أمهات؟  انصرفوا إلى بيوتكم !

فيبتعدون و يذهبون إلى جهة أخرى وما إن يشرعوا باللعب حتى يَنهرُهم شخصٌ آخر فيَصبّ الماء على رؤوسهم و يُسمعهم الشتائم والسباب مبعداً إياهم عن ذاك المكان! فيلتجأون إلى مكان آخر ليستقبلهم صاحب ذاك البيت أيضاً بالسبّ و يرميهم بالحجارة ، مما يضطرهم  إلى الاحتماء بمكان آخر و يستمر بهم الحال على هذه الوتيرة ! حيث لا يجدون مكاناً ليستقرّوا فيه ، فيتملكهم الحزن و الخوف فلا يوجد من أحدٍ ينظر إليهم بعين الرحمة و العطف و الحنان وإنما تطاردهم نظرات الغضب و أكفّ  الزجر والقسوة. أولئك الأطفال قد أنهكهم التعب وهم جياع و عطاشى يبحثون عن ملجأ و مأوى !

إلى أن يصلوا إلى حائط بيت كانوا يظنونه خالياً من السكنى  فينتهزون الفرصة ليلعبوا إلى جانبه وهم في أوج السعادة والفرح فإذا بباب البيت قد انفتح ، فيتفاجأ الجميع وإذا بإمرأة متحجّبة ساترة وجهها واقفة على عتبة الباب !

يتسمرون في أماكنهم مترقبين فعلَها وموقفًها تجاههم متسائلين :

هل ستصب الماء على رؤوسنا !

أم ستبعدنا من هذا المكان وعندها إلى أين نلتجئ !

فإذا بها تخاطبهم :

عندما تلعبون خارج البيت سيؤذونكم الناس؛ هلّموا جميعاً إلى داخل البيت فإنّه وسيع ، والعبوا هنا فليس في البيت أحد غيري يزاحمكم ، تعالوا لأ أؤنسكم بالقصص الماضي والمستقبل و ما جرى عليّ! فينظرون إليها وهم ما بين الخوف و الرجاء ولكنهم يشعرون أنّها صادقة !

فيدخل الطفل الأول و يتبعه أصدقاؤه.. فتأخذهم إلى ساحة البيت ثمّ إلى حوض الماء و تقول : اغسلوا و جوهكم ها هنا و بمجرّد أن تنتهوا سأكون قد جهزت الطعام لكم.

فيأتي الأطفال  إلى الماء فيغسلون وجوههم وهي تنظر إليهم،   فإذا بطفل صغير لا يعرف كيف يغسل وجهه ، فتأتي تلك المرأة الحنون  إليه فتغسل له وجهه بيدها اللطيفة بلطف وحنان وكأنّ الماء ينبعث عنه النور !

أولئك الأطفال لا يصدّقون ما يجري؛ لأنّهم لم يروا في تلك الحارة إلا السب و الشتم و الضرب و الرشق بالحجارة و صبّ القمامة.   وهاهم الآن يجدون الحنان و اللطف والمحبّة  والرحمة .

شيئاً فشيئاً يزول الخوف من قلوبهم فيتعلّقون بها فتأتي و تفرش المائدة و تضع أنواع الأكل و الشراب فيها و تدعو الأطفال ليأكلوا ، و أثناء تناولهم الطعام تقصّ عليهم قصصاً جميلة و تتحدّث عن محبّة الله و تحكي عن الماضي و المستقبل ، كلامُها في غاية اللطف و السلاسة و الرَخامة إذ  أنّها وبمجرّد أن تتحدّث عن الماضي كأنّها تنقلهم إلى الماضي و عندما تذكر المستقبل تأخذهم إلى المستقبل و كأنّهم يعيشون هناك !
هؤلاء الأطفال  عاشوا الغربة حيث ما من أحد يعتني بهم أبداً بل لم يكونوا  يعتبرونهم كسائر الناس فلم يعترفوا بهم .

هذه السيدة هي الوحيدة التي تحترم كيانهم و ترى لهم شأناً و منزلةً و تحبّهم و تتودّ إليهم فهم ينظرون إليها وكأنّهم يعيشون في عالم من الخيال ، لأنّهم لم يعرفوا مفهوم الحبّ والودّ و الشفقة و الحنان من قبل!

فمثل الشيعة في هذه الدنيا مثل هؤلاء الأطفال ، دائماً يعيشون الخوف و يذوقون الأذى من المشركين و الطغاة و الفسقة و حتى من المسلمين ! فأين يلتجأون و ما هو الحلّ الأمثل للتخلص من الهموم و العيش في أجواء آمنة وما عساهم أن يفعلوا ليدخلوا في بيت سيدة نساء العالمين فتنظر إليهم و تحتضنهم ؟

تابع معنا الحلقة الثانية غدا إن شاء الله ... إبراهيم الأنصاري ... مشهد المقدّسة


أم أبيها 16 ربيع الأول 1437 هـ - الموافق 28 ديسمبر 2015

أمّ أبيها ! ينبغي التأمّل في مفهوم الفاطمية فهي تعني أنّ الإنسان يتحسّس وضع الآخرين ، فمجرّد أن شاهد عقدة يمكن له فكّها فيسعي لخلاصهم منها من دون التهاون والتمادي ، هذه هي صفة فاطمة فلا تريد الشرّ لأحد من شيعتها و دائماً تريد الخير لهم فالفاطمية تعني إحتضان  المؤمنين وابعادهم عن المصاعب والأزمات ، فلقائل أن يقول إذن يكون مفهوم (المنجي) تحت خيمة الفاطمية ومن بركاتها ! أقول: نعم هو كذلك، فسفينة النجاة الحسينية المهدوية هي من فروع الفاطمية! بل حتّى الرحيمية والرؤوفية المحمدية كذلك وهذا يعني أنّها أم الحسين عليه السلام وأمّ المهدي عجل الله فرجه وهي في نفس الوقت أمّ أبيها ، وهذا شأن الأمّ تحتضن أولادها و محبيها و تحافظ عليهم!  فاطمة !! يا لها من أمّ تقف على باب الجنّة وتدخل شيعتها و محبيها في النعيم الإلهي . فمن هذا المنظار تكون هذه الدار جميلة بفاطمة عليها السلام و كذلك دار الآخرة يتضاعف جمالها وحسنها بوجود فاطمة الزهراء عليها السلام.


نور واحد ! 16 ربيع الأول 1437 هـ - الموافق 28 ديسمبر 2015

أهل البيت عليهم السلام هم مفردات و مصاديق قضيّة واحدة ، نطاق هذة القضيّة وسعتها الوجودية طولا وعرضاً و ارتفاعا يندرج ضمن شخصيّة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلّم ومهمتّه الخطيرة بما هو خاتم الرسل ، والمسير في هذه الساحة هو أمير المؤمنين عليه السلام فهو الصراط المستقيم ، وأمّا أسلوب الحركة في هذا الطريق قد رسمه الإمام الحسين عليه السلام و ثمرات هذا الطريق أعني النعم على الصراط  التي وردت في قوله صراط الذين أنعمت عليهم  فهي المهدوية ، وكلّ ماوراء هذه الساحة من الدعم و النصرة فهو من المنصورة فاطمة الزهراء عليها السلام ، وكلّ واحد من أهل البيت عليهم السلام حاضرفي هذه الساحة المباركة كلّ يؤدّي دوره الفعال في تحقيق هذا الإنجاز العظيم فكلّهم نور واحد !


