• الأخوة و الأخوات طلبة الحوزة العلمية المهدوية ، يرجى متابعة الدروس الصوتية و النصية من خلال الموقع وأيضاً اكتبوا أسئلتكم و اقتراحاتكم هنا لقد تمّ إغلاق باب التسجيل في الحوزة المهدوية إلا لطلبة العلوم الدينية و من يجتاز الدروس السابقة خصوصا (أهل البيت عليهم السلام قبل الخلق ، مع الخلق و بعد الخلق)
  • بعون الله تعالى و دعم متواصل من أهل البيت عليهم السلام قد تمّ فتح قناة الحوزة المهدوية في التلغرام تعرض فيه الرؤى و الأفكار و ايضاً الذكريات الهادفة فقط فعلى من يرغب في المشاركة عليه أن يدخل من خلال العنوان https://telegram.me/al_kawthar
  • الآن بامكانك أن تبحث ما تريده في الموقع ، أدخل في البحث
  • البث المباشر للدروس و المحاضرات ‏http://mixlr.com/alkawthar والإعلان عن توقيت البحث في القناة

زينب ع الشاهدة على ظاهر و باطن واقعة الطف في عرصة القيامة !

26 ذو الحجة 1436 هـ - الموافق 10 أكتوبر 2015

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و المرسلين أبي القاسم محمد صلى الله عليه وآله الطاهرين

)زينب الشاهدة)

الشهود يوم القيامة:

إنّ القيامة والبعث والنشور لها قوانينها الخاصة بها ومواقفها الخطيرة الهائلة كالبعث والصراط والميزان ، ومن المواقف المهمّة هناك إعطاء الكتب ونشرها )وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ)(التكوير/10)تُنشر الصحف فيأخذ كل إنسان كتابه الذي دُوّن فيه بيد الحفظة من الملائكة ما عمله من صغير وكبير والناس على قسمين:

)فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ*فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا*وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا*وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ*فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا) )الإنشقاق/11:7).

 ومنها الشهود وهو مشهد مروِّعٌ للقلوب، إنه مشهد القضاء على الناس بشهود لا يتطرق إلى شهادتهم ريب ، وهناك شهود يشهدون على الإنسان أو له كانت علاقتهم بالإنسان علاقة تكوينيّة مثل الأعضاء والجوارح والجلود )يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ))النور/24).  )الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (يس/65). فتشهد أعضاء الإنسان عليه: لسانه ويده ورجله، بأمر من الله سبحانه وتعالى:)حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ*وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ..)(فصلت/20،21). وقوله سبحانه: (أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ) يشير إلى سعة قدرته على إنطاق الجلود. و أيضاً الأرض فإن كل عمل وقع من الإنسان في بقعة من بقاع الأرض فهي تشهد يوم القيامة على الحوادث التي وقعت فيها، يقول سبحانه: )يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا*بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا) (الزلزلة/4،5) وقد ورد عن النبي أنه لم يرتحل من منزل إلاّ صلى فيه ركعتين وقال: ((حتى يشهد عليّ بالصلاة)) ، وأيضاً الملائكة يقول سبحانه:

)مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (ق/18) وهذا الرقيب العتيد يشهد أعمال من وكّل به يوم القيامة، كما يقول سبحانه: )وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ) (ق/21). فأحد الملائكة يسوق الإنسان والآخر يشهد على أعماله.

