• عنواننا في التلغرام : https://telegram.me/al_kawthar الإيميل : alkawthar.com@gmail.com
  • اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا اَبا عَبْدِاللهِ وَعَلَى الاَْرْواحِ الَّتي حَلَّتْ بِفِنائِكَ عَلَيْكَ مِنّي سَلامُ اللهِ اَبَداً ما بَقيتُ وَبَقِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَلا جَعَلَهُ اللهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنّي لِزِيارَتِكُمْ ، اَلسَّلامُ عَلَى الْحُسَيْنِ وَعَلى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَعَلى اَوْلادِ الْحُسَيْنِ وَعَلى اَصْحابِ الْحُسَيْن ِ (اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه و على آبائه في هذه الساعة و في كل ساعة وليا و حافظا و قائدا و ناصرا و دليلا و عينا حتى تسكنه أرضك طوعا و تمتعه فيها طويلا)

قوا أنفسكم و أهليكم نارا ! 20 جمادى الأولى 1437 هـ - الموافق 29 فبراير 2016

قوا أنفسكم و أهليكم نارا !

كان شيخنا نجم الدين الطبرسي المازندراني حفظه الله متخلقاً بالأخلاق الحسنة يحترم الكبير و الصغير لا يتجرأ أحد أن يغتاب في محضره المبارك.

ذكّرني بالإمام الراحل قدّس سرّه :  قال أحد مقربي الإمام : إن جمعا من طلبة العلوم الدينية كانوا يجلسون في ديوانية الإمام الخميني رحمه الله في النجف الأشرف يراجعون دروسهم وأحيانا كان بعضهم ينال من العلماء الذين لا يتّفقون معهم في الرأي بل ربما قال بعضهم : لماذا الإمام الخميني لا يتجاوزهم ويستلم زمام المرجعية العليا ؟!

فجاء يوما آية الله الشهيد السيد مصطفى ابن الإمام يقول لهم : إن الإمام سمعكم تغتابون العلماء , يقول إنه لا يرضى اغتياب أحد منهم وخاصة في بيته ولا يسمح إهانة أي أحد هنا.

 و من أهمّ مميزات هذا الشيخ الجليل الإحتياط الكامل في المواقف والتصرفات خصوصاً في قبال المأكولات و المشروبات ! فلم يكن يشرب الأشربة الغازية أبداً ولم يتناول المعلَّبات و لا الحلويات المصنوعة بأيدي أناس لا يعلم بالتزامهم فلا يذهب إلى العزايم أبداً إلا في بيوت محدّدة معدودة بالأصابع ممن هم معروفون بالإلتزام لدى عامّة الناس ، فيا أيّها العزيز لا أريد منك أن تكون هكذا ولكن لابدّ و أن تعلم بأنّ للطعام و الشراب تأثيراً كبيراً في الأخلاق و الصفات فينبغي علينا أن نتجنب الشبهات كيلا نقع في الحرام خصوصاً بالنسبة إلى اللحوم وبالأخص في الطائرة فلماذا نشاهد عدم الإهتمام عند الكثير من المؤمنين وهم في طريقهم إلى زيارة بيت الله الحرام أو العتبات المقدّسة.

ومن ممّيزات أستاذنا الفاضل أنّه لم يكن يَنسب كلاماً إلى المعصوم قطعاً بل دائماً يقول : لعلّ الإمام عليه السلام قال هكذا ويركزّ على هذه الكلمة: (الزيادة و النقصان منّي) وبالأخص في شهر رمضان المبارك خوفاً من أن يبطل صومه .

وأمّا نحن فنشاهد الويلات في شبكات التواصل الإجتماعية تكفي واحدة منها أن نخلّد و العياذ بالله في النار ! الأخبار التي يتناقلها البعض والتي لم تثبت صحّتها بل مع التتبع اليسير نعلم بكذبها . و الأحاديث المنسوبة إلى رسول الله و أهل البيت عليهم السلام التي لا مصدر لها أبداً بل مصدرها (كما أرسل لي) وهل هذا يكون مبرراً لإسناد الخبر إليهم عليهم السلام ؟!

والإتهام و البهتان و تسقيط المؤمن و ترفيع الفاسق و نشر الأكاذيب و تخويف الناس و نشر الأباطيل و الخرافات و الأوهام و السحر و الطلسمات وما شابهها والأوراد و الأذكار والقصص العجيبة و الإدعائات الكاذبة والمحاضرات الباطلة و المصائب الدخيلة الكاذبة و الأحلام الزائفة و الطقوس المريبة المشوّهة للمذهب .

هذه تنشر في كلّ لحظة إلى الآلاف بل الملايين التي ربّما تؤثّر في نفوسهم و تسبب لهم مشاكل صحيّة واعتقادية و عائلية أو تحرفهم عن المذهب الحقّ أو تعزّز المعتقدات الباطلة.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)(التحريم/6).

إبراهيم الأنصاري البحراني ..20 جمادى الأولى 1437


أذكرني عند ربّك ! 19 جمادى الأولى 1437 هـ - الموافق 28 فبراير 2016

كان بعد العشائين يفسّر القرآن الكريم بروحه الملكوتي و بيانه المميّز ، و ما يخرج من القلب يدخل في القلب ، كنّا نقصده من مدينة المحرق كلّ ليلة بالنقل العام إلى مدينة المنامة في المأتم المعروف بالعَجم . إنّه سماحة العلامّة الشيخ نجم الدين الطبرسي حفظه الله وشافاه وهو في الكويت الآن و بالتحديد في الرميثية (مسجد مقامس).

بدأ معنا تفسير سورة يوسف عليه السلام وكان يذكر رموزا و أسراراً لم نشاهدها في كتب التفسير التي بين أيدينا ، هذا ما شجّعنا إلى التعرّف على كلام المعشوق فالتحقنا بالحوزة العلمية في النجف الأشرف و اخترنا هذا الطريق الوعر الذي رغم مطبّاته الصعبة ولكنّه هو السبيل المناسب للوصول إلى المعشوق .

مرّت السنوات إلى أن هاجرت إلى حوزة قم المقدّسة ، كنت ضمن مجموعة مؤلفي (تفسير راهنما) و هو من أدق التفاسير وقد طبع بالفارسية ، ولكنّني  اخترت سورة يوسف ، فتابعنا آياتها بدقّة فائقة فاستخرجت منها كنوزاً عظيمة لا تعدّ و لا تحصى .

مرّت السنوات ، سمعت أن المخرج المرحوم فرج الله سلحشور الذي توفّى في هذا اليوم  يريد عرض الواقعة في مسلسل تلفزيوني ، فتمنيت أن أتحدّث معه في هذا المجال لعلّي أتمكّن من خدمة القرآن ولو بنحو بسيط ، و لكن لم يحالفني الحظ بلقائه إلا بعد أن تمّ تصوير أكثر مقاطع المسلسل و بقي القليل ، كنت في حرم مولاي علي بن موسى الرضا عليه السلام فإذا بي أرى مدير الإذاعة فسلمت عليه وقلت له لديّ آراء حول مسلسل يوسف فكيف أنقلها إليكم فقال لا بأس أن تلتقي بالمخرج وأخيراً إلتقيت به في ساحة التصوير وكان الجوّ شديد البرودة فشرح لي ماذا يفعل فرأيت العجائب هناك و أحسست بكلّ وجودي ما يعاني هذا الرجل من أتعاب من أجل إحياء حقائق القرآن الكريم ، أخذني إلى حجرته الخاصّة حيث تواجدِ النصوص المستخرجة من الكتب هناك ، دار بيننا الحديث حول القصّة إلى أن وصلنا إلى قوله (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ)(يوسف/42).  قلت هذا لا يعني أنّ يوسف أراد من الرجل ذكر اسمه فحسب وعدم نسيانه عند الملك كما يقول المفسرون ولا يعقل أن ينسى الرجل الإسم أعني ( يوسف) طوال سبع سنوات ، بل يعني أنه يتذكر يوسف في الفُرَص الذهبية ليدعوه إلى البلاط من أجل إدارة الحكم واسقاط النظام الفرعوني، وهذا الأمر كان خلاف سبيل الشيطان ولذلك (أنساه الشيطان) أي أنسى الرجلَ (ذكر ربّه) أي الملك ومن أجل ذلك لبث يوسف في السجن بضع سنين ، وهذا يدلّ على أنّ الرجل قد اهتدى في السجن و كان يعتقد بنبوة يوسف و لذلك قال ( يوسف أيها الصديق ) .

 إذن لم يتوسّل يوسف بغير الله في سبيل خلاص نفسه من السجن بل توسّل به في سبيل الدعوة إلى الله والإستيلاء على السلطة .

هذا : و تحدثنا عن عمق البئر حسب القرآن و شكل غيابة الجيّ  التي في داخله و أيضاً صورة القميص الخاص ليوسف و شكل زليخا حسب القرآن .

 ولكن:

 بعد اللتيا و التّي قال لي بلحن حزين :

(شيخنا لا أتمكّن من تجاوز الخطوط الحمراء التّي رسمها لنا المفسّرون أبداً لأنّ ذلك سيوقعني في تُهمٍ وربّما أُطرد من الساحة بحجّة أنني من المبتدعين )

نعم نعاني نفس المصيبة التّي كان يعانيها رحمه الله  فالأفضل أن تبقى الأفكار في الأذهان و لا ترى الشمس حالياً  (..لاَ تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا).

أعزتّي : أذكركم بما كان يعانيه إمامنا الراحل من المتحجّرين كما يقول رضوان الله عليه:

 (إنّ ولدي الصغير السيد مصطفى شرب الماء من الإناء في مدرسة الفيضية بقم ، فغسلّوا الإناء لأنّه نجس!! بحجّة أنني كنت أدرس الفلسفة و العرفان !! ) والحديث ذو شجون ...

إبراهيم الأنصاري البحراني .. 18 جمادى الأول1347 الساعة 11:50


الخيمة المباركة 03 ربيع الثاني 1437 هـ - الموافق 14 يناير 2016

هناك حيث تحار العبرات وتقيدنا الحسرات و ليس إلا لحمائم العشق بث الشكوى و شم عبق تلك القبور المهدَّمة نعم فهو بقيع الغرقد الذي هو ملجأ كلّ واله و مقصد كلّ طالب ، أوّل مرّة أتشرف بزيارة أئمتي هناك كان  في عام 1397 هجرية وقد مرّت سنة واحدة على التحاقي بحوزة النجف الأشرف و لم أكن أمتلك شيئاً من المال ! إلا أن إصرار والدي المرحوم لصاحب الحملة الحاج حبيب رحمه الله هو  الذي كان السبب في هذا التوفيق الإلهي فأخذني معهم تبرعاً  .
ذهبت مع خالي المرحوم إلى الزيارة فإذا بهم يحفرون قبراً كان خارج البقيع لينقلوه إلى داخله ، هو جثمان إسماعيل بن الإمام الصادق عليه السلام والذي قد توفى عام  159 هجرية  والعجيب أنه على الرغم من مضى السنون علي ذاك الجسد  (حيث مرّ على وفاته آنذاك ) 1239 عاماً فإنه كان يبدو طرياً كأنّه مات في هذه الساعة !
ارتحل  في حياة والده الإمام الصادق عليه السلام  وقد فعل الامام بجنازة اسماعيل مالم يفعل بأحد أبداً.  فقبل ان يحمل نعشه جاء الامام الصادق (عليه السلام) وفتح عن وجهه وأشهد الحاضرين كلّهم على ان هذا المسجّى الميت ابنه اسماعيل الذي مات حتف أنفه، ثمّ حينما حملت الجنازة من المدينة الى البقيع كان (عليه السلام) بين فترة وفترة يأمر ان يضعوا الجنازة،  فيفتح عن وجهه ويشهد الناس على ان هذا الميت هو ابنه اسماعيل مات حتف انفه إلا الفرقة الإسماعيلية الضالة  ومع الأسف يعتقدون أن الإمامة في نسله وليست في نسل أخيه الإمام الكاظم عليه السلام، و أنّه لم يمت في حياة أبيه وإنما أقام  الإمام جعفر الصادق عليه السلام جنازةً وهميةً له حتى يُبعد نظر العباسيين عنه .
أكملنا الزيارة فإذا بأحد الطلبة المعممين وكان من طلاب حوزة قم المقدسة تقدّم إليّ وسألني :
في أي حوزة تدرس ؟  أجبته : في حوزة النجف الأشرف،  فردّ بنبرة الواجد لضالّته: إذن ألتقيك هاهنا غداً مساءً لأمر مهم فلا تنس الميعاد وغادرني تاركاً إياي في حيرة من أمري..
ما عساه أن يكون ذاك الأمر المهم؟  يوم بأكمله وطائر الخيال يجول متنقّلا من غصن إلى غصن !
ما انقضت تلك السويعات إلا بشق الأنفس إلى أن حان الحين و دنت ساعة الصفر فغادرنا تلك الحجرة المظلمة حيث كانت تقيم فيها الحملة  في فريق النخاولة..  تلك الحملةً المتواضعة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فمثلا لم يكن زادنا سوى ما يسد الرمق من الرز المطبوخ مع الروبيان المجفف وكفى. ولم نر في طوال تلك الفترة أثراً للفاكهة  أبداً . فخرجت وكلي شوق لمعرفة ما يخبؤه لي ذاك اللقاء.
ما إن وصلنا البقيع وإذا بذاك الشيخ واقف على قدميه يترصد قدومنا؛ وبمجرد أن رآني تبسّم ضاحكاً و أخذ بيدي إلى خارج المدينة؛  فإذا به يدخلني مقرّ البعثة الإيرانية الملكية الشاهنشاهية فجلست في اللوبي  و قُدِّمَت لنا أنواع الفواكه التي لم نذقها طوال السفر!
ثمّ أخذنا الشيخ إلى مكان آخر نُصبت فيه خيمة كبيرة وسيعة وبقي واقفاً خارج الخيمة.
كان وقت المغرب والمصلّون (و كانوا من العاصمة طهران) قد انتظموا رجالا و نساءً  في صفوف يؤمّهم عالم كبير علماً و سناً  .
كان مدير الحملة يشرح للحجّاج بعض المسائل المتعلقة بالحج  فتعلّمت منه عدداً من أحكام العمرة و كيفية لبس الإحرام و كثيراً من الأمور الميدانية لأنّ الحج ليس في  فهم المسائل فحسب بل هو عبادة عملية ميدانية لا بد من معرفة كيفية التطبيق و معرفة المواقيت و انتخاب الأوقات و غيرها من الفنون و الصناعات .
وبعد إكمال الدرس قال لي مدير الحملة : شيخنا ، إذهب إلى إمام الجماعة .
فذهبت و سلّمت عليه وسألني عن دراستي و بمجرّد أن سمع كلمة النجف الأشرف إعتنقني و أخذ يقبّلني ، علماً بأنّ الطريق في تلك السنوات كان مغلقاً بين إيران و العتبات المقدّسة .
وأمّا المفاجأة فهي :
أنّه وضع يده في جيوبه وأخرج منها أموالا كثيرة من الريالات و الدراهم والتومانات و سلّمني إياها جميعاً وقال لي : كلّها تحت تصرفك يا شيخ !  فقلت والعجب يملأ كياني : ولماذا ؟ قال هذه الأموال التي بين يديك ما هي إلا  نذورات من الحجّاج لطالب علم نجفي لا غير و لم نعثر على غيرك ! فقلت : نحن ثلاثة فقال : إذن اقتسموها بينكم .
هل لك أن تخمّن مقدار ذلك المبلغ : أهو  ألف أو ألفين أو عشرة آلاف ريال ؟ أقولها لك من دون مبالغة هي أكثر من مائتي ألف ريال غير التومانات و الدراهم .
 قمت من بين يديه وقد امتلأت  جيوبي  بالنقود و هممت بالخروج فإذا بالحجاج نساءً و رجالاً يستوقفوني و ينادون يا شيخ ... يا شيخ ! فإذا بالأموال تنهال عليّ مجدداً فرفعت صوتي : كفى !! وهم يقولون : الرجاء .. الرجاء .
حتى إذا ما نويت المغادرة أقبل نحوي ذلك الشيخ و كان مختبئاً وراء نخلة فطلب منّى أن أعطيته من تلك الأموال شيئاً ، فدفعت له هديّةً فشكرني عليها .
هل انتهت قصتنا هاهنا ؟ كلا !
ما إن وصلنا إلى القافلة فإذا بالحجاج التفّوا حولنا يسألون أين كنتم فشرح الخال لهم القصّة ثمّ قال أنظروا إلى جيوب الشيخ إبراهيم فهي ممتلئة بالنقود !! حقيقة كانت مفاجأة عظيمة لهم إلا أنّني في حينها تذكرت الأحاديث التي تؤكّد على أنّ رزق طالب العلم بيد الله تعالى مباشرة ، و قد روي عن النبي صلى الله عليه وآله: (أنه من طلب العلم تكفل الله برزقه) كنز العمال: كتاب العلم ح 28700 ج 10 ص 139
وأمّا الأموال فأكثرها اشتريت بها كتباً ثمّ بعتها فاشتريت أرضا وهكذا نَمَت و نمت وأرى آثارها في يومنا هذا ولا يسعني إلا أن أقول (.. هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ)(النمل/40).

إبراهيم الأنصاري - البحرين - المنامة  4 ربيع الثاني 1437 المصادف 14/1/2016  الساعة 12:45 صباحا


إيّاك و الإنتظار ! 01 ربيع الثاني 1437 هـ - الموافق 12 يناير 2016

فی الثمانینات کنت مرشداً للحجاج العرب من مدينة خوزستان و لم تكن الجمهورية بالمستوى الفعلي من ناحية الإقتصاد فأكثر الحجاج كانوا بصدد شراء مستلزمات البيت الكهربائية من مكّة و مدينة ، تبدأ من الدمى للأطفال وتنتهي إلى التلفزيون و الثلاجة و الغسالة و ما شابهها ، كان أحدهم يعمل كمصلّح للأجهزة الكهربائية فيذهب إلى محلّ بيع دمى الأطفال فيشتري العاطبة منها - وكانت كثيرة - فيصلحها و يبيعها على الحجاج بنصف سعر الجديد ، فحصل على مال كثير فاشترى جهازاً للتصوير(كاميرا) احترافية فأراد مني أن أرشده إلى مشروع يتمكن من خلاله أن يجني مالا من هذا الجهاز فخطرت ببالي فكرة كانت تنفع آن ذلك فاقترحتها عليه وقلت له :

مادام الناس لا يمتلكون هذا الجهاز وأنت عاطل لا تعمل ، تجوّل في القرى لتعثر على شيوخ كبار في السن وهم على عتبة الموت جالسين خارج البيت يستشمّون الهواء النقي فتحدث معهم و سجّل لهم لقطات جميلة وهم يتحدثون عن حياتهم ثمّ أرشفها عندك ، وبعد وصول خبر وفاتهم إليك فاعرض الفيلم الوثائقي على أهليهم ليتذكرو والدهم الحنون فتدخل في قلبهم السرور (عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: مَا [مِنْ‏] عَمَلٍ يَعْمَلُهُ الْمُسْلِمُ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ إِدْخَالِ‏ السُّرُورِ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، وَ مَا مِنْ رَجُلٍ يُدْخِلُ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ بَاباً مِنَ السُّرُورِ، إِلَّا أَدْخَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيْهِ بَاباً مِنَ السُّرُورِ ) مستدرك الوسائل: 12/ 396 ح 14400. فإن رغبوا في اقتناء الفيلم (و سيرغبون قطعاً) فأعرضه للبيع عليهم مع مراعاة الإنصاف ! أعجبته الفكرة كما أعجبتكم أنتم !