التجلي الأعظم 16 ربيع الأول 1437 هـ - الموافق 28 ديسمبر 2015

التجلي الأعظم : إنَّ الآيات الأخيرة من سورة الحشر هي من أروع الآيات القرآنية أنزلها الله لأناس متعمقين ولعّلها تشتمل على الإسم الأعظم  قال تعالى: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ..)(الحشر/21). لماذا هذا الخشوع للجبل ؟ لأنّ القرآن هو فيض إلهي تامّ نزل من سماء الألوهية ومن مقام واجب الوجود المطلق  فمن المستحيل أن يتحمّله الجبل مهما عظم وهذا ينطبق على الأمانة الأخرى أيضا أعني الولاية قال تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا ...)(الأحزاب/72). وهذه (لو) في قوله (لو أنزلنا) تستعمل في اللغة حتى في الأمور غير الممكنة فيمكنك القول  لو كان فلانٌ (الذي كان يعيش قبل قرن) موجوداً الآن لفعل كذا و كذا ! ولذلك يقول سبحانه (وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ). فيا ترى من يمكنه تحمّل هذا الثقل العظيم ؟ هو الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله ، فهو رغم عظمته و علوّ شأنه يخاطبه سبحانه: (قُمْ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً*نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً*أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً*إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً)(المزمل/5:2) ثمّ إن الآيات تبيّن السبب لعدم تمكّن الجبل من تحمّل هذا الثقل (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ...الخ) هذا هو الله بصفاته الجمالية والجلالية ، فالفيض الإلهي تام وفوق التماميّة لأنَّ الله (دائم الفضل على البرية وباسط اليدين بالعطية) ولكن ينبغي أن يتوفَّر الاستعداد وقابلية لقبول الفيض ، وتلك القابلية إنَّما وصلت إلى مستواها الكامل حينما بعث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فالمبعث على حد تعبير الإمام إنّما هو استنزال الفيض وهذا لم يحصل إلا بعد الوصول إلى  مقام العبودية ، فالشأن كل الشأن للعبودية، يقول سبحانه وتعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا)(الفرقان/1)وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ)(البقرة/23((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَّهُ عِوَجَا)(الكهف/1) (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ)(الحديد/9).


الزهراء للهداية إلى الصراط 10 ربيع الأول 1437 هـ - الموافق 22 ديسمبر 2015

قد شرح الله الظلمات في قوله (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ... الخ )(النور/40). وفي الكافي 1: 151  حديث عن الإمام الصادق عليه السلام يبيّن مصداق هذه الآية  بأنّ الظُلُماتٍ هو فلان وفلان و يَغْشاهُ مَوْجٌ فلان و أنّ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ معاوية (لعنه الله) . 

و علماً بأنّ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله قد وُصف بأنّه (سراجاً منيراً) و وصفت الزهراء عليها السلام بأنّها (الكوكب الدرّي) ، نعرف دورها في تطبيق قوله تعالى(الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)(إبراهيم/1).

 فهي روحي فداها بإذن الله ، بزهرائيتها نوّرت العالم لكلّ بصير فأخرجتهم من ظلمات السقيفة إلى النور ليشاهدوا علويّة أمير المؤمنين المتمثّل في (صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) وأمّا (وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً)(الإسراء/72).  فما هي حقيقة هذا الإذن الإلهي ؟!


نظام الأربعين 07 ربيع الأول 1437 هـ - الموافق 19 ديسمبر 2015

سلسلة ألحقني بالصالحين (3)

كم سعى المسلمون أن يُوجّهوا الأمم إلى الإسلام من خلال الدعوة باللسان وحيث لم يكن الإمام عليه السلام هو محور أقوالهم و أعمالهم فلم يحقّقوا نجاحاً كبيراً بل قد انحرفت أكثر الثوراة وانقلبت إلى ضدّها ، ولكن الله سبحانه قد تصرّف في الأمر بنفسه ووجّه الأمّة من خلال (لسان الإستعراض) إلى مدرسة أخرى مبتنية على محورية (الحق معكم و فيكم و منكم وأليكم ) و محورية (وإياب الخلق إليكم ) أي (محورية الإمام المعصوم المتجسّد في سيد الشهداء عليه السلام ) ألا و هو:

 نظام الأربعين

في هذا النظام يكون كلُّ شيء بلا استثناء للإمام لا غير ، وينطلق هذا النظام من الحبّ و العشق لا غير وأعني مِن لا غير ، لا الحماس و لا الحزن و لا العزاء و لا الإنتقام رغم أهميّتها جميعاُ ، فما أجمل نظام الأربعين !

نشاهد أن جميع من هو في هذه الساحة قد حصر في قلبه جميع القيم و بلورها و قلّصها في مقولة واحدة ألا و هي (حبّ الإمام الحسين عليه السلام) وهو النظام هو بنفسه الذي تبناه الصحابي الجليل عابس بن شبيب الشاكري  عندما نادى عمر بن سعد : ويلكم ارضخوه بالحجارة . فرمي بالحجارة من كل جانب ، فلما رأى ذلك ألقى درعه ، ثم شدّ على الناس فقيل له: أجننت يا عابس؟ فقال : (أجل حب الحسين أجنني)

و طبيعة العشق هي الجذب نحو المعشوق الذي بطبيعته يدعوا العاشق أن يتخلّى عن كلّ ما سوى المعشوق أو لا يتوجّه إليها بشدّة و حدّة ، فالعزاء والإنتقام واللعن رغم شدّتها في عاشوراء يخفّ لونها في الأربعين ، ولذلك لم يشأ سبحانه أن يجعل هذا النظام في عاشوراء ، لأنّ الأربعين من أجل استعراض المدينة الفاضلة التي طالما كتب عنها الحكماء و الفلاسفة ولم ترى النور ابداً بل بقيت سجينة الكتب !

الأربعون يعلّمك أنّه مهما طال المسير للوصول إلى الإمام ولكن يبقى العزم ثابتاً و الرؤية واضحةً و السعي  حثيثاً بل يشتدّ ذلك العزم أضعافاً مضاعفة لا يشوبه كلل و ملل  فهنيئاً لكم عشاق قتيل العبرات عليه السلام وهنيئاً لزوّاره المشاة الذين أصبحوا مصداقاً لقوله تعالى  (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ، وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )(البقرة147،148).

 إبراهيم الأنصاري - 10 صفر 1437 - البحرين


الكنز الخفي ! 26 صفر 1437 هـ - الموافق 09 ديسمبر 2015

الكنز الخفي !

في الكافي عن المفضل : قال  قلت لأبي عبدالله (ع) : كيف كنتم حيث كنتم في الأظلة فقال :" يا مفضل كنا عند ربنا ليس عنده أحد غيرنا في ظلة خضراء نسبحه ونقدسه ونهلله ونمجده وما من ملك مقرب ولا ذي روح غيرنا حتى بدا له في خلق الأشياء فخلق ما شاء كيف شاء من الملائكة وغيرهم ثم أنهى علم ذلك الينا "

في الحديث القدسي (كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف) فالمفروض أن يخلق من يسعى لمعرفته و يرتقي إلى ذلك وهم الأنوار القدسية أعني أهل البيت عليهم السلام لا غير ولكن بعد أن خلقهم رأى بأنهم قد وصلوا إلى أعلى مستويات الكمال من خلال التسبيح و التقديس و التهليل و التمجيد ، فتحقق (البداء) في علمه و خلق سائر الموجودات جميعاً من أجل أن تتعرّف على أهل ابيت عليهم السلام (السلام على حَمَلَة سرّ الله) فإنّهم كنز الله الخفي بهم يعرف الله وبهم يعبد الله   وفي حديث الإمام الصادق عليه السلام فقال له رجل: يا بن رسول الله، بأبي أنت واُمّي، فما معرفة الله؟ قال (عليه السلام): معرفة أهل كلّ زمان إمامهم الذي يجب عليهم طاعته.

فالسرّ في خلقنا هو معرفة الله بل معرفة أهل البيت كما ورد في تفسير قوله تعالى (وما خلقت الجنّ و الإنس إلا ليعبدون) عن الإمام الصادق (عليه السلام) في قوله: إلاّ لِيَعْبُدُونِ  أي: إلاّ ليعرفون على ضوء ذلك يمكننا معرفة قوله في الدعاء  (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ أُولِي الأَمْرِ الَّذِينَ فَرَضْتَ عَلَيْنَا طَاعَتَهُمْ وَ عَرَّفْتَنَا بِذَلِکَ مَنْزِلَتَهُمْ ) فالسبب في أنّ الله فرض علينا طاعتهم هو أن نتعرّف على منزلتهم وبالنتيجة نعظم الله سبحانه الذي خلقهم ... فيا أيها الحبيب إياك أن تغفل عن هذه الحقائق فإنّها الخسارة العظمى التي لن تجبر أبداً فلا تصغى لقول الجهلة من الفريقين الذين يبثون السموم في أذهان الناس فإنّهم جنود الشيطان أعاذنا الله شرّهم .