والشاهد الواقعي هو الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم فهو الحاكم وهو الشاهد بالحق:.. (إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (الحج/17). ومن أجل تكريم الإنسان وتعظيمه جعل لنفسه خلفاء يشهدون على العباد وهم الذين لديهم ولاية على البشر وللإشراف الكامل والإحاطة الشاملة على أعمال العباد قال تعالى: )وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)(التوبة/105) وفي إذن دخول حرم ثامن الحجج عليه أفضل الصلاة والسلام (يرون مقامي و يسمعون كلامي و يردّون سلامي). باعتبار أنّ مقام الإنسان حينما يدخل حرم الإمام عليه السلام عظيم للغاية حيث أنّه بصدد الدخول في الوادي المقدَّس فربّما لا يدرك هذا المقام هو أيضاً إلا أنّ الإمام عليه السلام يرى مقامه هذا ويسمع كلامه ويرد سلامه. وأما رؤية المقام فلا يقصد منه الرؤية الظاهرية فحسب بل الرؤية الحقيقية المعنوية فالإمام عالم بالسر والعلن وقد ثبت ذلك اعتقادياً، فإنّ كلّ من لديه علم لدنّي إلهي فهو مرتبط بعالم الغيب ، ذلك العالم مختصّ بالباري جلّ وعلا (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ ...)(الأنعام/59). فهو تعالى للطفه بأهل البيت عليهم السلام منحهم هذه الموهبة وآتاهم ذلك الفضل الكبير وفي الزيارة الجامعة(آتاكُمُ اللهُ ما لَمْ يُؤْتِ اَحَداً مِنَ الْعالَمينَ) فاطلعهم على غيبه قال تعالى : (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا)(الجن/26،27). فممن ارتضى هو الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم وهناك أشخاص آخرون تشملهم الآية ، وهناك أحاديث كثيرة تدلُّ على ذلك نكتفي ببعضها : ( في الكافي عن الباقر عليه السلام  في هذه الآية قال وكان محمد صلى الله عليه وآله  ممن ارتضاه ) وفي حديث آخر (عن الرضا  عليه السلام  فيها، فرسول الله صلى الله عليه وآله عند الله مرتضى ونحن ورثة ذلك الرسول الذي اطلعه الله على ما يشاء من غيبه فعلمنا ما كان وما يكون إلى يوم القيامة) ومن لديه علم الغيب فبالطبع يرى أعمال الناس وقد دلّ على ذلك بالصراحة ( وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)(التوبة/105) وقد كثرت الأحاديث في هذا المجال نكتفي بعدد منها ( ففي أمالي  شيخ الطائفة قدس سره بإسناده إلى عمر بن أذينة قال : كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فقلت له: جعلت فداك قوله عزّ و جل: ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ) قال: إيّانا عنى . (وفي الكافي باسناده عن يعقوب بن شعيب قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن قول الله عزّوجل: ( وقل اعملوا فسيرى الله  عملكم ورسوله والمؤمنون...قال: هم الأئمة) .ولا يخفى أنّ ذلك غير مختص بوجود الرسول بين الناس حيّاً بل يشمل جميع الأزمنة حيث لا فرق بين حياته ومماته وقد ورد حديث في خصوص ذلك في تفسير علي بن ابراهيم باسناده قال:( عن حنان بن سدير عن  أبيه عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله : مقامي بين أظهركم خيرٌ لكم، فإنّ الله يقول:( وما كان ليعذبهم وأنت فيهم) ومفارقتي إيّاكم خيرٌ لكم، فقالوا: يارسول الله مقامك بين أظهرنا خيرٌ  لنا فكيف يكون مفارقتك خير لنا؟ فقال: أمّا مفارقتي إيّاكم خيرٌ لكم فلأنّه يُعرض عليَّ كلُّ خميس وإثنين أعمالكم ، فما  كان من حسنة حمدت الله عليها، وما كان من سيئة استغفرت لكم).

وقال:

)وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاَء..)(النحل/89). .  والظاهر ان هذا الشاهد من كل أمة هو نبيهم وإن لم يصرح به في الآيات ، وعلى رأسهم  نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وآله و سلّم  )فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا))النساء/41) وقال:)يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا)(الأحزاب/45).

وبالنسبة إلى أمير المؤمنين عليه السلام ورد قوله تعالى:)وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ )(الرعد/43). والأحاديث الكثيرة تؤكّد على أنّ الذي عنده علم الكتاب هو أمير المؤمنين عليه السلام وعن أبي  جعفر عليه السلام «قُلْ كَفى‏ بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ» قال: إيانا عنى و علي أولنا و أفضلنا و خيرنا بعد النبي صلى الله عليه و آله.

أهميّة الشاهد:

ثمّ هذا إن دلّ على شيء فيدلُّ على أنّ شخصية الشاهد لدى الله سبحانه ذات شأن عظيم ومرتبة عالية ، ومن هذا المنطلق نرى حواريي عيسى يشتاقون في أن يكونوا شهوداً ففي قصّة المائدة ( قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنْ الشَّاهِدِينَ)(المائدة/113) بل طلبوا من الله ذلك (رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ)(آل عمران/53) وأيضا يبيّن سبحانه صفاتهم في قوله (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ)(المائدة/83). فلم يطلبوا ذلك إلا بعد أن تعرّفوا على حقيقة الشاهد ودوره القدسي في المحضر الإلهي.

 

خصوصيات الشاهد على واقعة الطف:

إنّ حادثة عاشوراء ليست حادثة عادية بل هي الحلقة بين الحوادث الماضية و ما سيتحقق في المستقبل فهي القيامة الصغرى وهي محلّ أنظار الملائكة والجن والأنبياء وهي المنعطف ، فلابدّ من وجود شاهد فذّ يعتمد عليه لتبيين الواقعة و شرحها وعلى اثر ذلك تبدأ المحكمة العظمى يوم القيامة فالشاهد في كربلاء لا بدّ و أن تتوفر فيه مواصفات وهي :

1- أن يكون من جنس البشر فلا تنفع شهادة الملائكة حيث أنّها غير متمكّنة من الحكم بدقة كما نشاهد في بداية خلق آدم حيث قالوا (..أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)(البقرة/30).