ولكن ختمت كلامي معه بهذه الجملة (إيّاك وأن تنتظر مماتهم) فإنّ هذا الإنتظار مكروه (رَوَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ‏ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ص فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلَّمْتُ ابْنِي هَذَا الْكِتَابَ فَفِي أَيِّ شَيْ‏ءٍ أُسْلِمُهُ فَقَالَ أَسْلِمْهُ (لِلَّهِ أَبُوكَ) وَ لَا تُسْلِمْهُ فِي خَمْسٍ لَا تُسْلِمْهُ سَيَّاءً وَ لَا صَائِغاً وَ لَا قَصَّاباً وَ لَا حَنَّاطاً وَ لَا نَخَّاساً فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ مَا السَّيَّاءُ قَالَ الَّذِي يَبِيعُ الْأَكْفَانَ وَ يَتَمَنَّى‏ مَوْتَ‏ أُمَّتِي وَ لَلْمَوْلُودُ مِنْ أُمَّتِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ...) من لا يحضره الفقيه ؛ ج‏3 ؛ ص158  (و السياء بالياء المثناة المشددة لعله من السوء و المساءة أو من السي‏ء بالفتح)

هذا :

ولنعلم بأن قوانين عالم البرزخ تختلف تماماً عن قوانين الدنيا ، فلا يفرح الميّت بالشهرة أبداً إلا إذا كانت هذه الشهرة توجب ترحّم الناس عليه فحينئذٍ يأنس بأعمال الخير التي تصل إليه لا غير بمعنى أنّها لا تخفف من عذابه ابداً إلا إذا كانت صدقة جارية هو أوجدها في حياته أو وصى بها من ثلث ماله في الكافي ج‏7 ؛ ص574  باسناده عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: (قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام مَا يَلْحَقُ الرَّجُلَ بَعْدَ مَوْتِهِ فَقَالَ: سُنَّةٌ سَنَّهَا يُعْمَلُ بِهَا بَعْدَ مَوْتِهِ فَيَكُونُ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْ‏ءٌ وَ الصَّدَقَةُ الْجَارِيَةُ تَجْرِي مِنْ بَعْدِهِ وَ الْوَلَدُ الصَّالِحُ يَدْعُو لِوَالِدَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا وَ يَحُجُّ وَ يَتَصَدَّقُ عَنْهُمَا وَ يُعْتِقُ وَ يَصُومُ وَ يُصَلِّي عَنْهُمَا فَقُلْتُ أُشْرِكُهُمَا فِي حَجِّي قَالَ نَعَمْ.) وأيضاُ ( عَنْ أَبِي كَهْمَسٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام  قَالَ: سِتَّةٌ تَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَلَدٌ يَسْتَغْفِرُ لَهُ وَ مُصْحَفٌ يُخَلِّفُهُ وَ غَرْسٌ يَغْرِسُهُ وَ قَلِيبٌ يَحْفِرُهُ وَ صَدَقَةٌ يُجْرِيهَا وَ سُنَّةٌ يُؤْخَذُ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ)


خدام الصلحاء ! 29 ربيع الأول 1437 هـ - الموافق 10 يناير 2016

صفحات مفاتيح الجنان تتناغم مع أنامله اللطيفة التي كانت تحتضنها في الغدوّ و الآصال ! و أدعيته و زياراته مأنوسة بعينه الطاهرة  فلم يغادر دعاء و لا زيارة إلا وترنمت به شفتاه.. وأمّا الصلاة جماعةً فمحال أن يتركها مهما كانت الظروف قاسية ، كان يحضر في المسجد قبل ساعة استعداداً للصلاة ! 

 إنّه الحاج حسن رحمه الله وهو من مدينة المحرّق ثاني مدن البحرين توفّى سنة 1435 في مكّة المكرمّة و هو في حال الإحرام فدفن بمنى . كان الحاج ملتزماً بالذهاب كل صباح إلى مقبرة البسيتين في المحرّق لزيارة أهل القبور. نقل لي قصّته الغريبة قائلاً :

عند طلوع فجر أحد الأيام و بينا كنت متوجهاً إلى المقبرة إذا برجل جميل كثّ اللحية قد ظَهر أمامي، فقال لي: أنت تعبت تعال لأحملك على ظهري! فقلت له: لا داعي لذلك ،  فأصرّ ، و لم أقبل ثمّ اختفى !  قلت في نفسي : من هو هذا ؟

أقول : إنّ مثل هذه الحالات طبيعية للمؤمنين الأخيار، فلا ريب أنّه من مؤمني الجن الذين وكلّوا لخدمة المؤمنين، إذ أن الجن يتمثلون بلباس آدمي !

وكان أئمتنا عليهم السلام يستخدمون هؤلاء في الحالات الطارئة، وهو ما نقرأه في حديث سدير الصيرفي عندما أوصاه الإمام الباقر عليه السلام بحوائج له بالمدينة و بينما هو في طريقه وقد مضى على مسيره أياماً  فإذا به يرى رجلاً ماثلاً أمامه فناوله كتاب أبي جعفر عليه السلام وكان طينه (الختم) رطباً ! قال له متى عهدك بصاحب الكتاب ؟ قال : الساعة فالتفت فإذا ليس أحد أمامه وعندما التقى بالإمام سأله عن الرجل فقال :

(يَا سَدِيرُ إِنَّ لَنَا خَدَماً مِنَ الْجِنِّ فَإِذَا أَرَدْنَا السُّرْعَةَ بَعَثْنَاهُمْ.) بصائر الدرجات ؛ ج‏1 ؛ ص96 وفي الأرض عباد لله يطلق عليهم الأبدال : وهم كبار الأولياء وزهّاد العبّاد، حيث لا تخلو الأرض منهم . وكذلك صاحب موسى _أعني الخضر_ فهو حيّ يرزق لأنّه شرب من ماء الحياة كما في حديث جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام  في كرامة عجيبة إلى أن قال : (هَلْ تَدْرِي أَيْنَ أَنْتَ؟ قُلْتُ: لا. قَالَ: أَنْتَ وَاقِفٌ عَلَى عَيْنِ الْحَيَاةِ الَّتِي شَرِبَ عَنْهَا الْخَضِرُ عليه السلام ) بصائر الدرجات ج‏1، ص: 405

واللطيف ما في الحديث التالي : عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا عن آبائه عليهم السلام قال : عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام ‏ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله فِي بَعْضِ طُرُقَاتِ الْمَدِينَةِ إِذْ لَقِيَنَا شَيْخٌ طَوِيلٌ كَثُّ اللِّحْيَةِ بَعِيدُ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وَ رَحَّبَ بِهِ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ السَّلامُ عَلَيْكَ يَا رَابِعَ‏ الْخُلَفَاءِ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ)! ثم بين الرسول أنّه قصد من الثلاثة آدم و داوود و موسى وأنت رابعهم ثمّ قال: (و أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلا أَنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدِي فَأَنْتَ رَابِعُ‏ الْخُلَفَاءِ كَمَا سَلَّمَ عَلَيْكَ الشَّيْخُ أَ وَ لا تَدْرِي مَنْ هُوَ ؟  قُلْتُ: لا  . قَالَ: ذَاكَ أَخُوكَ الْخَضِرُ عليه السلام فَاعْلَمْ.) عيون أخبار الرضا عليه السلام ؛ ج‏2 ؛ ص9

هذا :

فلماذا الادعاء بأنّ فلاناً رأى الإمام عجّل الله فرجه و الاصرار على ذلك  في حين قد ورد أن (من ادعى الرؤية فكذبوه)، و هذا مما لا يتنافي مع ما نقل عن عدد من العلماء و الأولياء أنّهم قد التقوا بالإمام المهدي عجل الله فرجه ، ولم نعرف عن أحد منهم أنه أخذ ينشر عن نفسه أنه رأى الامام  و يشهر ذلك بين الناس ! وقد  ورد عنه (عليه السلام)(... وسيأتي من شيعتي من يدعي المشاهدة ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذابٌ مفتر) فما بال الدجالين في عصرنا يدّعون النيابة عنه (عليه السلام) نيابةً خاصةً .

فيا أيّها العزيز : لا تصدّق هؤلاء مهما صدرت منهم من أمور قد تبدو خارقة  أو حوادث يُتراءى منها الكرامات فإنّ إبليس هو الذي يسيّرهم ويهديهم إلى الجحيم وبامكانه أن يفعل ما يحيّر عقول العلماء فضلاً عن الجهّال فتبصّر .


الرؤية الثاقبة 26 ربيع الأول 1437 هـ - الموافق 07 يناير 2016

في النجف الأشرف بين سوق الحويش و شارع الرسول وإلى جوار  بيت الإمام الخميني قدس الله نفسه الزكية  تقع مدرسة السيد محمد كاظم اليزدي رضوان الله تعالى عليه (مؤلف كتاب العروة الوثقى)  ، التي كان  يتراود إليها في السبعينات أساتذة البحوث العليا ، و أكثر طلابّها من الرساليین و المجاهدین وقد وصل  كثير منهم  إلى مقام الشهادة.  وكان من أساتذة تلك المدرسة المرحوم آية الله السيد عباس الخاتم اليزدي رحمه الله وهو من حواريي الإمام الخميني وكان من أعضاء لجنة الإمتحانات في مكتبه .

كنّا جلوساً في غرفته المتواضعة نتحدّث عن الإمام رضوان الله تعالى عليه فسألته : ما هي قصّته و متى بدأ ثورته المباركة و  مقارعته لفرعون زمانه ؟

أجاب: كان ذلك منذ عام 1941 علماً بأنّ هذه السنة كانت مليئة بالحوادث ففي 26 يونيو 1941،( أي: بعد مضي أربعة أيام فقط على هجوم الجنود الألمان على الأراضي الروسية)، التقى السفير البريطاني ومعه نظيره السوفياتي لدى طهران برضا شاه. في هذا اللقاء طلب السفيران من شاه إيران طرد الرعايا الألمان من إيران، ولكن رضا شاه أجابهما بأن : إيران بلدٌ محايد  ولن أفعل ذلك ! وفي يوم 19 من يوليو تسلّمت إيران إنذاراً آخر، ثمّ في 16 أغسطس كانت المذكّرة تحمل نوعاً من التهديد وإتمام الحجة . وانتقاماً منه ورداً على نكران الجميل، بادر الإنجليز بنفي رضا شاه بشكل موهن إلى جزيرة موريس mauritis  الواقعة في المحيط الهندي !

في نفس تلك الفترة قصد العالم الجليل حجة الإسلام السيد علي محمد الوزيري الإمامَ الخميني في قمّ وطلب منه كتابة كلمة تذكارية و صورة فتوغرافية ليحتفظ بهما في مكتبته ، - علماً بأنّ مكتبته  في مدينة يزد جامعة وغنية بأمهات الكتب حيث تحوي ( 60000) كتاباً ، بينها أكثر من ( 4000 ) كتاباً خطياً ، وفي تلك المكتبة سجِلٌّ كبير لتوثيق وتسجيل الزيارات ، يحتوي على ملاحظات العلماء والشخصيات البارزة في داخل وخارج البلاد منهم :
الآيات العظام السيد محمد كاظم طباطبائى اليزدي ، الشيخ عبدالكريم الحائري اليزدي ، السيد حسين البروجردي، السيد عبدالهادي الشيرازي، السيد أبوالقاسم الخوئي ،السيد أبوالحسن الإصفهاني، السيد محسن الحكيم، السيد أحمد الخوانساري، السيد محمدرضا گلپايگاني، السيد محمد هادي الميلاني، السيد شهاب الدين المرعشى النجفي، العلامة الأميني ، العلامة آقا بزرگ الطهراني ، وآية الله  الشهيد صدوقي، آية الله الشهيد دستغيب ، والسيد جمال الدين الأسد آبادي... وغيرهم من كبار الشخصيات.

