• السَّلامُ عَلى الشَّيْبِ الخَضِيبِ ، السَّلامُ عَلى الخَدِّ التَّرِيْبِ ، السَّلامُ عَلى البَدَنِ السَّلِيْبِ ، السَّلامُ عَلى الثَّغْرِ المَقْرُوعِ بالقَضِيبِ ، السَّلامُ عَلى الرَّأسِ المَرفُوعِ .....فَلَئِنْ أخَّرَتْني الدُّهُورُ ، وَعَاقَنِي عَنْ نَصْرِكَ المَقْدُورُ ، وَلَمْ أكُنْ لِمَنْ حَارَبَكَ مُحَارِباً ، وَلِمَنْ نَصَبَ لَكَ العَدَاوَةَ مُناصِباً ، فَلأنْدُبَنَّكَ صَبَاحاً وَمَسَاءً ، وَلأبْكِيَنَّ لَكَ بَدَل الدُّمُوعِ دَماً ، حَسْرَةً عَلَيكَ ، وتَأسُّفاً عَلى مَا دَهَاكَ وَتَلَهُّفاً ، حَتَّى أمُوتُ بِلَوعَةِ المُصَابِ ، وَغُصَّةِ الاِكْتِئَابِ .
  • عنواننا في التلغرام : https://telegram.me/al_kawthar الإيميل : alkawthar.com@gmail.com

دروس في العقيدة (الفقر الذاتي) الحلقة الأولى

23 جمادى الثانية 1438 هـ - الموافق 22 مارس 2017

بسم الله الرحمن الرحيم

دروس في العقيدة الإسلامية

الفقر الذاتي (الدرس الأوّل)

ويشتمل على خمسة أمور:

*الأول: أهميّة التوحيد:

ان التوحيد من أعظم الأمور بالإطلاق ويعدُّ الأصل الأول من أصول الدين فجميع المعتقدات الإلهيّة تبتني عليه ، ومع عدم إثبات التوحيد و الإيمان به، لا معنى للحديث عن النبوّة و الإمامة و المعاد! بل حتّى المسائل الأخرى المتعلّقة بالشريعة مبنية على التوحيد.

ومن هذا المنطلق صار التوحيد أساساً ومبدأً لجميع الشرائع الإلهية. قال تعالى ) وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ...) (النحل/36).

و الجدير بالذكر أنّ التوحيد من ناحية هو من أبسط المسائل التي تتوجّه إليها الفطرة الإنسانية السليمة، و لذلك نلاحظ أنّه تعالى يوجّه خطابه إلى الإنسان بصيغة الاستفهام الإنكاري الدالة على الوضوح فيقول: (...أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ..)(إبراهيم/10).

ومن ناحية أخرى هو صعب من حيث الفهم و الإدراك ولذلك هناك من لم يدرك حقيقته فعن الإمام الباقر عليه السلام: «كل ما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه مخلوق مصنوع مثلكم مردود اليكم» بحار والأنوار: ج66ب37ص293ح23.

*الثاني: آثار التوحيد:

من أهمّ آثار التوحيد هو قمع الانحرافات بشتّى أصنافها عملية كانت كعدم حضور القلب في الصلاة، أو خُلقية كالرذائل الأخلاقية كالكبر و الغرور و الطغيان وذلك لأنّ الإعتقاد بالمبدأ المقدّس الواحد الذي هو الله الذي لا إله إلا هو بلا شريك و لا عديل يجمع شمل الإنسان و يرجعه إليه فلا يرى لنفسه استقلالية ولا أنانية التي هي رأس كلّ خطيئة .

*الثالث: الطريق إلى التوحيد:

هنا سؤال يطرح نفسه و هو : ما هو الطريق الذي يوصلنا إلى التوحيد؟

لا شك أنّه لا سبيل إلى الوصول إلى كنه و حقيقة التوحيد بالنحو الذي ذكر في سورة التوحيد ، لأنّ إدراك حقيقة الشيء لا يتأتّى إلا من خلال الإحاطة به وكيف يمكننا أن نحيط بمن هو محيط بكلّ شيء ! (... أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ)(فصلت/54). (... وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا)(النساء/126). ولكنّ مع ذلك فهو سبحانه قد تجلّى في مظاهر الاسماء و الصفات، فان نور وجوده سبحانه أضاء كلَّ شيء في الآفاق و الأنفس (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ...)(فصلت/53).

فإذن يمكننا الوصول إلى الله من خلال العلم بالمظاهر أعني الأسماء و الصفات الإلهيّة ، وأيضاً من خلال الاتصاف بها إلى مستوى بحيث نصلّ إلى العبودية البحتة التي هي الفقر الذاتي و بالنتيجة سوف ندرك عزّ الربوبية وهي الغاية القصوى لجميع المجاهدات الانسانية .

*الرابع: الفقر الذاتي:

ولك أن تسأل ماذا نعني بالفقر الذاتي ؟ أقول :

الفقر في العرف يعني ضيق المعيشة و عدم امتلاك شيء يسدّ حاجته . ولكن الفقر عند العرفاء ذو مرتبة شريفة و درجة عالية و هو صفة ذاتية للسالك إلى الله غير المنفكّة عنه فكان الإنسان قبل وجوده فقيراً محتاجا الى علة تفيض عليه الوجود و تمنحه التحقق ، و بعد وجوده أيضا هو محتاج إلى تلك العلّة وذلك لدوام واستمرار وجوده ، فهو إذن محتاج دائماً إلى الله الغني المطلق ، و لن تنفك عنه هذه الحاجة أبداً ، وأيضاً من هو فقير في وجوده سيكون فقيراً في جميع ما لديه من صفات و أحوال كالحسن و الجمال و الصحة و الكمال و العزة و المال. قال تعالى (يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)(فاطر/15).

