• السَّلامُ عَلى الشَّيْبِ الخَضِيبِ ، السَّلامُ عَلى الخَدِّ التَّرِيْبِ ، السَّلامُ عَلى البَدَنِ السَّلِيْبِ ، السَّلامُ عَلى الثَّغْرِ المَقْرُوعِ بالقَضِيبِ ، السَّلامُ عَلى الرَّأسِ المَرفُوعِ .....فَلَئِنْ أخَّرَتْني الدُّهُورُ ، وَعَاقَنِي عَنْ نَصْرِكَ المَقْدُورُ ، وَلَمْ أكُنْ لِمَنْ حَارَبَكَ مُحَارِباً ، وَلِمَنْ نَصَبَ لَكَ العَدَاوَةَ مُناصِباً ، فَلأنْدُبَنَّكَ صَبَاحاً وَمَسَاءً ، وَلأبْكِيَنَّ لَكَ بَدَل الدُّمُوعِ دَماً ، حَسْرَةً عَلَيكَ ، وتَأسُّفاً عَلى مَا دَهَاكَ وَتَلَهُّفاً ، حَتَّى أمُوتُ بِلَوعَةِ المُصَابِ ، وَغُصَّةِ الاِكْتِئَابِ .
  • عنواننا في التلغرام : https://telegram.me/al_kawthar الإيميل : alkawthar.com@gmail.com

كمثل الحمار 15 شوال 1437 هـ - الموافق 21 يوليو 2016

لا يهتدي الناس من خلال المواعظ المتتالية التي لا طائل ورائها فإنّ الكثرة ليس هي مطلوبة دائماً فربّ كلمة قصيرة بل حتّى إشارة بسيطة وموقف إيجابي يكون لها تاثيراً سحرياً لا تجدها في الخطابات الطويلة !

طلاب العلم في قم كانوا يملكون كنزاً من عالم الملكوت يكفيهم الحضور عنده لمرّة واحدة في العمر و حوالي نصف ساعة فقط لتقيلب قلوبهم و أحوالهم إلى أحسن حال .

إنّه الحضور في صلاة العبد آية الله بهجت قدّس سرّه ، لا أنسى تلك الليلة و كانت الجمعة أخذت معي أخي الحبيب المرحوم الملا محمد الأنصاري رحمه الله إلى مسجد فاطمة الزهراء عليها السلام في السوق الشعبي لمدينة قم المقدّسة ، و المسجد غاص بالمصلين فبدأ الشيخ بتكبيرة الإحرام وكأنّه حلّق بروحه الزكية إلى أعلى عليين وشاهد من عالم الغيب ما لا عين رأت فدخل في السياحة العظمى حين قراءة فاتحة الكتاب ، فما إن وصل إلى قوله (إيّاك نعبد) فإذا بنبرات صوته قد تغيّرت وحالته انقلبت وذلك بمشاهدة آثار المعبود خوفاً واشتياقاً فارتفع بكائه صارخاً إلى أن أنهى الفاتحة فأعقبها بسورة الجمعة وهي من أمهات السور لاشتمالها على أصول المعارف و الأخلاق و العمل ، تبدأ بالتسبيح ثمّ التلاوة فالتزكية فتعليم الكتاب و الحكمة ، وأيَضاً فيها توصيف علماء السوء حملة الأسفار المكذِّبين بآيات الله ! فما إن وصل إلى قوله تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)(الجمعة/5). فإذا بصوته قد ارتفع و صراخه قد تزايد فقلت في نفسي لِمَ هذا البكاء في هذه المحطّة ؟

لم أعرف السرّ إلا بعد أن راجعت التفاسير الروائية فإذا بها قد أجابت على سؤالي و أزالت حيرتي ، إنّ الآية بصدد توصيف العلماء غير العاملين ، الذين هم بدلاً من ارضاء ربّهم بصدد ارضاء الطغاة ، هؤلاء ! حين تبلى السرائر و ترتفع الحجب يتمثلون حماراً يحمل على ظهره الكُتب بل أسوء شكلا و حالا من الحمار .

قال رسول اللَّه- صلی اللَّه علیه و آله و سلم: (یؤتی بالعالم یوم القیامة فیلقی فی النار، فتندلق أقتابه، فیدور بها کما یدور الحمار بالرحی، فیطیف به أهل النار، فیقولون: ما لک؟ فیقول: کنت آمر بالخیر و لا آتیه و أنهی عن الشر و آتیه) . و قال- صلی اللَّه علیه و آله و سلم-: (إن أهل النار لیتأذون من ریح العالم التارك لعلمه و إن أشد أهل النار ندامة و حسرة رجل دعا عبدا إلی اللَّه فاستجاب له و قبل منه، فأطاع اللَّه فأدخله اللَّه الجنة، و أدخل الداعی النار بترکه علمه و اتباعه الهوی و طول الأمل) فيا عزيزي رغم أهميّة العلم و اعتباره و شأنه ولكن إذا لم يصاحبه العمل سيكون وبالا على صاحبه و يتمنى صاحبه لو كان بينه وبين هذا النمط من العلم بون المشرقين و لكن هيهات ! .

لاحظ قوله تعالى (حُمِّلُوا) فإنّ يدلُّ على تلطف الباريء بهم من ناحية حيث انتُخبوا لهذه المسئولية الخطيرة ، ومن ناحية أخرى رغم تقبُّلهم أداء التكليف ظاهراً عدم انسجامهم لذلك في الباطن وهذا هو عين الخيانة بالأمانة و الظلم بالنفس و الغير بل الإستهانة بالمقدسات ! فيا لها من جريمة . وقوله (ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا) لعلّ كلمة (ثمّ) إشارة إلى أنّ التوراة قد ذكر فيه الحقائق الدالة على نبوّة الرسول الأميّ فلم يفصحوا بها طوال الزمان و أخفوها  حينما بعث الرسول صلى الله عليه وآله . ومن هنا نعرف العلاقة بين قوله ( هو الذي بعث في الأميين رسولا ...) و بين هذا المقطع .

أدعوا الله سبحانه أن يحشرني يوم القيامة مستقيم القامة أمشي على رجلين (آدمياً) بحق صاحب الوقار والسكينة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله و سلّم .

إبراهيم الأنصاري

16 شوال 1437الساعة الخامسة صباحاً