فكتب الإمام الخميني أيضاً كلماتٍ و لكنّها كانت فريدة من نوعها،( كتبها  بعد سنة من تأليف كتابه العقائدي كشف الاسرار وبالدقّة في  11 شهر جمادى الاولى 1363 هجرية) ركّز فيها على القيام لله وأكّد آنذاك على الحؤول دون  وصول محمد رضا شاه إلى سدة الحكم قبل أن تتفاقم الأمور وحينها لن يكون  من السهولة بمكان  التخلص من الوضع الذي سيجثم على صدر الأمة!!

وقد عُثِر على تلك المخطوطة بعد ذلك و نشرت ، ونحن نذكر مقتطفات منها :
بدأ حديثه بعد البسملة بقوله تعالى:

(قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ..)(سبأ/46). وقال : إنّ هذه الكلمة هي السبيل الوحيد لإصلاح العالم،  فالقيام لله أوصل النبي إبراهيم عليه السلام إلى الخلّة وخلّصه من مظاهر الطبيعة فقال (...قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ)(الأنعام/76).
 وبالقيام لله  تمكّن النبي موسى عليه السلام من القضاء على الفراعنة والوصول إلى ميقات المحبوب و مقام الصعق و الصحو .

ومن خلال القيام لله تمكّن  خاتم النبيين صلى الله عليه و آله بوَحدِه من نسف العادات و العقائد الجاهلية و إسقاطِ الأصنام من على بيت الله الحرام ثم تثبيت التوحيد و التقوى بدلا عنها، والقيام لله هو الذي أوصله إلى مقام قاب قوسين أو أدنى. 

وفي قبال ذلك فإنّ القيام للمنافع الذاتية يخنق روح الوحدة والأخوّة في الأمّة الإسلامية .
ثمّ تهجّم على رضا شاه وعبر عنه بـ (المازندراني الجاهل) و بين مظاهر  الفسادَ الذي عمّ إيران ، ثمّ خاطب العلماء: 

يا علماء الدين الإسلامي!

أيها العلماء الربانيون!

أيها المفكرون المتدينون!

أيها الوعاظ المؤمنون!

أيها المتدينون الموحدون!

أيها الموحدون طلاب الحق!

يا أنصار الحق الشرفاء .. أيها الشرفاء الوطنيون! أيها الوطنيون الغيارى.

 اقرؤوا موعظة إله الكون، وتمسكوا بطريق الإصلاح الوحيد الذي رسمه لكم، وتخلوا عن المنافع الشخصية لتنالوا سعادة الدارين، واحتضنوا العالمََين من خلال الحياة الحرة الشريفة: (إن لله في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها).   فاليوم يوم هبَّ فيه النسيم المعنوي الإلهي، وهو أفضل الأيام للقيام من أجل الإصلاح، فإذا ضيعتم الفرصة، ولم تقوموا لله، ولم تدعوا للشعائر الدينية، فسوف تتسلط عليكم في الغد ثلة من الزناة المتهتكين، وتجعل من دينكم وشرفكم ألعوبة لنوازعهم الباطلة. وختم كلامه بقوله تعالى (... وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)(النساء/100).


الميزاب الذهبي ! 26 ربيع الأول 1437 هـ - الموافق 07 يناير 2016

لو أردت أن تشير بالبنان إلى أفضل تلامذة العلامة الطباطبائي رضوان الله تعالى عليه في العصر الحالي فلا شك أنّه سماحة العلاّمة آية الله حسن حسن زاده الآملي حفظه الله تعالى جامع المعقول و المنقول صاحب المؤلفات الكثيرة بل صاحب الكرامات ! كنّا نتتلمذ بين يديه وندرس كتاب (فصوص الحكم) و هو لابن العربي الأندلسي ، ويعتبر من أبرز كتب العرفان  الذي يتكلم في أسرار الأنبياء والرسل ويشتمل على ستة و عشرين فصاً .

و للعلامة المام واسع في العلوم الغريبة و علم الفَلك و الجفر الأبيض والرياضيات ولديه ابتكارات واختراعات علمية لم يسبقه أحد من العلماء فهو الذي أثبت علمياً بأن (محراب النبي الأكرم صلى الله عليه و آله الأصلي الذي يقع بين المنبر والقبر يقابل الكعبة تماماً و بالتحديد لو يمتدّ خط من وسط المحراب يلتقي تماما وسط الميزاب المطل على حجر إسماعيل) و هو من معاجز نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله و سلّم وقد وردت رواية تقول أنّ الأرض زويت أي جمعت  للنبي لمّا أراد نصب محراب مسجده، فجعله‏ بإزاء ميزاب الكعبة.

وكان يقول بامكاننا صناعة مطرقة للباب من أنواع الفلزات تتولّد منها كلمة (يا علي) من دون استخدام التيار الكهربائي ! لكي نتذكّر دائما طرقة باب الجنّة فإن النبّي (ص) قال "إن حلقة باب الجنة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب فإذا دقت الحلقة على الصفحة، طنت وقالت: يا علي" بحار الأنوار ج3، ص326].

ومن كراماته أنّ أحد الطلبة الحاضرين درسه غير المستوعبين لما يقول قد حكم بكفر العلامة بحجّة أنّه يعتقد بوحدة الوجود ! وفي منتصف إحدى الليالي ذهب هذا الأحمق إلى بيت العلامة لغرض قتله ! ما إن وصل إلى الباب ليطرقه فإذا به يسمع صوتاً من الأعلى ! فإذا بالعلامة قد أخرج رأسه من النافذة و هو ينصححه و يقول : يا ولدي أنت لم تستوعب كلامي أنا لا أعتقد بوحدة الوجود و الموجودات بل الموجودات كثيرة و الوجود واحد بمعنى أن جميع المخلوقات ليست هي إلا تجليات و مظاهر للحق سبحانه فهو الأول و الآخر و الظاهر و الباطن !!

هذا ... فبهت الذي كفر !


اللذة الحقيقية ! 26 ربيع الأول 1437 هـ - الموافق 07 يناير 2016

 رغم أنه كان مجتهداً متضلّعا في الفقه كان من أهم أركان المرجع الديني آية الله العظمى سماحة السيد الخوئي رضوان الله تعالى عليه وكانت مهمتّه الإجابة على الإستفتائات الشرعية حسب فتوى المرجع ، وكنت أسئله كثيراً وإجاباته لم تكن كسائر الإجابات حيث تذكر الفتاوى لا غير بل كان يشرح الفتوى بذكر الأدلّة الشرعية باختصار ، مثلا : لو كنت أسئله عن حدود الحجاب كان يستدل بقوله (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) و يشرح لي معنى الخمار ثم معنى الجيب ليستنتج بأن الوجه لا يلزم ستره ولكن بشرط (وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ ...) ويشرح معنى الزينة . وبطبيعة الحال هذا الأسلوب يجعل المقلّد يقتنع أكثر بالفتوى فتستقرّ في نفسه ، ويتقبّلها قلبُه مضافاً إلى أنّه يتعرّف على الفقه الجعفرى الأصيل و يباهي بمذهبه الحق في قبال سائر المذاهب . إنّه الشهيد آيت الله السيد مرتضى الخلخالي قدّس سرّه  ttps://goo.gl/GeQWVQ  كنت أحبّه كثيراً و هو كذلك فأخذني إلى بيته قريب الحرم الشريف  ليُرنِي حقيقةَ الزهد في الدنيا الدنية ، ولا أبالغ فيما أقول في توصيف البيت :

كان صغيراً جداً لا يتجاوز الثلاثين متراً ، بمجرد أن دخلت أحسست و كأني داخل في الجنّة ! صعدت على سلّم من طين فجلست في صالة ترابية على سجاد صغير ورأيت الكتب قد أحاطته وهو جالس في وسطها وتبدو في وجهه البشاشة والسرور ، فقلت له : سيدنا هذا بيتك ! قال : و نعم البيت هو ! يكفيني بل هو زائد بعض الشيء عن الحاجة إنّها الجنّة بعينها و أنا أحس هنا باللذة الحقيقية ! فما أجمل الزهد !

لا أنسى ذلك اليوم وأنا جالس إلى جنبه في مكتب سماحة السيد الخوئي رحمه الله فإذا بأخي محمّد قد أخرج مبلغاً كبيراً من الحقوق الشرعية وسلّمه للسيّد الخوئي ، فالسيد الخلخالي بمجرد أن شاهد النقود ترك المحلّ هروباً و ابتعد وقال لي تعال هنا لأجيب على سؤالك فقلت له و لماذا ؟ قال أنا أشمئز من النظر إلى النقود رغم أنّها ليست له و هي حقوق شرعية . نعم (القناطير المقنطرة) هي من تزيين إبليس للناس فتحذّر منها فإنّ الرزق لا يعني المال بل هو المال الذي له قدسية وتشمله البركة ، وغيرها لا تسمّى رزقاً بل هي وبال أعاذنا الله شرّها .

إبراهيم الأنصاري - المنامة البحرين


أين اللحم ! 26 ربيع الأول 1437 هـ - الموافق 07 يناير 2016

في سنة 1975 وبالتحديد في المدرسة الشبّرية ، تأخّر السيد الأستاذ عن الدرس سألناه عن سبب ذلك فقال : يا لها من مفاجأة في مكتب سماحة آية الله العظمى السيد أبي القاسم الخوئي قدّس سرّه ، إنّه كان يجلس في مكتبه في النجف الأشرف فيدير شئون المرجعية من الإجابة على المسائل الشرعية و استلام الحقوق و متابعة الأمور ، إلى ما بعد المغرب ثمّ يذهب إلى مدينة الكوفة ليستريح ساعات فيستيقظ في الصباح المبكر ليمارس نشاطاته ، ولكن في هذه المرّة لم يُسمح له بالذهاب وذلك أنّ جميع المشايخ والسادة أرادوا ترك المكتب إلاّ أنّ هناك رجلا لبنانياً كبيراً في السن أبى أن يخرج !

إنّ السيد يريد أن يستريح فالرجاء ترك المجلس ، قال لن أخرج من هنا أبداً ! ولماذا ؟

إنّني أخٌ خليص للسيد الخوئي ! سأله السيد من أنت قال أنا فلان (هاجرت إلى لبنان) !! فتعانقا و بكيا ساعة لطول الفراق وأخذا يتحدثان معاً باللغة التركية الخوئية . فجلس الحضور يشاهدون هذا المشهد الجميل ثمّ خاطب الرجل الحضور وقال :

كنّا صغاراً وكان أبونا رحمه الله يدفع إلينا مبلغاً من المال لنشتري إداماً للبيت من لحم و خضروات و فواكه ، فكلّ واحد من إخواننا كان يؤدّي ما عليه من المسؤولية إلا هذا ... وأشار إلى السيد أبي القاسم الخوئي ! لأنّه كان يأخذ المبلغ و يخرج من البيت و هو ماسكاً كتابَه فيستمر في القرائة وسرعان ما يرجع ! اين اللحم ؟ اسمح لي يا أبتاه نسيت ! فيرجع ليشتري ولكن انشغاله بالقرائة كان ينسيه كلّ أمر دنيوي !!