لكي نتكامل 09 صفر 1437 هـ - الموافق 22 نوفمبر 2015

سلسلة ألحقني بالصاحين (2) 

لكي نتكامل

لكي ننمو و نتكامل وننطلق نحو الرشد و التعالي فنتخلّص من الكون النباتي الذي أشار إليه سبحانه في قوله (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنْ الأَرْضِ نَبَاتًا)(نوح/17) ونصبح إنساناً يمشي على رجلين فنلتحق بركب الصالحين ، نفتقر إلى أرضيّة خصبة يخيّم عليها نور الله عزّ وجلّ ، ويا حبذا لو كان فيها ربوة وإلى جنبها ماء معين ، فهل تدلّونني على أرضٍ مشتملٍ على هذه المميزات غير أرض كربلاء ؟

إن طلبت نور الله تجده هناك فصاحبه هو مصباح الهدى ذلك (الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ) وهو النور في الأصلاب الشامخة و الأرحام المطهّرة ، و هو النور الذي لا يطفأ و لن يطفأ أبداً !

وإن أردت الربوة العالية فهذا علي بن الحسين الأكبر و الأصغر وأبو الفضل العباس  و بنو هاشم و الأصحاب حين ارتقوا إلى الأعلى!

وإن بحثت عن الربوة الظاهرية فعليك بالتل الزينبي الذي رفع بنت فاطمة  عليهما السلام إلى أعلى عليين فاكتسبت البصيرة و نادت بأعلى صوتها ما رأيت إلا جميلا!

وإن طلبت الماء المعين فأيُّ ماء يعادل ماء الولاية الذي عُجنت بها طينتُك أيها العاشق؟ ذلك الماء (الطهر الطاهر المطهّر من طهر طاهر مطهّر) والذي طهرت به البلاد وطهّر أرضَ كربلاء .

فهيّا إلى كربلاء مشياً على الأقدام خلفَ  عيسى المسيح عليه السلام و أمّه مريم (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ)(المؤمنون/50). و الجدير بالذكر ما في مجمع البيان «وَ آوَيْناهُما إِلى‏ رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَ مَعِينٍ» و قيل: حيرة الكوفة و سوادها. و القرار مسجد الكوفة و المعين الفرات عن أبي جعفر و أبي عبد الله عليهما السلام.

ولذلك نخاطب شهداء كربلاء (طبتم و طابت الأرض التي فيها دفنتم و فزتم فوزاً عظيماً ) فهنيئاً لزوّارك يا أبا عبد الله ، فالله هو الذي يتكفّلهم (أ أنتم تزرعونه ام نحن الزارعون) و يتقبلّهم ( فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا ...)(آل عمران/37).(وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ...)(الأعراف/58). ... إبراهيم الأنصاري البحراني 9 صفر 1437


فأتبع سببا ! 07 صفر 1437 هـ - الموافق 20 نوفمبر 2015

 قال تعالى (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا)(مريم/25).  علماً  بأنّ الهزّ هو التحريك الشديد كيف بإمكان مريم عليها السلام ذلك؟ ومن الواضح أنّه يصعب جدّاً تحريك النخلة من جذعها خصوصاً الجانب السفلي ، و لو فرضنا أنّها كانت مستلقية فالهزّ يكاد أن يكون مستحيلا عادةً فلَم تكن تفكّر في هزّ الجذع لو لم يأمرها الله بذلك فقول المفسّرين  بأنّ الجذع كان يابسا لا ثمر عليه إذ لو كان عليه ثمر لهزته من غير أن تؤمر به غير مقبول . هاهنا ينفتح لنا بابٌ من المعرفة الربّانية وهو أنّ الله أمرها بالهزّ أي الدفع لا غير سواء إهتزت النخلة أو لم تهتزّ فهذا هو تكليفها المطلوب منها كسبب وأمّا المسبب فيحقّقه الباري جلّ و علا ، فبمجرّد أن وضعت يدها على الجذع لتهزّ نشاهد أنّ النخلة كأنّها عرفت ما تريد مريم عليها السلام فأسقطت لا على الأرض ! بل في حضنها ! الرطب الجنيّ لا غير لأنّ المساقطة هي الإسقاط، و ضمير تساقط يرجع إلى النخلة نفسها ، فهي كسائر الموجودات تشعر و تسبح و تسجد قال تعالى  (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا)(الإسراء/44).  وأيضاً  (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ ...)(الحج/18). من هنا نعرف مستوى معرفة ذي القرنين عليه السلام حيث كان يتبع السبب لا غير ، قال (فَأَتْبَعَ سَبَبًا)(الكهف/85). قال الإمام الخميني قدّس سرّه : (نحن مأمورون بإداء التكليف لا تحقيق النتيجة لأنّ النتيجة بيد الله ).

