• عنواننا في التلغرام : https://telegram.me/al_kawthar الإيميل : alkawthar.com@gmail.com
  • اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا اَبا عَبْدِاللهِ وَعَلَى الاَْرْواحِ الَّتي حَلَّتْ بِفِنائِكَ عَلَيْكَ مِنّي سَلامُ اللهِ اَبَداً ما بَقيتُ وَبَقِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَلا جَعَلَهُ اللهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنّي لِزِيارَتِكُمْ ، اَلسَّلامُ عَلَى الْحُسَيْنِ وَعَلى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَعَلى اَوْلادِ الْحُسَيْنِ وَعَلى اَصْحابِ الْحُسَيْن ِ (اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه و على آبائه في هذه الساعة و في كل ساعة وليا و حافظا و قائدا و ناصرا و دليلا و عينا حتى تسكنه أرضك طوعا و تمتعه فيها طويلا)

الذنوب العظام : 21 محرم 1440 هـ - الموافق 02 أكتوبر 2018

هناك شبه واضح بين الجبل و بين الجمل من ناحية الشكل و من ناحية الإسم وكأنّ حقيقتهما تنبع من أمر واحد ، كلاهما يظهران الأنانية و التبختر و التكبّر و الغرور ، ولا تظنن أنّ الله قد خلق خلقاً سواء الجمادات و النباتات و الحيوانات من دون أن تكون لها مساس بالإنسان! كلا ، ومن معان قوله تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ...)(البقرة/٢٩). هو ذلك أعني أنّ كلَّها تحمل رسائل للإنسان فهي بلسان حالها تريد هدايتهم إلى الصراط المستقيم ، فالنفس إن تركت وشأنها فهي تغتر و تتبختر كالجبل، فلابد إذن من ترويضها ومن ثمّ دكّها و استبدالها إلى تراب متواضع، كما فعل مولى الموحدين أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال (إنَّمَا هِيَ نَفْسِي أَرُوضُهَا بِالتَّقْوَى) ولذلك صارت كنيته أبا تراب ! أطلق عليه رسول الله صلى الله عليه و آله ، حيث ارتقى بعبوديته حتى وصل إلى مقام النظر إلى الوجه كما في الحديث عن (أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ قَالَ: بَيْنَا أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ يَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرِ اَلْكُوفَةِ إِذْ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ ذِعْلِبٌ ذُو لِسَانٍ بَلِيغٍ فِي اَلْخُطَبِ شُجَاعُ اَلْقَلْبِ فَقَالَ يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ قَالَ وَيْلَكَ يَا ذِعْلِبُ مَا كُنْتُ أَعْبُدُ رَبّاً لَمْ أَرَهُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ رَأَيْتَهُ قَالَ وَيْلَكَ يَا ذِعْلِبُ لَمْ تَرَهُ اَلْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ اَلْأَبْصَارِ وَ لَكِنْ رَأَتْهُ اَلْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ اَلْإِيمَانِ ... الخ) ولعلّ موسى على نبينا و آله و عليه السلام كان بصدد الوصول إلى هذا المقام العظيم كما في قوله تعالى : (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ)(الأعراف/١٤٣).
قال السيد الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه (كلّما اندك جبل الأنانية (الأنا) وفنا حينئذٍ تتحقق العبودية ، وو يحتمل أن يكون هذا الجبل الذي يمنع الإنسان من تجلي الحق هو أنانية نفس موسى وإن كان بسيطاً جداً ، ومن خلال ذلك التجلي قد اندك الجبل و تفتت الأنانية ووصل موسى إلى مقام الموت) أقول هو إشارة إلى قول العرفاء (موتوا قبل أن تموتوا)
قال العلامة الطباطبائي رحمه الله في الميزان :
(وبصيرورة الجبل دكا أي دكوكا متحولا إلى ذرات ترابية صغار بطلت هويته وذهبت جبليته وقضى أجله).
هذا : وما هو شأن جمل النفس ؟
هذا يرتبط بالمستكبرين الذين قال عنهم سبحانه (وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً)(الإسراء/٣٧). أنظر إلى مشية الجمل المتبخترة ! فهو لا يبالي لمن يقع في يمينه وشماله وكأنّ الطريق قد خصّص له لا غير ! وهذا هو قمّة الأنانية ، وقد شوهدت قمة هذه الأنانية في طلحة و الزبير حينما انطلقا إلى البصرة لمحاربة أمير المؤمنين عليه السلام ، والجدير أنّه (نَادَى عَلِيٌّ: اعْقِرُوا الْجَمَلَ، فَإِنَّهُ إِنْ عُقِرَ تَفَرَّقُوا، فَضَرَبَهُ رَجُلٌ فَسَقَطَ، فَمَا سَمِعْتُ صَوْتًا قَطُّ أَشَدَّ مِنْ عَجِيجِ الْجَمَلِ.) وبذلك انتهت الفتنة وخاب المبطلون و تحطمت الأنانية كرهاً لا طوعاً ! وهل للمستكبرين أن يزيلوا عن أنفسهم هذه الصفة (الجملية) طوعاً ؟ كي يتخلصون من نار جهنّم و تفتّح له أبواب الجنان ؟ قال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ)(الأعراف/٤٠).
من خلال التوضيخ الذي ذكرناه تعرف السرّ فيما ورد في تفسير علي بن ابراهيم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (نزلت هذه الآية في طلحة والزبير) و أيضا ما في تفسير العياشي عن أبي عبدالله (عليه السلام) في قول الله: " ان الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا ...الخ ( نزلت في طلحة وزبير والجمل جملهم). وهذا من باب الجري و التطبيق السائد في القرآن الكريم فتأمّل و لا تغفل .
فيا أيّها العزيز :فلنسع في تحطيم جبل نفسونا أو على الأقل من تصغيره و تقليله وذلك من خلال التواضع و إحترام الآخرين و عدم رؤية أنفسنا وكأننا أعلمهم و أفضلهم و أتقاهم ، وكذلك فلنحاول أن نرقق جَمل قلوبنا، لعلها تصل إلى درجة من الرقّة بحيث تصير وكأنّها خيط رقيق قد ولج في سمّ الخياط أي (ثقب الأبرة) ، وبالنسبة إلينا نحن المبتلين بأنواع الحجب ، هيهات أن يتحقق ذلك ، اللهم إلا من خلال أمر واحد لا ثاني له وهو :
البكاء على مصاب السيد المظلوم قتيل العبرة أبي عبد الله الحسين عليه السلام ، وعلى ضوء ذلك تعرف السر في كثرة الأحاديث في فضل البكاء عليه ونذكر هناك حديثين عن مولانا ، و من نحن في خدمته ومن زواره الإمام الرضا عليه السلام حيث قال:
" يا بن شبيب إن كنت باكياً لشيء فابك للحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام ، فإنه ذُبح كما يُذبح الكبش " ( أمالي الصدوق) وقال عليه السلام ( إن يوم الحسين أقرح جفوننا وأسبل دموعنا وأذل عزيزنا بأرض كرب وبلاء وأورثنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء ، فعلى مثل الحسين (ع) فليبك الباكون فإن البكاء عليه يحط الذنوب العظام " ( أمالي الصدوق ).
يا عزيزي : لاحظ و تأمّل في قوله (يحط الذنوب العظام) لتعرف صحة ما بيّناه ، وفقنا الله و أياكم لذلك .
العبد العاشق الواله الخادم لهم
إبراهيم الأنصاري البحراني
مشهد المقدّسة
٢١محرم ١٤٤٠
الساعة ٢:٣٠ صباحا
▪الوصلة في موقع الكوثر: