• الأخوة و الأخوات طلبة الحوزة العلمية المهدوية ، يرجى متابعة الدروس الصوتية و النصية من خلال الموقع وأيضاً اكتبوا أسئلتكم و اقتراحاتكم هنا لقد تمّ إغلاق باب التسجيل في الحوزة المهدوية إلا لطلبة العلوم الدينية و من يجتاز الدروس السابقة خصوصا (أهل البيت عليهم السلام قبل الخلق ، مع الخلق و بعد الخلق)
  • بعون الله تعالى و دعم متواصل من أهل البيت عليهم السلام قد تمّ فتح قناة الحوزة المهدوية في التلغرام تعرض فيه الرؤى و الأفكار و ايضاً الذكريات الهادفة فقط فعلى من يرغب في المشاركة عليه أن يدخل من خلال العنوان https://telegram.me/al_kawthar
  • الآن بامكانك أن تبحث ما تريده في الموقع ، أدخل في البحث
  • البث المباشر للدروس و المحاضرات ‏http://mixlr.com/alkawthar والإعلان عن توقيت البحث في القناة

دروس في العقيدة (الفقر الذاتي) الحلقة الثانية

23 جمادى الثانية 1438 هـ - الموافق 22 مارس 2017

بسم الله الرحمن الرحيم

دروس في العقيدة الإسلامية

الفقر الذاتي (الدرس الثاني)

 

مراتب الفقر ومدحه‏:

الفقر رغم أنّه واضح المعنى إلا أنّ له مراتب متعدّدة لكلّ منها فضيلةٌ تتميّز عن الأخرى ، فبعض مراتبه راجع إلى الزهد، و بعضها إلى‏ الرضى و الاستغناء، و بعضها إلى القناعة.

والأخبار الواردة في تبيين الفقر تتناول مراتبه المختلفة ، فعندما نلاحظها نرى بأنّها تتحدث عن الفقر بقسميه :

1- ظلمانيّ مذموم: وهو ضيق المعيشة مع عدم الصبر و الرّضا ، بل مع الكفران كما قال (عليه السّلام): «كاد الفقر ان يكون كفراً».

2- نورانيّ ممدوح .

و أمّا الفقر المحمود هو الفقر الذاتي الذي تحدثنا عنه في الدرس الأوّل و أيضاً كلّ فقر المحمود  وكلّ فقر يكون وسيلةً لمعرفة الفقر الذاتي ، و الأحاديث في هذا المجال كثيرة نستعرض بعضها :

الأوّل : قال رسول الله  صلّى اللّه عليه و آله: «الفقر فخرى» ويقصد من الفقر هنا هو عدم التعلق بما سوى الله تعالى و الإقبال إليه سبحانه والفناء فيه ، و كما أنّه افتخر (صلّى اللّه عليه و آله) بالفقر ، سأل ربّه في المناجات المسكنة  و قال: «اللّهمّ احيني مسكينا و أمتني مسكينا و احشرني في زمرة المساكين»

الثاني: سئل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما للفقر ؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) خزانة من خزائن الله تعالى . قيل ثانيا ما للفقر يا رسول الله ؟ فقال كرامة من الله . قيل ثالثا ما للفقر؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) شيء لا يعطيه الله إلا نبيا مرسلا أو مؤمنا كريما على الله تعالى ) و من هنا ورد عن بعض المشايخ: «نهاية الفقر بداية الغناء» .

الثالث: عن النبي صلى الله عليه و اله وسلم : «اَللّهُمَّ اَغْنِنى بِالاْفْتِقارِ اِلَیْکَ وَ لا تُفْقِرْنِى بِالاْسْتِغْناءِ عَنْکَ»

الرابع: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «خير هذه الأمه فقراؤها، و أسرعها تصعدا في الجنة ضعفاؤها».

الخامس: قال صلى اللّه عليه و آله- «الناس كلهم مشتاقون إلى الجنة، و الجنة مشتاقة إلى الفقراء».

السادس: قال صلى اللّه عليه و آله: «تحفة المؤمن في الدنيا الفقر»

السابع : قال موسى- عليه السلام- في بعض مناجاته: «إلهي من أحباؤك من خلقك حتى أحبهم لأجلك؟ فقال: كل فقير»

الثامن:  قال عيسى- عليه السلام-: «إن أحب الأسامي إلى أن يقال: يا مسكين»

التاسع : في دعاء الإمام الحسين عليه السلام في دعاء  عرفة «کَیْفَ یُسْتَدَلُّ عَلَیْکَ بِما هُوَ فى وُجُوْدِهِ مُفْتَقِرٌ اِلَیْکَ؟ اَیَکُوْنَ لِغَیْرِکَ مِنَ الظُّهُورِ ما لَیْسَ لَکَ حَتّى یَکُوْنَ هُوَ المُظْهِرُ لَکَ»؛«اِلهى اَنَا الْفَقِیرُ فى غِناىَ فَکَیْفَ لا اَکُوْنُ فَقیراً فى فَقْرى».   

حقيقة التوحيد:

اعلم إنّ كلَّ موجود فقير إلى الله تعالى بالفقر الذاتي و الفقر الصفاتي و هو الفقر النوري الممدوح

والحديث المعروف (من عرف نفسه فقد عرف ربه) يشير إلى هذا النمط الفقر أي أن الانسان لابد أن يعرف نفسه فلمّا عرفها عرِف أنه فقير و يحتاج الى مغني يغنيه و يفيض عليها وجودَه في كل آن  «وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ»  فلما عرف هذا، عرف الله و عرف أن كلّ ما سوى الله فقراء و الغنى ينحصر في ذاته سبحانه، فيعرف حينها أنه لا يمتلك ذاتا و لا وصفا و لا فعلا، وأنه عين الربط و الفقر، و صفة الفقر من ذاتياته أي انه لايمكن أن ينفك عنه «هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ» حينها يشهد أن لا اله الا الله و هي الكلمة الطيبة التي هي غاية التوحيد و كلّما نظر الى شي يرى الله قبله و بعده و معه  «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ» ويعرف حقيقة كلام أمير المؤمنين عليه السلام في توصيف الله تعالى « مع كلّ شى‏ء لا بمقارنة و غير كلّ شى‏ء، لا بمزايلة».

وما يتداوله العرفاء من التوحيد الخاص ليس هو إلا هذا الفقر الذاتي النوري الذي يعني التقوّم  الوجودي بالله الحيّ القيُّوم وبالنتيجة كل ما سوى الله فهي عين الحاجة و الفقر و الفاقة إلى وجوده الغني المُغني ، و على ضوئه نعرف ما أخبرنا به الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله عن مقامه الشامخ حيث قال : «من رآنى فقد رأى الحقّ». في حين أنّه حينما يخبرنا عن مقام ذلّه  و مسكنته يقول: «انا مسكين و احبّ المساكين و انا فقير بل الفقر فخرى».

هذا وأخو الرسول أمير الأبرار عليٌ (عليه السلام) يقول : «انا كلام اللّه انا عين اللّه، انا يد اللّه، انا آية اللّه ، بل لا آية اكبر منّى». في حين أنّه يقول أيضاً «أنا عبد من عبيد اللّه، انا محتاج الى رحمة اللّه». فتأمّل أيها العزيز و لا تغفل.

ومن هنا قد تبيّن لنا أنّ الرجل الكامل هو الرجل الذي في عين الذلة يكون عزيزاً، و في عين الفقر يكون غنيا ، و في عين العبودية سكون ملكا . يقول الشاعر الفارسي «تا بگفتى بنده‏ام، سلطان شدى» (أي حين تنطق بالعبودية ، تصبح سلطانا ) فالعبودية الحقيقة إنّما تتحقق في الفقر أي لابد أن العبد لا يملك ذاتا و لا آثارا و لا أفعالا متربتة على ذاته بحيث  تظهر مسألة الفقر الذاتي في وجوده بوضوح، و من عمق وجوده ينطق ب «الفقر فخرى» و يرى نفسه دائما «كالميّت بين يدى الغَسّال» .

و النتيجة هي  : أنّ حقيقة العبودية تعني العجز و الإفتقار والمسكنة و الإنكسار .

نقل من احد العلماء الكبار أنّه عبد الله ثلاثين سنة ثم سمع نداء يقول إنّ خرائننا مملوة من العبادات المقبولة فاذا تريد القرب فانه لا يحصل الا عن طريق المذلة و الافتقار و الانكسار ، و لهذا  نلاحظ خاتم الانبياء رغم كلّ هذه العبادات و الطاعات و الرياضات يقول: الفقر فخرى و به افتخر .

ثمّ إنّ الإنسان محتاج الى الرزق و نحوه من المنافع فى الدنيا مع دفع المكاره و العوارض و الى المغفرة و نحوها فى العقبى فهو محتاج فى ذاته و صفاته و أفعاله الى كرم اللّه و فضله قال بعض الكبار ان اللّه تعالى ما شرّف شيأ من المخلوقات بتشريف خطاب أنتم الفقراء الى اللّه حتى الملائكة المقربين سوى الإنسان وذلك لأن افتقار المخلوقات الى افعال اللّه تعالى من حيث الخلق و نحوه و افتقار الإنسان الى ذات اللّه و صفاته، فجميع المخلوقات و ان كانت محتاجة الى اللّه تعالى لكن الاحتياج الحقيقي الى ذات اللّه و صفاته مختص بالإنسان .

ومثال ذلك  : كمثل سلطان له رعية و هو صاحب جمال فيكون افتقار جميع رعاياه الى خزائنه و ممالكه ، و يكون افتقار عشاقه الى عين ذاته و صفاته ، فيكون غنى كلّ مفتقر بما يفتقر اليه فغنى الرعية يكون بالمال و المُلك و غنى العاشق يكون بمعشوقه‏ لا غير .

الأستاذة مريم الأنصاري

تاريخ الإنشاء: 23 جمادى الثانية 1438 هـ -الموافق 22 مارس 2017