 بل ينبغي أن نؤمن بأن التكليف الالهي هوالغاية مهما اختلفت نتائجها الظاهرية حيث أن تلك النتائج الماديه و حتى المعنوية لا تعد نتائج و غايات بل النتيجة هى رضى الله سبحانه و تعالى لا غير (رضا برضاك لا معبود سواك) فتأمّل أيها العزيز وفكّر ثمّ آمن و طبّق ذلك في سلوكك فإنّ تمكنت من ترسيخ هذه الرؤية في قلبك و ظهرت في جوارحك فاعلم أنّك كسبت سعادة الدنيا و الآخرة.   إبراهيم الأنصاري ، البحرين – المنامة ، الجمعة 20 ذي القعدة 1436 ، الساعة السادسة صباحاً

 


عاشوراء بعين الله جلّ جلاله ! 07 صفر 1437 هـ - الموافق 20 نوفمبر 2015

*عاشوراء بعين الله جلّ جلاله: (هوّن علي ما نزل بي أنّه بعين الله) قالها الإمام الحسين عليه السلام بعد مقتل طفله عبد الله الرضيع ، وبذلك المصائب لا تهون عليه فحسب بل تنقلب إلى حوادث يشتاق إليها الإنسان حيث أنّه من خلالها يزداد القرب إلى المعشوق ! لتوضيح هذا الأمر نتوسّل بمثال : نشاهد الولد وهو يتلوا القرآن بصوت ، ولكن سرعان ما تحول إلى تلك القراءة الشجيّة المبدعة و الصوت الجميل المبهر ! ماذا حدث ؟ نلاحظ في المجلس نفسه الأب جالسٌ و هو ينظر إلى طفله الصغير كيف يتلوا . ففي المرة الأولى لم يكن الطفل يعلم وجود أبيه ولكن بمجرّ أن علم ذلك وأنّه ينظر إليه تغيّر كلّ شيء ! من هنا نعرف السرّ في قولنا حين الوقوف في الصلاة بعد الركوع ( سمع الله لمن حمده) وما قيمة العبد حتّى ينظر إليه و يستمع إلى كلامه الربّ بل يكون ربّه خير جليس و أنيس له (يا أَنِيسَ مَنْ لا أَنِيسَ لَهُ) بل أكثر من ذلك يعشقه، وقد ورد في الحديث القدسي (من طلبني وجدني ومن وجدني عرفني ومن عرفني احبني ومن احبني عشقني ومن عشقني عشقته ومن عشقته قتلته فمن قتلته فعلي ديته فمن علي ديته فانا ديته ) وحينئذٍ يصل العبد إلى مستوى من العبودية بحيث تتمنى الحور معانقته و هو لا ينظر إليها بل يكون كلّ أمله أن يصل إلى جنّة لقاء الله حيث نقل عن سيد الشهداء عليه السلام (تركت الخلق طرّا في هواكا و أيتمت العيال لكي أراكا). فعقلية بني هاشم سلام الله عليها شاهدت هذه المواقف وعاشتها من يوم خروجها من المدينة إلى حين وصولها إلى كربلاء خصوصاً في يوم عاشوراء ، ولذلك نادت : (ما رأيت إلا جميلا)