وأمّا الذاتي فيعنى به أنّ فقره ليس من أمر خارج عن حقيقته بل هو صفة داخلة في هويته لا ينفصل عنه أبداً فالموجودات عامّة والإنسان  خاصّة هي عين الفقر و الفاقة.

فيا أيّها العزيز: إن أردت الوصول إلى الله تعالى لا بدّ لك أن تُدرك هذه الحقيقة أعني أنّك فقير إليه و بالنتيجة تصل إلى مقام ذلّ العبودية الذي هو العزّة بعينها .

فكلّ ما لدينا من كمالات هي في الحقيقة شعاع من نور الله تعالى المطلق الذي لا حدّ له، فلا معنى لأن يغترّ الإنسان بنفسه ، بل كلّما أظهرت فقرك و شدة حاجتك اليه سبحانه أصبحتْ لديك قيمة عند المقام الربوبي جلّ و علا .

يقول الامام الخميني رضوانه الله تعالى عليه: لابد ان الانسان يُفهم قلبه أنّه ليس في الوجود إلاّ كلمة واحدة و هي الكلمة الطيبة (لا اله الا الله) و لابد أن يختم قلبه بهذا الخاتم الشريف.

*الخامس: الشعور بالفقر:

و لاستجابة الدعاء لابدّ للإنسان أن يلتفت إلى فقره و عجزه الذاتي ، و لابد له أن يعلم أن صفة الغنى منحصرة في الله سبحانه تعالى و ان كل ما سوى الله فقراء و محتاجون اليه ، وقد ورد في كتاب التوحيد للصدوق ره ( قَالَ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ عليه السلام: قَالَ‏ قَوْمٌ لِلصَّادِقِ عليه السلام نَدْعُو فَلَا يُسْتَجَابُ لَنَا قَالَ لِأَنَّكُمْ تَدْعُونَ مَنْ لَا تَعْرِفُونَهُ ) فكلمّا أدرك الإنسان فقره ارتفعت معرفته بالنسبة إلى الغني و بذلك سوف يكون سلطان التوحيد حاكماً على قلبه و بالنتيجة يصل إلى الكمال الحقيقي ويفنى في الله تعالى في مجالات ثلاثة و هي :

 (الفناء الذاتي)، (الفناء الوصفي) و (الفناء الفعلي) وهو قمّة التوحيد بمراتبه الثلاثة: (الذاتي)،(الصفاتي)، و(الأفعالي)

وسيُدرك حينئذٍ بالشهود أنّه لا ذات و لا وصف ولا فعل لأحد الا الله سبحانه فينطق بكلّ وجوده (لا حول و لا قوّة إلا بالله العلي العظيم) و( حسبي الربّ من المربوبين حسبي الخالق من المخلوقين ) .

وهذا هو دور الانبياء والاوصياء أعني هداية الناس الى مبدأهم الحقيقي، وذلك  من خلال تذكير الناس بعجزهم و فقرهم الذاتي.

فلذلك نشاهد أنّهم يدعون الناس إلى قطع التعلّقات المادية عن أنفسهم و التوجه إلى الله سبحانه من خلال فطرتهم، بنحو يمكنهم مشاهدة عجزهم و فقرهم الذاتي بالوجدان.

يقول العارف الربّاني العلامة حسن زاده الآملي حفظه الله :

(إنّ الغنى يعني عدم الحاجة، فالغنى منحصر في الله سبحانه وحده .

وأمّا نحن البشر في حين أننّا فقراء (أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَ اللَّهُ هُوَ الْغَنِيُ ) ربّما نكون أغنياء أيضاً  وذلك إذا توفّرت لدينا حوائجنا .

 فمثلا نحن بسبب حاجتنا الى الطعام والملابس و المأوى و الزواج و الذرية نسعى في سبيل تحصيلها و توفيها ، و ما إن توفّرت سنصبح بالفعل أغنياء .

ولكن هنا سؤال يطرح نفسه وهو: هل يمكن أن نتصوّر حيناً ما لا نحتاج فيه الى هذه الامور؟

 الجواب: لا!! فإذن نحن لا محالة فقراء إلى الله في جميع الأحوال، في حال امتلاكنا او عدم امتلاكنا. حيث أنّنا نشعر بالفقر دائماً فلا ينقطع الفقر عنّا أبداً، والشاهد على ذلك أننا حين الحاجة إلى المال وتحصيله نشعر بالفخر والشرف! وهذا الشعور بالنسبة إلى المال يعني أننا محتاجون اليه لا محالة فنحن الفقراء حقّاً!  وأمّا الغني الحقيقي فهو الذي لا يحتاج الى شيء أبداً.

نا الفقير في غناي فكيف لا أكون فقيراً في فقري)                

الأستاذة مريم الأنصاري

تاريخ الإنشاء: 23 جمادى الثانية 1438 هـ -الموافق 22 مارس 2017