فقال له أبي : يا أبا القاسم أنت ابق هنا و اشتغل بالدراسة واخوانك هم الذين سيديرون شئون المنزل.

والآن و بعد مرور حوالي سبعين سنة أنظروا أيّها الحضار هذا صار المرجع الديني الأعلى و أمّا نحن فترون حالًنا .

الأستاذ خاطبنا : هذه الصدفة هي التي أخرتني عن الدرس فأعتذر .

إبراهيم الأنصاري

بمناسبة سنوية ارتحال سماحة آيت الله العظمى السيد الخوئي قدّس سرّه.


الإستغفار في العيد ! 26 ربيع الأول 1437 هـ - الموافق 07 يناير 2016

في البرد القارس وعندما يغطي الجليد شوراع قم المقدّسة فربما لا سبيل للوصول إلى الحرم المطهّر للدراسة والمباحثة فيا ترى ما هو الحلّ ؟ إن كنت في سيارتك الخاصة فالحلّ الوحيد هو الجلوس فيها و تسخينها ! فهي تبدو و كأنّها غرفة الدراسة لا فرق بينها وبين أي مكان آخر فالعلم لا يتحدد بمكان ولا زمان هكذا تعلمنا من أساتذتنا في الحوزات العلمية .

لا أنسى أنا و صديقي كنّا جالسين في سيارتي إلى جنب الحرم المطهّر فإذا بنا نسمع صوت خطيب يلقي محاضرة حماسيّة في حرم المعصومة عليها السلام على الآلاف من قوّات التعبئة (البسيج) الذين كانوا مستعدين للتوجّه نحو جبهات القتال في مناطق الحرب ، تتوقّع من هو الخطيب و ماذا كان يقول في كلمته ؟

هو سماحة آيت الله العظمى الإمام الخامنه اى حفظه الله وكان رئيس الجمهورية آن ذاك وأما كلمته فكانت قدسيّة للغاية ، فباعتبار أن الجمهورية في وقتها قد حققت انتصاراً عظيماً في جبهات الجنوب في عملية فتح المبين كان يخاطب الجنود و يقول :

إنّ الله تعالى يقول : (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ،وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا) المفروض ماذا نصنع بعد الفتح ؟ هلا نفرح ونحتفل ونبتسم و نصفّق!! كلا ! يقول سبحانه (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) ولماذا الإستغفار ؟ وهل الإنتصار هو ذنب قد اجترحناه ؟  نعم إنّ  الذنوب إنّما تتراكم بعد أن يغلب الإنسان على عدوّه ، فالأنانية و الغرور و الإستكبار و اللهو و الغفلة ومئات من الذنوب هي نتاج الفرح و السرور والإنتصار حيث يرى الإنسان نفسه أعلى.

ولذلك تشاهد أنّ في ليلة العيد و يوم العيد هناك أدعية و أذكار مليئة بالإعتراف و التوبة و العفو كما في دعاء (اللهم من تهيأ في هذا اليوم أو تعبأ ) فيا أيها الحبيب لا تلته هذه الليلة العظيمة بأمور الدنيا من الملبس و المأكل و المشرب فتخسر الأتعاب التي تحملتها خلال شهر رمضان المبارك .

 


الوداع الصادق ! 26 ربيع الأول 1437 هـ - الموافق 07 يناير 2016

 لم يكن  يخطر في خيالي أن أضل الطريق في اسطنبول بعد أن حجزتُ التذكرة من الجهة الثانية الأوروبية من المدينة ، فلم أعثر على الفندق إلا بشق الأنفس وهنالك عرفت الفرق بين الأقوام  فالّتي ساعدتني و أرشدتني بل أوصلتني إلى المقصود و دفعت أجرة الباص هي إمرأة إيرانية من مدينة تبريز ودّعت زوجها فتقاطرت دموعها وبكت ، فما إن رأيت هذا الموقف العشقي إلا و عرفت بأنّها ليست من هذه البلاد فالتمست منها أن تدلّني الطريق، والجدير أننّى كنت و لا بدّ أن أرحل صباحاً إلى لندن للمشاركة في مؤتمر إسلامي ، و من الطبيعي أنّ الدعاء مستجاب في حال الإضطرار يقول سبحانه (أ من يجيب المضطر إذا دعاه و يكشف السوء ) فلم أسكن أبداً في تلك الليلة ، و بعد اللتيا و التّي دخلت الفندق و كان الوقت متأخّراً فواجهت الفسق و الفجور في المكان وكأنّ العصيان يتقاطر منه ، سألت عن القبلة فلم أجد جواباً ، قلت : يا ربّ أنا الغريب بين هؤلاء ، إلهي أرني أمراً ما ولو بسيطاً يكون دعماً لي وتأييداً لموقفي هذا . لم أنم تلك الليلة أبداً .  في الصباح المبكّر أردت الخروج من الفندق وكنت أناقش صاحبه عن سعر الليلة ووجبة العشاء و الفطور و الهدايا فإذا برجل ليبي الجنسية كبير في السن دخل و قال لي لا تدفع ! أريد الدفع عنك ! فقط في سبيل الله لا غير فالرجاء لا تخبرني عن جنسيتك و بلدك و لا أريد منك رقم الهاتف !  ثمّ ركبت سيارة الأجرة إلى المطار فأردت أن أدفع الأجرة  قال : لا أريد منك الأجرة بل أطلبه من الله تعالى .  علماً بأنني لم أكن في هناك زي طلبة العلوم الدينية !!

فيا أيّها العزيز  لو كنّا نلمس بل نمسّ الحاجة إلى إمامنا الغائب المهدي المنتظر أرواحنا فداه  و كنّا نعيش حالة الإضطرار الحقيقي ثمّ ندعوا لفرجه القريب ، لظهر و حكم البلاد و كنّا خلفاء الله في الأرض و لساد القسط والعدل على البسيطة و تحقّق الإنجاز الأهم وهو توحيد الله عزّ و جلّ ألم يقل سبحانه (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ)(النمل/62).

فلا بدّ وأن نعرف السوء المطلق أوّلا وهو يتمثَّل في أنَّ خلافة الأرض ليست بيد المعصوم فيلزم التبري ممن أسس أساس الظلم و من تبعه، و ثانياً لا بدّ و أن نرغب في أن تكون الخلافة العامَّة على جميع الأرض للإمام المهدي عجّل الله فرجه وهو التولِّي بعينه ، .وكلا الأمرين يفتقران إلى الوعي و المعرفة فينبغي أن نصل إلى مستوى من الإنزجار والتنفُّر بحيث نحسّ بأنَّنا بالفعل سجناء في هذه الدنيا مقيّدون بأنواع القيود التِّي لا مفكَّ و لا خلاص منها إلاّ بظهور المنجي الحقيقي وهو "الحجة بن الحسن المهدي" عجل الله تعالى فرجه .

(يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ)

أسأل الله أن يوفّقنا لأفضل العبادة و هو انتظار الفرج . إبراهيم الأنصاري – البحرين 15/12/2015 الساعة 10:40 مساء


الصلاة لعزائيل ! 26 ربيع الأول 1437 هـ - الموافق 07 يناير 2016

   في الصباح المبكّر تتطاير النفحات الروحانية و الفيوضات الرحمانية من عالم الملكوت الأعلى إلى سماء الدنيا من خلال بيوت أذن الله أن ترفع و يذكر فيها اسمه وهي قبور أئمتنا عليهم السلام ، بالأمس كنت أمشي في الحرم الرضوي الشريف من جهة رجل الإمام عليه السلام ناوياً الزيارة فإذا بشابٍ واله روحه يسعى بين الخوف و الرجاء سألني سؤالا غريباً و لكنّه جدير للدقّة ! تأمّل أيها الحبيب في سؤال هذا المؤمن . قال : هل من الصحيح أن أصلي وأعمل الخير وأهدي ثوابه لجناب ملك الموت عزرائيل عليه السلام ! لعلّه يخفف علي في قبض روحي لأنّ قبض الروح صعبٌ للغاية ؟ قلت له نعم ! يمكنك ذلك قال : شيخنا أترى هو الذي سيقبض روحنا أم عمّله و جنوده ؟ قلت : نستفيد من الآية أن القابض هو ملك الموت نفسه لأنّه تعالى يقول (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ)(السجدة/11). ولكنّ الأئمة عليهم السلام فالقابض لأرواحهم هو الله تعالى (فقبضك إليه باختياره) و ربّما يكون ملك الموت هو الواسطة لا غير .

فيا أيّها العزيز المؤمن لا تنس في زياراتك أن تنيب الأنبياء العظام و الأولياء الكرام و الأئمة الأطهار و الصديقة الكبرى و الملائكة المقربين و الموكّلين ، وفقك الله و سدّدك . مشهد المقدّسة 19 شوال 1436

 

 


الويل لي ثمّ الويل لي ! 26 ربيع الأول 1437 هـ - الموافق 07 يناير 2016

مما يثير العجب بين المسلمين مواقفهم في قبال الدين ، في نفس الرحلة إلى لندن واجهت موقفاً جعلني أفكّر هنيئة و أرجع بعدها إلى نفسي !

كان خلفي في الطائرة رجل باكستاني وكانت الشركة هي شركة الطيران البريطانية ، فطلب من المضيف شراب (البيرة المحرمّة) فشرب ! ثمّ عندمّا قدّمت له وجبة الغداء فوجأت منه حيث سأل عن اللحم هل هو مذبوح على الطريقة الإسلاميّة أم لا !

التفتّ إليه وقلت :  تشرب الخمر و تسأل عن حليّة اللحم !  أجابني : لا علاقة بين الموقفين أبداً !  نحن الباكستانيون  نجتنب عن اللحم المشتبه ذبُحه و لا نأكل إلا و أن نتأكّد حليته !  موقف جميل ! ولذلك كنّا نشاهد الإقبال من قبل المسلمين على المطاعم الباكستانية في الدول الأوروبية .

هذا :

رجعت إلى نفسي وقلت : وهل أنا أحسن حالا من هذا الرجل ، أصلي  و أغتاب ، أتصدّق و أتكبّر ، أحج بيت الله الحرام و لا أهتم بصلة الرحم، أزور الإمام الحسين عليه السلام و  أتصرّف في أموال الإمام الحجّة عليه السلام  و لا أخمّس ! قلت لنفسي : إبراهيم !! أنت أسوء حالا منه لسببين :

الأول: أنّك تفتح لنفسك باب التبرير الشرعي فلا ترى الذنب ذنباً فترتكبه ولذلك نرى قبل أن نغتاب الشخص نقول : هذه ليست غيبة إن شاء الله ثم نبدأ في ذكر مساوئه .

الثاني: هو يشرب الخمر وأنت تفرّق بين المرء و زوجه ، و بين الأخ و أخيه ، فتحطّم بيوتاً آمنةً ، لماذا ؟ للوصول إلى لذات موهومة ! فحقيق عليك أن تصرخ بأعلى صوتك (الويل لي ثمّ الويل لي ).

تذكّرت كلمة الشهيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر رضوان الله تعالى في آخر درس من دروس التفسير الموضوعي في مسجد الشيخ الطوسي رحمه الله بالنجف الأشرف و كنت حاضراً فكان يحذرنا من حب الدنيا ؛ و يقول : (لا دنيا عندنا لكي نحبها . ماذا نحبّ ؟ دنيانا هي مجموعة من الأوهام ، فماذا نحصل من الدنيا إلّا على‏ََ قدر محدود جداً ؟ لسنا نحن اُولئك الذين تركع الدنيا بين أيدينا ! نحن عُرضت علينا دنيا هارون الرشيد فرفضناها ؟ حتى‏ََ نكون أورع من هارون الرشيد ؟ فليكن همّنا أن نعمل للآخرة ، أن نعيش في قلوبنا حبّ اللَّه سبحانه وتعالى‏ََ ، و دائماً نتصوّر بأ نّه يمكن أن نموت بين لحظة واُخرى‏َ )

فيا حبيبي و قرة عيني حاول أن تكون كلّك لله لا بعضك ! فإن النفس لا تتبعض! و بما أنّك محبّ لمولى الموحّدين أمير المؤمنين عليه السلام فلن يكلك ربّك إلى نفسك أبداً خوفاً من أن يسرقك إبليس اللعين . نخشى أن ينجح إبليس فيخطفنا و يجعلنا في صف عمر بن سعد عليه اللعنة .

ولكن نخاطب إبليس بكلّ قوانا : فلتخسأ يا إبليس ، نحن عشاق الإمام الحسين عليه السلام ونحن معه في الدنيا و الآخرة ولن نتركه أبداً .

فلنتب جميعاً من ذنوبينا : (أسْتَغْفِرُ اللهَ الَّذي لا اِلـهَ إلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَاَتُوبُ اِلَيْهِ تَوْبَةَ عَبْد خاضِع مِسْكين مُسْتَكين لا يَسْتَطيعُ لِنَفْسِهِ صَرْفاً وَلا عَدْلاً وَلا نَفْعاً وَلا ضَرّاً وَلا حَياةً وَلا مَوْتاً وَلا نُشُوراً وَصَلَّى اللهُ عَلى مُحَمَّد وَعِتْرَتِهِ الطَّيِّبينَ الطّاهِرينَ الاَْخْيارِ الاَبْرارِ وَسَلَّمَ تَسْليماً)

إبراهيم الأنصاري البحراني – 16/12/2015  الساعة 8:45 مساء


الوسوسة ! 26 ربيع الأول 1437 هـ - الموافق 07 يناير 2016

كان سماحة آية الله العظمى السبزوارى قدّس سرّه يأتي بكأس صغير من الماء فيتوضأ به أمامنا ليرسّخ في نفوسنا كيفيّة الوضوء و كمية الماء المستفاد ، وكان يستهدف بذلك دفع الوسوسة عنّا فإنّ الوسوسة من أخطر الأمراض التّي يوجدها إبليس عليه اللعنة في نفوس المؤمنين .

يقول الإمام الخميني قدّس سرّه ( فهذه الطائفة الوسواسية يعملون على خلاف رسول الله والائمة المعصومين عليهم السلام وفقهاء المذهب..)( انظر إلى عمل الوسواسي المسكين فهو لا يكتفي بعشرين غرفة تسبغ كل غرفة منها تمام اليد وتحسب غسلة تامة فوضوؤه حينئذ باطل بلا اشكال ، فهذا الشقيّ الضعيف العقل يرى هذا العمل الذي أتى به طاعة للشيطان ووسوسته صحيحا وموافقا للاحتياط ويرى أعمال سائر الناس باطلة ).

كان السيد من مريدي سماحة العالم الجليل السيد حسين ابن السيد محمود المعروف بآقا حسين القمي ، الذي كان من مشاهير المراجع في عصره ، وكان  إمام الجماعة في الجامع الهندي بالنجف الأشرف الواقع في سوق الحويش وكان دائماً يتحدّث عن صفاته الحميدة كنموذج للمخلصين ، يقول كان يوم عيد الفطر المبارك والمسجد غاص بالمصلين ، أنا و سماحة السيد الخوئي كنا واقفين طرفي باب المسجد نستقبل المصلّين فبمجرد أن عرف الناس أن السيد وصل ارتفعت أصواتهم بالصلاة على محمد وآل محمد ، وصل صوتهم إلى أذن السيد فرجع ، ذهبنا خلفه مسرعين  لنرجعه  فقال: لن أصلي هذا اليوم ، لأنني لا أتمكّن من قصد القربة إلى الله بعد ارتفاع هذا الصوت !  فهل ترضون أن أبتلي بالذنب لأرضي الناس ؟ وفي تلك السنة لم تقام صلاة العيد في النجف الأشرف. 

كنّا نبتلى بما يوجب الغسل فنقف قبالة باب المسجد وهو في ركوع الركعة الاولى من صلاة الفجر فننادي (يا الله) فندخل حمام الهندي الذي يقع مقابل باب الجامع  فنغتسل في الخزينة إرتماساً و نلبس وهو ما زال في الركوع الأوّل فنقتدي به !! و لا عجب في ذلك بل هذا يدلّ على إطالة ركوعه أوّلا و سرعة اغتسالنا من دون شكّ ووسوسة ثانياً .

ابراهيم الانصاي

البحرين - المنامة ، ٢٤ ذيقعدة ١٤٣٦، الساعة الواحدة صباحا


لولا الحجة 26 ربيع الأول 1437 هـ - الموافق 07 يناير 2016

    بالأمس دعيت لأشارك في لقاء مفتوح عنوانه زيارة الأربعين انطلاق نحو دولة الإمام الحجة أرواحنا فداه ، كنت في السيارة في شارع النبي الأكرم وهو شارع وسيع يبدأ من حرم المعصومة عليها السلام وينتهي بالحرم وهو مسجد صاحب الزمان أرواحنا فداه المعروف بمسجد جمكران واللقاء كان في صالة كبيرة داخل المسجد ، ولكن فوجأت في محطات متعددة : الأولى حينما رأيت العدد الكبير من المشاة رجالا و نساء يتوجهون الى المسجد مشيا على الأقدام والمسافة هي ٧ ك و طلاب العلم يستقبلونهم بحفاوة في مضائف خصصت لهم وهذا ما ذكرني بكربلاء الامام الحسين عليه السلام حيث ينطلق الملايين الى حرم الامام عليه السلام . والمحطة الثانية : هي داخل صحن المسجد حيث حضور الجمع الغفير في صلاة جماعة كبيرة ذات معنوية قليلة النظير ، سألت صديقي من أين يأتي هؤلاء ؟ قال أكثرهم من المدن القريبة لقم مثل اصفهان وكاشان و يزد وأراك ، علما بأن مسافة أقربها هي ٧٥ ك ! يأتون في كل ليلة أربعاء لعلهم يكتسبون نفحة الهية ونفس رباني ، وهم يصلون صلاة الإمام الحجة صاحب الزمان . فقلت له هل تعرف أهمية هذه الصلاة قال لا !
شرحت له أهميتها فقلت : كم كذبة شنيعة في صلواتنا الواجبة اليومية !!حيث نقول :( أياك نعبد و إياك نستعين !)  في كل يوم عشرون كذبة ينبغي أن نعاقب عليها !
ولكن: لم نقل (إياك أعبد) بل (إياك نعبد) فنتحدث عن الأمة بأكملها ، و مادام الإمام الحجة عجل الله فرجه يقود الأمة فعلا وهو إمامها وقال تعالى (يوم ندعو كل إناس بإمامهم) فانتفى الكذب بل نحن كلنا صادقون مادام أننا نعتقد به ونتوجه إليه في كل لحظة خصوصا أوقات الصلاة ومن هنا فهو دائم الصلاة والركوع والسجود ، ونسلم عليه حين يقوم ويركع ويسجد عليه آلاف التحية والثناء وفي صلاته الخاص نكرر الآية في كل ركعة مأة مرة !! وهذا العدد ربما هو كناية عن الكثرة ، فنريد القول مخاطبين الله تعالى نحن لا نكذب بل كلنا صادقون ! كيف لا ونحن نصلى مع إمامنا الحاضر . فيا أيها الحبيب لا تنسى الإمام روحي فداه قبل الشروع في الصلاة كما لا تنسى الصلاة في وقتها لأن صلاته في هذا الوقت هو السبب لصحة صلاتك وأيضا تأمل في الدعاء (واجعل صلاتنا به مقبولة) .
العيد إبرهيم الانصاري - ١٨ شوال ١٤٣٦ كتبته في الطائرة وأنا متوجه إلى مشهد والطائرة الآن في حال الهبوط .. لا انساكم في زياراتي وأدعيتي .


إن العرق دساس ! 26 ربيع الأول 1437 هـ - الموافق 07 يناير 2016

إنّ العرق دسّاس !

آلاف من الجواميس السائبة في هُور الهويزة ( وهي بحيرة و سيعة جداً قد غطيّت بالقصب ) قد حوصرت جرّاء القصف المستمر من الجيش البعثي الكافر ، فلم تكن لها حيلة إلا البقاء هناك تأكل القصب و تشرب الماء و تتوالد و تتكاثر ، قتل منها الكثير و بقي الكثير .

بعد مرور ثمان سنوات  و بمجردّ أن وضعت الحرب أوزارها رجع أصحابها من مدينة يزد يتفقدّونها فما هي الحيلة في العثور عليها !  حين غروب الشمس ، و الهدوء قد استوعب المنطقة أتى أصحابها إلى المنطقة فكلّ واحد بيده ( ناي) يَنفخ فيه فيترنم بنغمته الخاصة تفهم البهيمة أنّ صاحبها متواجد هنا فتجتمع حوله لا هي فحسب بل جميع أولادها ! فربما الواحدة صارت مأة .  وهكذا يأتي الآخر ويوجد نغمةً أخرى فتجتمع مجموعته حوله إلى أن انتهت جميعا. 