الطواف للصلاة 20 ذو القعدة 1436 هـ - الموافق 04 سبتمبر 2015

إنّ كلّ شيء بدأ من الولاية وينتهي إلى الولاية عندما خلق الله نور أهل البيت خلق العرش من نورهم ثم خلق الخلق ليطوفوا حول العرش .. ماذا يعني هذا ؟ هذا هو عصارة العمل الإيجابي وهو عنوان عام للتصرف ..كما أنك لو أردت أن تكتب عن الربيع تكتب عنواناً اسمه (الربيع) . فجميع الأعمال الحسنة تتلخص في كلمة واحدة وهي : (الطواف) طواف العالين حول العرش ، الذي هو وجه الله  وترجمان الطواف في واقع الحياة هو الإطاعة و التبعيّة .الصلاة هي كالسلّم الذي من خلاله تصعد إلى الأعلى ، فمتى تصعد ؟ عندما بينت موقفك من الإمام يؤذن لك بالرفعة فلا يمكن وضع السلّم أينما شأت بل لابدّ من وضعه في موضع متناسب ، فالهدف هو الصلاة الذي يوجب القرب والرفعة ومن يطلب الرفعة لابد وان يكون تحت الولاية ولذلك قال(رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ)(إبراهيم/37). فتوجّه القلب إلى الولي هو الذي يجعل الإنسان يهتدي و يعرج ويتقرب إلى الله لأن الولي هو باب الله ومنه ينفتح الباب (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا)(البقرة/189). وفي الحديث ( نحن البيوت أمر الله أن تؤتى أبوابها)


السلطان الغريب! 10 ذو القعدة 1436 هـ - الموافق 25 أغسطس 2015

السلطان الغريب : يا ترى من بامكانه أن يحقق مصاديق هذه الآيات المباركة :

*الأولى:( يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرينَ يُجاهِدُونَ في سَبيلِ اللّهِ ..) حيث ورد عن الامام الباقر عليه السلام(والله لو أن أهل السماء والارض اجتمعوا على أن يحولوا هذا الامر من موضعه الذي وضعه الله فيه ما استطاعوا، ولو أن الناس كفروا جميعا حتى لا يبقى أحد لجاء الله لهذا الامر بأهل يكونون من أهله)

*الثانية: (فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين)حيث قال عليه السلام: إن هذه الآية هم أهل تلك الآية" . وفي تفسير القمي: "(ضرب رسول الله يده على متن سلمان و قال هذا و ذووه ثم قال لو كان الإيمان معلقا بالثريا لناله رجال من فارس)

*الثالثة :( وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ) قال له رجل : يا رسول الله ! من هؤلاء الذين لم يلحقوا بنا ؟ فوضع يده على رأس سلمان الفارسي وقال : " والذي نفسي بيده لو كان الإيمان بالثريا لناله رجال من هؤلاء" إنّه الإمام الغريب عليه السلام الراضي بالقدر و الرضا بالقضاء حينما ترك المدينة و هاجر إلى خراسان وأيضاً من اقتدت به وتبعته وماتت في قم غريبة . و لا تنسى أنّ المئات من بني هاشم التحقوا بهذا الركب المهدوي و انتشروا في هذه البلاد ولقبورهم دور عظيم في نشر الدين وهاهنا أقول : فهل يمكن انكار الحقيقة الواضحة بوضوح الشمس أنّ الإمام الحجّة أرواحنا فداه سيأخذ من هؤلاء جنوداً بهم يحقق الحقّ و يبطل الباطل ؟ إبراهيم الأنصاري – قم المقدّسة


ستدفن بضعة منّي في خراسان 10 ذو القعدة 1436 هـ - الموافق 25 أغسطس 2015

هل هناك تناسب بين الحديثين ، بين قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم ((ستدفن بضعة مني في خراسان)) (الصادق عن آبائه عليهم السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ستدفن بضعة مني بأرض خراسان لا يزورها مؤمن إلاّ أوجب الله عز وجل له الجنة وحرّم جسده على النار).(البحار ج102 ص31 رواية1 باب4). وبين قوله صلوات الله عليه وعلى آله ((فاطمة بضعة مني من أحبها فقد أحبني ومن أبغضها فقد أبغضني)) (عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: فاطمة بضعة مني من سرها فقد سرني ومن ساءها فقد ساءنى..).(البحار ج43 ص23 رواية17 باب3). لا شكَّ في أنَّ هناك ارتباطاً وثيقاً بين تلك الاحاديث فلا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى. والجدير بالذكر أن المهدي كما ورد في الاحاديث هو من ولد الرضا وهو أيضاً من ولد فاطمة، فالتأكيد على الرضا وعلى فاطمة ليس إلاّ من أجل وجود الارتباط بين هذا الولد وتلك الأم.