2- أن لا يتعرّض للقتل لأنّ جيش يزيد كانوا بصدد قتل جميع الرجال ، فلا بدّ أن تكون امرأة .

3- أن تكون محرماً لقادة الشهداء أعني الإمام الحسين عليه السلام وأبا الفضل وإخوانه وعلي الأكبر والقاسم  عليهم السلام حتى يمكنه الذهاب إلى هؤلاء الشهداء والجلوس إلى جنبهم .

4- ينبغي أن يكون قريباً لساحة القتال بحيث تكون الشهادة دقيقة لأنّ الحادثة تشتمل على جوانب عديدة وأبعاد مختلفة .

5- ينبغي أن يكون عالماً يرى ظاهر الحادثة وباطنها.

زينب الشاهدة :

وهل هناك شخصية أفضل من عقيلة بني هاشم :( زينب بنت أمير المؤمنين عليهما السلام ) فهي امرأة و أيّ امرأة !! بنت الإمام علي و أخت الإمام الحسن والإمام الحسين و أبي الفضل العباس عليهم السلام  هي عمّة علي الأكبر والقاسم ، وهي السيدة الهاشمية الجليلة بنت فاطمة الزهراء عليهما السلام ، وهي الناطقة ، الشجاعة ، و الأعظم من ذلك فهي عالمة غير معلمة تعرف قوانين العالم ونظام الكون و لها الإشراف الكامل على أبعاد وزوايا الحادثة ولديها بصيرة كاملة بالنسبة إلى المستقبل وهي عارفة بمدى دور هذه النهضة المباركة في بناء المستقبل المهدوي الزاهر فتشاهد جمال الحادثة رغم قبح الأفعال التي ارتكبت بشأن سيد الشهداء عليه السلام وأصحابه فتنادي بضرس قاطع (ما رأيت إلا جميلا ). لو ننظر إلى زينب عليها السلام من منظار الإمام الحسين عليه السلام فهي نبات مبارك، نبت في أرض كربلاء الطاهرة (..أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ..) فطاب منبتها ، وهي طالبة من طلابه أخذت دروس الإباء و الشجاعة و الإخلاص وغيرها و نقلتها إلى سائر الأمّة بل أسست مدرسة الأجيال يتعلّم فيها كلّ صغير وكبير . 

ولكن لو ننظر إليها من منظار آخر فهي " الشاهد" ومن أفضل الشهود فلا شاهد أفضل من زينب في كربلاء ولا أحد كان يتمكّن من أن يقوم بدورها سلام الله عليها فهي التي شهدت المواقف المختلفة وكانت تتعايش مع الحوادث بل كان لها دور فعّال في الحرب وكانت فرداً من أفراده .

الشاهدة العالمة:

الأنبياء والرسل عليهم السلام جاءوا إلى وادي الطف وشاهدوا جانباً من جوانب الواقعة لا كلّ جوانبها ، هم شاهدوا ما عُرِض عليهم فحسب وأمّا عقيلة الطالبيين فهي ببصرتها النافذة و علمها اللدني اطلعت على ظاهر الواقعة و أبطنها ، كما أنّ الله منحها لطفا خاصاً من إمام زمانها الإمام الحسين عليه السلام حيث وضع يده القدسية على صدرها  وقال: اللهمّ اربط على قلبها! فاصبحت مصداقا لقوله تعالى : (...وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ)(الأنفال/11). وفي الحديث هو الولاية . وبذلك خيّمت على وجودها المبارك الطمأنينة  و السكون وجعلت تنظر إلى الحوادث بإنصاف من دون إفراط وتفريط وهذا شأن كلّ من أراد أن يكون شاهدا ، مضافاً إلى هذا فهي  بذلك أصبحت تتخطّى ظاهر الحوادث فاطلّعت على البعد الاخر للحادثة أعني بعدها الغيبي البرزخي وبذلك هي التّي قيَّمت الشهداء رضوان الله تعالى عليهم ومنزلتهم في أعلى عليين حيث كانت تشاهد كيفية عروجهم إلى الملأ الأعلى و كانت تبصر مقامهم السامي و منزلتهم الرفيعة.