فيا للعجب كيف فهمت الجواميس هذا الصوت و كيف انتقلت بالوراثة إلى نسلها وهي بهائم فما بالك أيها الإنسان وأنت كلّك تعقل و عاطفة و إحساس .  فلا شكّ أنّ صفاتك تنتقل إلى ذريتك هما ابتعدك شأت أم أبيت ،  و هي تشمل  الصفات الخَلقية  والصفات الخُلُقية الإكتسابية . ولذلك نشاهد أنّ  النبي يوسف عليه السلام لم ينكر القاعدة التي أثارها أخوته حيث (قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ ...)  فهم أرادوا القول بأن هذه الخصلة أعني السرقة قد ورثها بنيامين و يوسف من أمّهما و أمّا الأب فهو نزيه ! وبالنتيجة أرادوا تبرئة أنفسهم من هذا الفعل السيّء ! بل (... فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ)(يوسف/77). أراد القول بأنّ يوسف ليس بسارق و لا أخاه بل أنتم السيئون المسيئون الظن بأخويكما من أبيكما !  وأيضاً : لعلّ في قولهم لمريم عليها السلام (يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا)(مريم/28). ما يدلّ على ذلك، يقال أنّ هارون كان رجلا عفيفاً ومريم كذلك وأنّه لا إشكال في أب مريم وهو عمران و لا أمّه ! فقالوا لها : من أين وصلت إليك هذه الصفة ؟  و بمّا أن القاعدة لا غبار عليها ولكن هم أخطئوا في تطبيقها على مريّم  (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ  كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا)(مريم/29). فكانت تريد أن تفند ظنّهم الخاطيء وأنّها لم ترتكب شنيعاً .

فيا أيها العزيز : ارحم ذريتك واجتبت الصفات الرذيلة و تخلّق بالأخلاق الحسنة و لا تلق بيدك إلا التهلكة وكذلك ابتعد عن أكل الشبهة فتأثيره على النطفة سيّء جداً ، والعجب ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (اختاروا لنطفكم فان الخال أحد الضجيعين) الكافي ، للكليني 5 : 332 | 2  وأيضاً : (تخيّروا لنطفكم فان العِرقَ دسّاس) المحجة البيضاء ، للفيض الكاشاني 3 : 93

إبراهيم الأنصاري – الجمعة 6 ربيع الأول 1437




إيمان فاطمة و جمال زليخا ! 22 ربيع الأول 1437 هـ - الموافق 03 يناير 2016

كان من طلاب حوزتنا المباركة التي أسسناها في مدينة الأهواز سنة 1983 وقد تربى الكثير من العلماء فيها و تسلحوا بسلاح المعرفة ، و كان يبلغ من العمر حوالي 25 سنة ولم يتزوّج بعد ، في الصباح كنت جالسا معه قلت له عزيزي لم لا تتزوّج ؟ قال : شيخنا أنا أبحث عن زوجة صالحة يكون إيمانها كايمان فاطمة عليها السلام و جمالها جمال زليخا ! فإذا عثرت عليها فاخبرني . 

قريب المغرب وصل لي الخبر أنّه أستشهد ! وجدَ أسيراً مضرخاً بدمه و هو في شرف الموت ، طلب الأسير منه أن يأتي إليه قليلا من الماء فذهب ليطلب الماء ووضع بندقيته هناك فبمجرد أن تحرك رماه البعثي في ظهره فسقط صريعاً فاستشهد  فعانق أُمنيته ! إنّه الشهيد العزيز (صادق محمد بور) لم أنس أخته كيف كانت تبكي و تصرخ وهذا أمر طبيعي ولكن : ياترى ماذا سيشاهد لحظة سقوطه ؟ وكيف تكون حالته آن ذاك ؟ في حديث الرسول ص حينما سأل : ما بال الشهيد لا يفتن في قبره ؟ قال ص كفى بالبارقة على رأسه فتنة ، وهناك مقام أعظم من ذلك وهو (الرزق الحسن) فكلّ من يموت يكون في البرزخ  حياً إمّا روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران وما قيمة هذه الحياة ،  وأمّا الشهيد فله رزق حسن عند ربّه ، لا خوف عليهم و لا هم يحزنون ، و الله سبحانه  سوف يتولّى أموره  و هو الحيّ  بما للكلمة من معنى ولذلك قال (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)(آل عمران/169). (وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ)(البقرة/154). وهذا الرزق الإلهي يوجب رقيّه إلى أعلى العليين دون غيره من الأموات حيث يكونوا على ما هم عليه يوم خروجهم من الدنيا اللهم إلا لو كانت لديهم صدقة جارية.

ولكن مع ذلك كم الفاصل بين رقي وتكامل الشهداء وبين الرقي جرّاء الصدقة الجارية ، فهنيئاً لشهدائنا الأبرار وتعساً للقتلة الأشرار . إبراهيم الأنصاري 5 شعبان 1436

 

 


موتوا قبل أن تموتوا ! 20 ربيع الأول 1437 هـ - الموافق 01 يناير 2016

دعاني أحد الشخصيات المرموقة في الكويت وهو الحاج علي إلى مزرعته في الوفرة ، كانت المزرعة تشتمل على فِيلا جميلة و ساحة خارجية و حوض سباحة وإلى جوارها مساحة مسطحة ، وبينا كنّا نجول ونتحدّث و إذا بي أرى رجلاً في الخمسينات يعمل في المزرعة و يبدو عليه أنّه ليس كعامّة الفلاحين..

 سألت الحاج: من هذا؟

قال: إنّه مهندسٌ حاذق في أمور الزراعة وهو من محافظة خوزستان الإيرانية، دعوته هاهنا إلى مزرعتي؛ كيما يستثمر الأرض لصالحه فيزرعها و يجني خيراتها ، لا أريد منه أيّ مقابل مادام أنّه يحيى الأرض الميتة. والجدير بالذكر أنه مبدع في الزراعة خصوصاً في (البيوت المحميّة)، لنذهب إليه فيشرح لك وبالتأكيد أنك ستتفاجأ ، سلّمتُ عليه و عرّفت بنفسي و هو كذلك عرّف نفسه، سألته: ماذا تفعل هنا ؟

فطفق يشرح لي عن عزمه على استِغلال الأرض على صغر مساحتها في زراعة أكثر أصناف الخضروات!

قال: البامية مثلا تحتاج إلى جوّ معتدل الحرارة  ولذلك تزرع فى شهور فبراير ومارس وإبريل، ولكني سأنتجها هنا على مدار العام مستفيداً من الحرارة الإصطناعية، و بما أنّها تحتاج إلى ظل فسأزرع إلى جانبها شيئاً ما من شأنه أن ينمو فيظلل على البامية، وبذلك تسهم كل منهما في نمو الأخرى، والنتيجة ستظهر بعد أشهر قليلة فسأبيعها و أحصل على عشرات الآلاف و أوّد أن تكون لك جولة أخرى مستقبلاً.

سألته : من سيشتريها ؟

قال : لديّ خطّة في تلك الأرض _ وأشار إلى الأرض الخالية خارج المزرعة_ وهي:

أن أجعل فيها عدداً من الخيول و الجمال و الألعاب لتأتيها العوائل للترفيه مجّاناً و بطبيعة الحال سوف لن تعود إلا وهي محمّلة بما سنعرضه هنا للبيع .

ما شاء الله ، الهمّة عالية و الرؤية واضحة و الغاية جميلة أمّا !!

كنت ألقي المحاضرات في العشرة الأولى من شهر محرّم الحرام في مسجد الإمام الحسين عليه السلام في ميدان حولّي بالكويت، وقعت عيني على صديقي صاحب المزرعة الحاج علي، فأخذت أسأله عن مزرعته و زارعه وعن أصناف الثمار و أيضاً عن الخيول و الجمال .

 قال لي : ماذا تقول شيخنا!؟ أي بامية ! و أي باذنجان ! و أي خيار و طماطم ؟؟ ووو.

ماذا حدث ؟ قال : الرجل مات !! وانتهى كلّ شيء بموته رضوان الله تعالى عليه ...

سبحان الله لم يمهله الأجل ليحقق مرحلة من الإنجاز أو أن يصل إلى شيء من الآمال !

(...وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)(لقمان/34).

 يقول الإمام علي عليه السلام: ( فَلَوْ أَنَّ أَحَداً يَجِدُ إِلَى الْبَقَاءِ سُلَّماً أَوْ لِدَفْعِ‏ الْمَوْتِ‏ سَبِيلًا لَكَانَ ذَلِكَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ ع الَّذِي سُخِّرَ لَهُ مُلْكُ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ مَعَ النُّبُوَّةِ وَ عَظِيمِ الزُّلْفَة) نهج البلاغة (صبحي صالح) ؛ ص262

فيا أيّها الحبيب :

أفعل ما تريد و خطّط لحياتك ما شأت  ولكن لا تنس أن الموت آتٍ لا محالة ربما داهمك اليوم وربما بعد عمرٍ غير أنه مع الأسف لن يكون بالعمر الطويل...  فهل السبعون أو الثمانون سنة تعدّ عمراً طويلاً ؟  ولو فرضنا ذلك فهل ستبقى لنا الصحّة و النشاط بعد الخمسين ؟

من أنفع الكلمات ما نقل عن رسول الله صلّى اللّه عليه و آله: (موتوا قبل‏ ان‏ تموتوا) شرح أصول الكافي (للملا صدرا)، ج‏1، ص:  359 وتعني أنّه على الإنسان أن يموت بإرادته قبل أن يؤخذ من الدنيا قهراً ، و هو ما يتحقق  لذلك العبد الذي يكون باقيا باللّه تعالى .

 ويراد بالموت الإختياري : قمع هوى النفس التي بين الجنبين وقلع شهواتها بل قتلها، وهو التوبة بعينها حيث يقول سبحانه: ( فتوبوا الى بارئكم فاقتلوا انفسكم) و حيئذٍ لن يفزع حينما ينفخ في الصور بل سيكون من ضمن (إلا ما شاء الله ) في قوله تعالى: (وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ)(النمل/87).

إبراهيم الأنصاري 1/1/2016 ، 20 ربيع الأول 1437  الساعة 10:15 

 

 


الخير فيما وقع (الحلقة الثانية) 19 ربيع الأول 1437 هـ - الموافق 31 ديسمبر 2015

هل تعلم مدى أهميّة تلك المواد الدراسية التي مرّ ذكرها في غرس جذور الشجرة الطيبة في النفس؟

فالأدب العربي أعني (الصرف و النحو والبلاغة) له دور رئيس في فهم  النصوص القرآنية والحديثية وكتب العلماء ، والمنطق يعلّمك كيف تفكّر تفكيراً صحيحاً وكيف تناقش الآخرين ، والفلسفة يوسع أفق ذهنك ويجعله ينظر إلى الكون بشمولية تكاد أن تكون مطلقة، و الأصول هو مفتاح باب الفقه يعلمك كيف تستنبط الأحكام من مصادرها، وأما الفقه فهو الفهم العميق للأحكام من خلال المصادر الشرعية ، و علم الكلام يَبني معتقداتك كي لا تتورّط في الشبهات و المغالطات، والعرفان يصفّي قلبك ويأخذ بك من عالم الدنيا إلى الملأ الأعلى لتصل إلى لقاء الله ، ولكوننا بحاجة إلى تطبيق هذه العلوم على كتاب الله المجيد فلا بدّ من ورود التفسير وکذلک بالنسبة لكلمات أهل البيت عليهم السلام ، وأيّ كلام أروع و أدق و أشمل وأصفى من كلام أمير المؤمنين عليه السلام .

كلّ هذه العلوم تعدّ  كرأس المال لكلّ من يريد أن يدخل في هذه التجارة التي لن تبور بل تتضاعف بركاتها بلا حدود !

فمادام الهدف واضح لا غبار عليه فلم التهاون و الخمول و التقاعس !

قررت  أن أشرع فی التدریس بإرادة صلبة و عزم واستقامة ، نشرنا إعلاناً على مستوى المدينة من خلال الإذاعة و حددنا شروطاً للالتحاق بالحوزة وقمنا بإجراء مقابلات شخصية مع الطلبة وبدأنا بتسجيل الأسماء. تم كل ذلك تحت وطأة هاتيك الأجواء العصيبة التي لا يمكنني تصوّرها الآن، حيث كانت الصواريخ تنهال على المدينة في كلّ دقيقة فتقتل العشرات من الأبریاء و تدمّر بيوتهم ! و صفارات الإنذار تقرع الآذان لیلاٌ ونهاراٌ  و المدينة ترزح تحت خطر الحصار ودخول الجيش البعثي فيها بدعم من الشيطان الأكبر ، رغم كلّ هذه المخاطر فوجئت باستقبال أفواج من الشباب الجامعیين ، فلم يكن لنا محيص سوی أن ننتخب الأفضل ، مع ذلک وصل العدد إلى ألف طالب  ، خمسمائة طالب و خمسمائة طالبة فصلنا بين المجموعتين بستار وكانت الدروس عصراً فقط ، كلّ يوم درسين بينهما فاصل .

المنافقون و الشيوعيون في بداية الثورة كانوا نشطين وقاموا بتشکیل أحزاب و منظمات أخطرها (مجاهدي خلق ، فرقان ، إرشاد، آرمان مستضعفين)  (المغاوير ، حزب تودة ، حزب العمال) وقد كانوا بصدد اغتيال الشخصيات البارزة؛ فمنظمة فرقان هي التي اغتالت الشهيد آية الله مطّهري و الشهيد دكتور مفتح ، وكان مخطط هؤلاء التعاون مع حزب البعث الكافر للقضاء على الثورة الإسلامية.

لا أنسى أنّ أحدهم وفي بداية تأسيس الحوزة دخل المسجد  و قال : شيخنا نحن في حال الحرب و المدينة في خطر دخول الجيش العراقي وأنت يا شيخ تدّرس التوحيد ؟

قلت في جوابه : إن موقفك هذا له مثيل في التأريخ ! فذكرت له هذا الحديث :

من كتاب التوحيد  (للصدوق ره) ؛ ص83 (عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إِنَّ أَعْرَابِيّاً قَامَ يَوْمَ الْجَمَلِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَ تَقُولُ إِنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ قَالَ: فَحَمَلَ النَّاسُ عَلَيْهِ ! قَالُوا يَا أَعْرَابِيُّ أَ مَا تَرَى مَا فِيهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ تَقَسُّمِ الْقَلْبِ ! فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام  دَعُوهُ‏ فَإِنَ‏ الَّذِي‏ يُرِيدُهُ‏ الْأَعْرَابِيُ‏ هُوَ الَّذِي‏ نُرِيدُهُ‏ مِنَ‏ الْقَوْمِ‏ ثُمَّ قَالَ يَا أَعْرَابِيُّ إِنَّ الْقَوْلَ فِي أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ ..) ثمّ شرَع (عليه السلام) وهو في ميدان القتال ، يبيّن له بكلّ صبر وأناة حقيقة التوحيد تفصيلا قائلاً: إنّ القول في أنّ الله واحد على أربعة أقسام ...

هذا الجواب جعله يسكت ويبتعد عن هذه الساحة.

 ولكن لو تعلم يا عزيزي ماذا فعل هؤلاء طوال هذه المدّة !

 الحديث ذو شجون ولكن على أي حال لم يتمكّنوا من تعطيل الدروس بل استمرّت بحمد الله ستّة أشهر من دون توقّف .

وكنّا نطبع الأبحاث و نوزّعها على الطلبة قبل حضورهم إلى الدرس مضافاً إلى المباحثة الثنائية ، وبذلك أتقنوا الدروس وتهيأت الأرضية لالتحاق المتبقي منهم  بحوزة قم المقدّسة.

قد تسألني : وكم المتبقي ؟  أجيب : لعلّه أقلّ من الثلث !

فأكثرهم إمّا استشهدوا في الجبهات أو جرّاء القصف (فسلام عليهم يوم ولدوا و يوم استشهدوا و يوم يبعثون حياً) .

 الخميس 31 /12/2015 ، 19 ربيع الأول 1437


الخير فيما وقع (الحلقة 1) 18 ربيع الأول 1437 هـ - الموافق 30 ديسمبر 2015

كان يشددّ على ألا تخلو المدن من علماء الدين ، كيما يجتمع الشباب حولهم و يتعلّمون معالم دينهم و يستثمرون أوقاتهم الفارغة و يشغلون أنفسهم بما يرضي خالقهم، و الأهم من ذلك أن بقاؤهم فيها يشكل سداً؛ لئلا یصفو الجو للوحوش البعثية الصدامية فيعيثوا فيها فساداً ، حيث أنّ القصف المستمّر بالطائرات و الصواريخ جعل المدينة خالية من أهلها .

إنّه القائد الفذّ روح الله الموسوي الخميني _قدّس سرّه_ ، دعانا مكتبُه في قم المقدّسة أن نشدّ الرحال إلى مدينة الأهواز في هجرة تبليغية ، وفقني الله تعالى _ وکنت آنذاک في العشرينات و بالتحديد سنة 1981 ؛ أن ألبّي تلك الدعوة الربّانية و أيمم وجهي شطر الأهواز مع العائلة و طفلتنا الوحيدة .

جالت فی خاطري كلمة الأستاذ الشهيد العلامة مرتضى  مطهرى _قدّس سرّه_ حيث يقول: (نحن مسؤولون لأننا لم نوجد أرضية خصبة للشباب لكي يفهموا دينهم الحقيقي، فهم عطاشى لا محالة فلو كنّا نرویهم بالقدر المناسب من الماء المعين الطاهر لما التجأوا إلى المياه الملوّثة)

ذهبت إلى مسجد اسمه (مسجد حجّت) وكان كبيراً و شبه مهجور والجوّ حارّ بشدّة، ففكرت في الحصول على جهاز تکییف يتلاءم مع تلك المساحة، فبحثت هنا وهناك _علماً بأنّ كلّ شيء كان معطّلاً_ إلى أن عثرت على مكيّف مركزي ماركة (York)  في مصنع ذوبان الحديد العملاق فأخذته من دون إذن ! فكيف لي أن أستأذن و لم أر هناك لا طاقمه الإداري و لا العمال، و المصنع مفتوح على مصراعيه والقنابل تتقاذفه بين آونة وأخرى فتحطّم كلّ ما فيه !

و کان حصولنا علی جوّ بارد خطوة كبيرة نحو الأمام، ولكن يبقی علینا توفیر الأجهزة الأخرى مثل الآلة الكاتبة و جهاز تصوير المستندات و غيرها وهي الاخری قد توفرت في وقت قياسي من دون دفع أي مبلغ أو طلب إذن إلا من الله تعالى و ممثّل الإمام الخميني قدس سرّه آيت الله السيد الجزائري حفظه الله.

كانت تلک هي أوّل حوزة مؤقّتة قمت بتأسيسها ، تدّرس فيها سلسلة دروس (التعرف على العلوم الإسلامية) وهي عبارة عن كتب الشهيد مطهري قدّس سرّه: (الفقه و الأصول و المنطق الفلسفة و الكلام والعرفان ) و أيضاً تفسير القرآن الكريم (سورة الروم) و الأدب العربي (مباديء العربية) و نهج البلاغة (الخطبة الأولى).

كانت مسئولیة التدريس بأكملها تقع علی عاتقي لم يشاركني في ذلك أحد أصلا ( وكان ذلك من باب السالبة بانتفاء الموضوع؛ أعني أنّه لم يكن أحد حينها هناك لكي يشاركني ).

كانت بالنسبة لي بمثابة أول تجربة خطيرة أخوضها إلا أن العجب العجاب هو عدد الطلبة ، يا ترى كم كان عددهم  رجالا و نساءً ؟! سأتحدث عن ذلك في الحلقة الثانية .

و هنا أريد التأكيد على كلمة الإمام الخميني المشهورة حيث قال عن الحرب (الخير فيما وقع) طبعاً  لا في وقوعه وفرق كبير بين الجملتين ! وهذا باب عظيم للمعرفة ينفتح منه أبواب كثيرة .

فاللعن ثمّ اللعن على الشيطان الأكبر و عملائه و العذاب لطاغية العراق صدام المجرم  كما نقول : اللهم ألعن أول ظالم ظلم حقّ محمّد وآل محمّد ، ولكن في نفس الوقت نرى أنّ صنع الله متقن لا يعتريه اعوجاج ! فلولا تلك الحرب المفروضة على الإسلام لما وصلت الجمهورية إلى ما هي عليها من القوة في كافة المجالات ، بل لم تبق تلك الدولة الفتية ! فلولا كربلاء لفنى كلّ شيء حتى السماوات و الأرضين ولذلك تقول في سجدة زيارة عاشوراء (لك الحمد حمد الشاكرين لك على مصابهم،الحمد لله على عظيم رزيتي) و لذلك صرخت زينب في وجه عبيد الله بن زياد (ما رأيت إلا جميلا) حين سألها (كيف رأيت صنع الله بأخيك) كيف لا و القرآن الكريم يقول :

(... صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ)(النمل/88).

البحرين – المنامة – 30/12/2015 ، 9 ربيع الأول 1437 الساعة 10:30 صباحاً