فإنّ لك عند الله شأناً من الشأن ! 10 ذو القعدة 1436 هـ - الموافق 25 أغسطس 2015

ما الذي ميّز فاطمة المعصومة عليها السلام ؟ وما السرّ في هذا الشأن العظيم لها؟ وأهمية زيارتها حيث ورد في الحديث :عن الإمام الرضا (عليه السَّلام) قال: (مِنْ زارها عارفاً بحقها فله الْجَنَّة) .السرّ يكمن في أمر واحد وهو : التبعية المحضة لإمام زمانها الإمام الرضا عليه السلام فشأنها شأن عقيلة بني هاشم حيث لم يكن يهمها شيء إلا إمامها الإمام الحسين عليه السلام ، فهي من الغداة إلى العشي كانت تسأل عن الإمام وكانت تفعل ما يريده الإمام لا في القول بل في الرأي و الرؤية ، بحث لا قيمة للنفس في قبال المولا وهذا ما أكّدت عليه زيارة الجامعة الكبيرة (ورَأْيي لَكُم تَبَعٌ وَنُصرَتي لَكُم مُعَدَّة) حيث لا قيمة للنفس في قبال الإمام عليه السلام ولذلك نقول (بأبي أنتم وأمي ونفسي وأهلى و مالي وأسرتي) . وفهذا درس عظيم ينبغي أن نتعلمه من هذه السيدة الجليلة سلام الله عليها. 


من النور إلى النور 29 شوال 1436 هـ - الموافق 15 أغسطس 2015

ماذا نكتسب حينما نتوجّه إلى إمامنا الحسين عليه السلام مشياً على الأقدام ؟ نكتسب نور الإمام عليه السلام و ذلك من خلال قمر الشمس الحسيني أبي الفضل العباس عليه السلام  ! ولكن سرعان ما ينمحي هذا النور من وجودنا جرّاء التعلقات  الدنيوية إلى أن نوفّق مرة أخرى لزيارة الأربعين .

ولكن هناك من بقي فيها النور رغم صغر سنّها وسيبقى إلى يوم القيامة بل في الجنّة أيضاً ، وهي السيدة الجليلة فاطمة بنت الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام ، ألا تلاحظ الملايين من الفقهاء و المفسّرين والعرفاء الربّانيين  كيف يستنيرون  منها للخروج من غياهب الجهل والتنوّر بنور العلم ، هذا إن دلّ على شيء يدلّ على استمرار بل استقرار النور الرضوي فيها ! حيث مشت قاصدةً مولاها الإمام الرضا عليه السلام ، فلا عجب أن نخاطبها في زيارتها (يا فاطمة ، اشفعي لي في الجنة ، فإن لك عند الله شأنا من الشأن).

وبما أنّ نورها يتبع نور الإمام الرضا عليه السلام ذلك الإمام الفاتح للطريق نحو دولة الإمام المهدي روحي فداه ، فمهمّتها تمحضت في السير و السلوك في هذا الطريق كما يظهر في زيارتها نظرياً(اسئل الله أن يرينا فيكم السرور و الفرج و أن يجمعنا و إياكم في زمرة جدكم محمد صل الله عليه و آله و أن لا يسلبنا معرفتكم إنه ولي قدير).  ويُشاهد في حرمها ميدانياً ، فلا عجب أن يبدأ المؤمنون سيرَهم مشياً من حرم المعصومة عليها السلام و ينهونه بمسجد صاحب الزمان أروانها فداه (جمكران) فيا أيها الحبيب لا تغفل عن هذه الأمور ولا تمرّ عليها مرور الكرام فإنّها جميعاً آيات لك و لنا لعلّنا نوجّه وجهنا نحو كعبة المقصود فننجو من تبعات الهبوط .

إبراهيم الأنصاري البحراني – 29 شوال 1436 الساعة 05:45 مساء