زبنب في عرصة القيامة:

تصوّر عندما تقوم القيامة و الله الواحد القهار يريد أن يحاكم قتلة الإمام الحسين عليه السلام سوف يُحضر الشهود ليشهدوا على الواقعة وهم الأنبياء والرسل و في مقدّمتهم الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله و سلّم والصديقة الطاهرة سلام الله عليها وأيضاً الإمام المجتبى وسائر الأئمة عليهم السلام فهم سيتحدّثون عمّا وقع في يوم عاشوراء ولكن : يأتي الخطاب هل هناك من شهد الواقعة بأم عينيه وكان حاضراً هناك شخصياً ؟

تأتي شهيدة الواقعة السيدة الصابرة زينب بنت علي عليها السلام فتشهد عليهم بما رأت من مصائب و آلام و ظلم و عدوان ، فيكون كلامها حجّة لله على الخلائق كما أنّها ستشهد على جهاد الأبطال ومواقف الأصحاب و على هممهم العالية و عزمهم الراسخ و قتالهم المستميت و تشهد أيضاً على صعود أرواحهم إلى عالم الملكوت وسكون نفوسهم في جنّة الخلد ووصولهم إلى أعلى عليين في مقعد صدق عند مليك مقتدر .

فيا ترى هل يمكن لأحد دون المعصومين عليهم السلام الوصول إلى هذه المرتبة العالية عند الله تعالى غير السيدة العقيلة زينب بنت علي بن أبي طالب عليهما السلام !!

وهذا الأمر أعني "الحاجة إلى "الشاهد" هو من الدلائل التي جعلتها تأتي إلى كربلاء لأن قوام تحقق القيامة على أمرين هما الحساب و الشاهد. وأمّا المواقف التي تشهد عليها فهي كثيرة نذكر بعض ما ورد في التأريخ منها:

*علي الأكبر:

بعد أن قتل علي الأكبر عليه السلام نشاهد موقف زينب عليها السلام المؤلم ففي المقاتل (فخرجَتْ زينبُ بِنْتُ عليٍّ عليه السلام مُسْرِعةً وخلفَها النساءُ والأطفالُ، وهِيَ تُنادِي: يا حبيباه، يا ابن أُخَيَّاه. وانكبَّتْ عليهِ، فبكَى الحسينُ عليه السلام رَحْمةً لِبُكَائِها، وقالَ: "إنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجعونَ"... وقامَ وأخذَ بيَدِها وردَّها إلى الفُسطاط).

*الطفل الرضيع :

 ( ودعا بولده الرضيع يودّعه ، فأتته زينب بابنه عبد الله واُمّه الرباب فأجلسه في حجره يقبّله ويقول : (( بُعداً لهؤلاء القوم إذا كان جدّك المصطفى خصمهم ) أنظر إلى هذا الموقف فماذا يعني أن تأتي زينب بالطفل رغم وجود أمّها الرباب هناك ؟.

*مصرع الإمام :

في يوم الحادي عشر من محرّم أخذت زينب عليها السلام تندب أخاها الحسين عليه السلام وتنادي بصوت حزين وقلب كئيب: يا محمداه! صلّى عليك مليك السماء هذا حسينك مرمَّل بالدماء ، مقطَّع الأعضاء ، و بناتك سبايا ، وإلى الله المشتكى.. ثم بسطت يديها تحت بدنه المقدس ورفعته نحو السماء وقالت: إلهي تَـقـبَّـل منَّا هذا القربان، و في الحديث (إنها أبكت والله كل عدوٍّ وصديق) فمن خلال هذا الفعل بيّنت موقفها للأمّة وأنّه استمرار لخطّ أخيها الإمام الحسين عليه السلام .

إن هول المصيبة وعظم الفاجعة وقسوة الحدث ، لم يشغل كل ذلك العقيلة زينب عن أداء دورها الرسالي الخطير في اعلان الظلامة ، وتأجيج العواطف ، و الهاب المشاعر حتى في نفوس الأعداء الظالمين . .

أبعاد شهادتها:

*الأول: شهدت مقدّمات عاشواء حيث تواجدها في الركب الحسيني من المدينة إلى كربلاء .

*الثاني: شهدت وصول الأصحاب إلى التعالي والرشد.

*الرابع: شهدت مظلومية أخيها سيد الشهداء عليه السلام و أنصاره.

*الخامس : شهدت شهادة الإمام عليه السلام والأنصار.

*السادس: شهدت كيفية حدوث العالَم الحسيني الذي تختلف قوانينه عن قوانين أسفل السافلين.

*السابع : شهدت ورود أوّل مجموعة في العالَم الحسيني .

والجدير بالذكر أنّها قد أعلنت نتيجة شهادتها في كلمة واحدة وهي : (ما رأيت إلا جميلا)

كتبه

إبراهيم الأنصاري البحراني

البحرين-المنامة

تاريخ الإنشاء: 18 محرم 1436 هـ -الموافق 11 نوفمبر 2014